حين ندعو إلى الحرية التي تمارس تحت القيادة وإلى الديمقراطية التي تمارس بالتوجيه الممركز ، فإن هذا لا يعني أبدا أن المسائل الفكرية ومسألة التمييز بين الحق والباطل داخل صفوف الشعب يمكن أن تحل بأساليب الإكراه . إن المحاولات الرامية إلى حل المسائل الفكرية ومسألة الحق والباطل بأساليب الأوامر الإدارية وبوسائل الاكراه هي محاولات عقيمة ، بل مضرة أيضا. فمثلا ليس بإمكاننا إلغاء الدين بالأوامر الإدارية ولا إجبار الناس على عدم الايمان به . وليس بالإمكان حمل الناس على نبذ المثالية ، كما أنه ليس بالإمكان إكراههم على الايمان بالماركسية . إن جميع المسائل ذات الصفة الفكرية وجميع المسائل المُختلف عليها داخل صفوف الشعب ، لا يمكن أن تحل إلا بأساليب ديمقراطية ، كأساليب النقاش ، والنقد ، والإقناع والتثقيف ، ولا يمكن حلها بأساليب الإكراه والضغط . ولكي يتمكن الشعب من الانصراف إلى العمل المنتج والدراسة والتعلم على نحو مثمر ولكي يتسنى له أن يحيا في أوضاع يسودها النظام ، فإنه يطالب حكومته وقادته العاملين في حقل الإنتاج وقادة الأجهزة التربوية والثقافية بأن يصدروا مختلف الأوامر الإدارية المناسبة ذات الطابع الإلزامي . فبدون هذه الأوامر الإدارية يتعذر الحفاظ على النظام العام ، وهذا أمر بديهي في نظر كل إنسان ذي معارف أبجدية . إن الأوامر الإدارية وأساليب الإقناع والتثقيف تشكلان وجهين يكمل أحدهما الآخر في حل التناقضات بين صفوف الشعب . فالأوامر الإدارية التي تتوخى الحفاظ على النظام العام ينبغي لها أن تقترن بالإقناع وبالعمل التثقيفي ، لأن الاعتماد على الأوامر الإدارية وحدها ، في كثير من الحالات ، لا يجدي نفعا.

لقد عبّرنا في عام 1942 باختصار عن هذه الوسيلة الديمقراطية لحل التناقضات بين صفوف الشعب ، وذلك في صيغة ((وحدة –انتقاد – وحدة)) . وإذا ما أردنا التعبير عن ذلك بشكل أكثر وضوحا قلنا : ننطلق من الرغبة في الوحدة ونحل التناقضات عن طريق الانتقاد أو النضال لنتوصل إلى وحدة جديدة على أساس جديد . ويتضح من تجاربنا أن هذه هي الطريقة الصحيحة لحل التناقضات بين صفوف الشعب . وقد طبقنا هذه الطريقة عام 1942 لحل التناقضات داخل الحزب الشيوعي ، أي التناقضات بين ذوي نزعة الجمود العقائدي وبين الجماهير الواسعة من أعضاء الحزب ، والتناقضات بين الجمود العقائدي وبين الماركسية . ففي الماضي ، كان أصحاب نزعة الجمود العقائدي (( اليساري )) يلجأون في النزاع داخل الحزب إلى الطريقة المسماة ب (( الصراع القاسي والضرب بلا هوادة )) . إن هذه الطريقة كانت خاطئة . ونحن ، في انتقادنا للجمود العقائدي ((اليساري)) ، لم نعتمد هذه الطريقة القديمة ، بل اعتمدنا طريقة جديدة قوامها الانطلاق من الرغبة في الوحدة ، والتمييز بين الحق والباطل عن طريق الانتقاد أو النضال ، للتوصل إلى وحدة جديدة على أساس جديد . وقد استعملت هذه الطريقة إبان حملة الاصلاح التي جرت عام 1942 . وبعد مضي بضع سنوات ، في أثناء المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد سنة1945 ، تم الوصول بالفعل إلى تحقيق وحدة صفوف الحزب بأسره ، وأحرزت الثورة الشعبية بفضل ذلك نصرا كبيرا . ان تطبيق هذه الطريقة يستلزم قبل كل شيء استلهام الرغبة في الوحدة . فإذا لم تكن هناك رغبة ذاتية في الوحدة يتحتم أن يؤدي النضال إلى الفوضى التي يصعب الخلاص منها . أ لا يعني هذا تطبيق طريقة (( الصراع القاسي والضرب بلا هوادة )) ؟ فأية وحدة يمكن أن تتحقق في الحزب في مثل هذه الحال ؟ إننا ، بالاستناد إلى هذه التجربة ، اهتدينا إلى هذه الصيغة : (( وحدة – انتقاد – وحدة )) . وبعبارة أخرى : (( لنعتبر بالماضي لكي نكون أكثر حذرا في المستقبل ولنعالج المرض لانقاذ المريض )) . إن هذه الطريقة نفسها عممناها خارج الحزب أيضا . وطبقناها في جميع قواعد المقاومة ضد اليابان في تسوية العلاقات بين القيادة والجماهير ، والعلاقات بين الجيش والسكان ، والعلاقات بين الضباط والجنود ، والعلاقات بين مختلف وحدات الجيش ، والعلاقات بين مختلف الملاكات ، فأحرزنا نجاحات واسعة . ويمكن أن نستعرض تطور هذه المسألة في تاريخ حزبنا خلال مرحلة أقدم من ذلك أيضا . فإننا ، منذ إنشاء قوات مسلحة ثورية وقواعد ثورية في جنوبي البلاد عام 1927 ، أخذنا نطبق هذه الطريقة في تسوية العلاقات بين الحزب والجماهير ، وبين الجيش والسكان ، وبين الضباط والجنود ، وسائر العلاقات داخل صفوف الشعب . والفرق الوحيد هو أننا طبقناها ، إبان حرب المقاومة ضد الغزاة اليابانيين ، بمزيد من الوعي . وبعد تحرير البلاد كلها ، طبقنا هذه الطريقة أيضا (( الوحدة – الانتقاد – الوحدة )) على الأحزاب الديمقراطية والأوساط الصناعية والتجارية . ومهمتنا الآن هي أن نستمر في تعميم وتحسين استعمال هذه الطريقة بين الشعب بأسره وأن نطالب بتطبيقها لأجل حل التناقضات الداخلية في جميع المصانع وفي جميع تعاونيات الإنتاج والمؤسسات التجارية ومؤسسات التعليم والدوائر والمنظمات الاجتماعية ، وبالإجمال بين الستمئة مليون إنسان في بلادنا .

إن التناقضات بين صفوف الشعب في الأوضاع العادية لا تُعتَبر تناقضات عدائية . ولكنها قد تصبح عدائية إذا ما عولجت معالجة غير صائبة أو إذا ضعفت اليقظة وتفشى الإهمال والتواني . ومثل هذه الحالات في البلدان الاشتراكية هي في العادة حالات جزئية مؤقتة . ويعود ذلك إلى زوال نظام استثمار الإنسان للإنسان فيها وإلى أن مصالح الشعب فيها واحدة بصورة أساسية . إن الأعمال العدائية التي جرت أثناء أحداث هنغاريا وكانت على نطاق واسع ، تعود إلى أن العوامل الداخلية والخارجية المناهضة للثورة لعبت دورا فيها . وهذه ظاهرة خاصة وكذلك عابرة . فالرجعيون في البلدان الاشتراكية ، بالتواطؤ مع الاستعماريين وباستغلال وجود التناقضات بين صفوف الشعب ، يعمدون إلى بذر بذور الشقاق وإثارة الاضطراب ، ساعين إلى تحقيق مؤامراتهم . إن هذا الدرس المستخلص من أحداث هنغاريا لجدير بانتباهنا .

يبدو لكثير من الناس أن اعتماد الأساليب الديمقراطية في حل التناقضات بين صفوف الشعب هي مسألة جديدة ، ولكنها في الواقع ليست جديدة . فقد اعتبر الماركسيون دائما أن قضية البروليتاريا لا يمكن إنجازها إلا بالاعتماد على الجماهير الشعبية ، وأن الشيوعيين ، أثناء قيامهم بعملهم بين الشغيلة ، أن يعتمدوا أساليب الإقناع والتثقيف الديمقراطية ، وأن اعتماد أساليب الأوامر الإدارية والاكراه أمر لا يُسمح به بتاتا في هذا المجال . إن الحزب الشيوعي الصيني يراعي بإخلاص هذا المبدأ الماركسي اللينيني . ونحن أكدنا ونؤكد على الدوام أنه في ظل نظام الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية وفي سبيل حل التناقضات بيننا وبين أعدائنا والتناقضات بين صفوف الشعب – وهما نوعان من التناقضات يختلفان من حيث طابعهما – يجب اتباع طريقتين مختلفتين هما الدكتاتورية والديمقراطية . لقد سَبق الكلام عن ذلك في الكثير من وثائق سابقة صادرة عن حزبنا وفي خطب عدد كبير من قادة حزبنا . فقد جاء في مقال كتَبتُه عام 1949 بعنوان ((الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية )) أن (( الديمقراطية للشعب والدكتاتورية على الرجعيين هما اللتان تؤلفان الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية )) ، وأن (( الأساليب التي نستخدمها )) في سبيل حل المسائل القائمة داخل صفوف الشعب (( هي أساليب ديمقراطية ، أي أساليب الإقناع وليست أساليب الإكراه )) . وفي الخطاب الذي ألقيته خلال الدورة الثانية للمجلس الاستشاري السياسي للشعب الصيني في حزيران ( يونيو )1950 ، قلت أيضا: (( هناك طريقان لممارسة الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية :فالطريقة الأولى طريقة الدكتاتورية وهي تستخدم حيال الأعداء ، أي أنه في غضون فترة من الزمن تحدد الضرورة مداها ، لا يسمح لهم بالاشتراك في النشاط السياسي ، ويرغمون على إطاعة قوانين الحكومة الشعبية ، وعلى أن يقوموا بعمل ما لكي يتحولوا عن طريق اشتراكهم في العمل إلى أناس جدد . أما بالنسبة للشعب فثمة طريقة ثانية هي على عكس الأولى ، إذ لا تطبق طريقة الإكراه بل الطريقة الديمقراطية ، أي أنه ينبغي أن يتاح للشعب مجال الاشتراك في النشاط السياسي ، وأن لا يُكره على القيام بهذا العمل أو ذاك ، بل يعامل بالطريقة الديمقراطية ، فيجري تثقيفه وإقناعه . ومثل هذا التثقيف هو تثقيف ذاتي بين صفوف الشعب ، أما طريقة الانتقاد والانتقاد الذاتي فهي الطريقة الأساسية للتثقيف الذاتي . )) لقد تكلمنا فيما مضى مرارا عن اتباع الطريقة الديمقراطية في حل التناقضات بين صفوف الشعب ، وعملنا وفق ذلك بصورة أساسية ، وأدرك الكثير من الملاكات والشعب هذه المسألة إدراكا عمليا . فلماذا نجد اليوم أناسا يبدو لهم أن هذه المسألة جديدة ؟ إن هذا يعود إلى أن النزاع بيننا وبين أعدائنا الداخليين والخارجيين كان في الماضي بغاية الحدة ، ولم يكن الناس يظهرون وقتئذ نفس الانتباه الذي يظهرونه اليوم حيال التناقضات بين صفوف الشعب .

وهناك كثير من الناس يعجزون عن التمييز بوضوح بين هذين النوعين من التناقضات المختلفين من حيث طابعهما ، أي التناقضات القائمة بيننا وبين أعدائنا والتناقضات القائمة بين صفوف الشعب ، فهم يخلطون بسهولة بينهما . ويجب الاعتراف بأنه من السهولة في بعض الأحيان الخلط بين هذين النوعين من التناقضات . وقد حصل أثناء عملنا السابق أن خلطنا بينهما . وفي خلال عملنا لإزالة العناصر المناهضة للثورة أُعتُبِرَ أناس لا غبار عليهم مجرمين خطأ . لقد حدث مثل هذا في الماضي ، وهو يحدث في الوقت الحاضر أيضا . إننا قادرون على تحديد أخطائنا ضمن إطار محدد ، وهذا يعود إلى أن سياستنا تنص على ضرورة رسم حد دقيق بيننا وبين أعدائنا ، وأنه يجب إعادة الاعتبار حيثما وقعت أخطاء .

تَعتبر الفلسفة الماركسية أن قانون وحدة الأضداد هو القانون الأساسي للكون . وهذا القانون يفعل فعله على العموم سواء أكان ذلك في الطبيعة أو في المجتمع البشري أو في تفكير الإنسان . فوجوه التناقض المتضادة تتعايش في الوحدة وفي التنازع ، وهذا ما يبعث في الأشياء الحركة والتغير . إن التناقضات موجودة في كل مكان ، إلا أن طابعها يختلف باختلاف طابع الأشياء . فوحدة الأضداد في كل شيء ملموس هي أمر مشروط ، مؤقت ، انتقالي ، وبالتالي نسبي ، في حين أن تنازع الأضداد هو مطلق. إن لينين قد تحدث بكثير من الوضوح عن هذا القانون . إن عدد من يدركون هذا القانون في بلادنا يتزايد أكثر فأكثر . غير أن الاعتراف بهذا القانون هو بالنسبة لكثير من الناس شيء ، وتطبيقه في درس وحل المسائل شيء آخر . فهناك كثير من الناس لا يجرؤون على الاعتراف جهارا بأن ثمة تناقضات ما تزال قائمة بين صفوف شعبنا، وأن هذه التناقضات هي التي تدفع مجتمعنا إلى أمام . وأن هذه التناقضات هي التي تدفع مجتمعنا إلى أمام. وهناك كثير من الناس أيضا لا يعترفون بأن هناك تناقضات ما تزال باقية في المجتمع الاشتراكي ، ولذلك فإنهم حين يصطدمون بالتناقضات القائمة في هذا المجتمع يتقاعسون ويظهر عليهم التردد ويصبحون سلبيين، فهم لا يدركون أنه في سياق معالجة وحل التناقضات بصورة صحيحة مستمرة تتعزز حتما وحدة المجتمع الاشتراكي الداخلية وانسجامه . فالضرورة تقضي إذن أن نقوم بتوضيح وشرح ذلك بين صفوف شعبنا وبالدرجة الأولى بين الملاكات لمساعدة الناس على تفهم التناقضات القائمة في المجتمع الاشتراكي وتفهم حل هذه التناقضات وفق الأساليب الصحيحة .

Advertisements