ليس تلكؤ مسيرة التنمية الاقتصادية هو السبب الرئيسي لانفجارات ثورات الربيع العربي

بل ان العكس هو الصحيح

بقلم الدكتور: سعد الدين إبراهيم، أستاذ جامعي، ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، (القاهرة)

1 ـ تناقش هذه الورقة ما حدث من ثورات في الوطن العربي في مقتبل القرن الحادي والعشرين، كظاهرة اجتماعية تاريخية، يسري عليها في التفسير، ما يسري على معظم الثورات التي عرفها العالم في القرون الثلاثة الأخيرة. فنحن نرفض، بداية، مقولة الاستثنائية “الإسلامية” أو “العربية” أو “الشرق الأوسطية”. فمثل كل ظاهرة اجتماعية، لا يمكن تفسيرها إلا بعوامل من نفس طبيعة الظاهرة ـ أي بعوامل اجتماعية ـ تاريخية.
2 ـ كذلك نرفض في هذه الورقة مقولة أن تلكؤ مسيرة التنمية الاقتصادية هو السبب الرئيسي لانفجارات ثورات الربيع العربي. بل ان العكس، كما سيتبين، هو الصحيح. فالبلدان التي شهدت هذه الثورات (تونس، مصر، ليبيا، البحرين، سورية، واليمن) حققت في السنوات العشر السابقة للثورة مباشرة (2000 2010) معدلات نمو غير مسبوقة في العقدين السابقين (1980 2000).
3 ـ وتخلص الورقة الى ان العوامل الحقيقية لهذه الثورات، هي الاستبداد السياسي، وغياب الحريات العامة، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. ولأنّ الشباب (15-30) هم الكتلة السكانية الأكبر في المجتمعات العربية، ولأنهم الأكثر شعوراً “بالحرمان النسبي”، والأكثر قدرة على التواصل والحركة، فلم يكن مستغرباً أن يكونوا هم طليعة المحتجين. وضاعف من غضبهم، وتحوله إلى “ثورة” استمرار حكامهم المستبدين في تجاهل مطالبهم، التي كانت “محتشمة”! ومتواضعة للغاية في البداية.
4 ـ كذلك تتناول هذه الورقة تجليات ما يطلق عليه علماء الاجتماع “التداعيات غير المتوقعة للفعل الاجتماعي” (United Consequences Social Action)، من ذلك ظهور جماعات جديدة، كانت محجوبة عن الشرعية، أو محاصرة، وملاحقة لسنوات عديدة من الأنظمة المستبدة في بلدانها.
5 ـ وأخيراً، تستشرف الورقة المسارات أو السيناريوهات المستقبلية لثورات الربيع العربي، واحتمالات إجهاضها، أو اختطافها، أو استمرارها وانتشارها أفقياً إلى بلدان الجوار، وتعميقها رأسياً إلى كل المستويات المجتمعية.

أولاً: في رفض الاستثنائيات
منذ ربع قرن، خرج علينا عدد من المستشرقين الجدد بمقولة الاستثنائيات من مسارات التاريخ، وقوانين علم الاجتماع، وكان المسلمون أساساً، ثم العرب ضمنياً هم المقصودون بهذه الاستثنائية.
فمع انهيار حائط برلين والاتحاد السوفياتي، وبقية الكتلة الشرقية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، بدا أن نموذج التطور “الرأسمالي” هو الذي انتصر تاريخياً، وأنّ التعددية السياسية، المعروفة باسم “الديموقراطية” هي التوأم المصاحب لهذه الرأسمالية، والذي سينتصر حتماً، معه أو بعيده بقليل. وبهذه الرؤية فتلك في نظرهم “نهاية التاريخ”، بالمعنى “الهيجلي الماركسي”، وفحواها ان “الصراع” هو القاطرة المحركة للتاريخ.
وكان أول المبشرين بهذه المقولة كل من صامويل هانغتون (Samuel Huntington)، وبرنارد لويس (Bernard Lewis)، وفرانسيس فوكوياما (Francis Fukoyama)، ولكن هذه المقولة اصطدمت بحقائق عينية على ارض الواقع العولمي. وكان لا بد لأساطنة فلسفة التاريخ الجدد أن يجدوا تفسيراً للاستثناء من القاعدة (Exception to the Rule). فذهب هانغنتون الى ان “الغرب” هو الأساس، وأن بقية العالم ما هو إلا هوامش تابعة، تدور في فلكه بالفعل، أو ستدور في فلكه إن آجلاً أو عاجلاً. وتجلى تأكيد هانغتون هذا، في عبارته المختصرة: “الغرب والبواقي” (The West and the Rest).
وتزامن ذلك مع نشر كتاب المؤرخ البريطاني برنارد لويس بعنوان: ما الذي حدث خطأ؟ (What went Wrong?)، الذي قدم فيه تفسيرات لماذا تأخر المسلمون، حينما كان الأوروبيون يتقدمون؛ من ذلك إغلاق باب الاجتهاد منذ القرن الثالث عشر، إلى العزلة الجغرافية بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح، والأميركيتين منذ القرن الخامس عشر. وهو ما حرم العرب والمسلمين من مواكبة الثورات التحديثية الأوروبية التي انفجرت خلال عصر النهضة، وعصر التنوير، والاصلاح الديني على يد مارتن لوثر، والثورتين العلمية والصناعية، ثم الثورة الفرنسية، التي استكملت تحرير الغرب سياسياً.
ومع صواب هذه الاجتهادات تاريخياً وثقافياً، إلا أنها حملت في أطيافها، تصريحاً أو تلميحاً، ان هناك شيئاً أو أشياء “إرثية” (Ascripture)، وبنائية أو هيكلية (Structural) تعوق العرب عن مواكبة “القدم”، بكل تجلياته العلمية والتكنولوجية، والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وانه لهذه الاعتبارات الارثية، طبقاً لهانغنتون مثلاً، في كتابه (الموجة الثالثة للديموقراطية The Third Ware of Democracy) تخلفت البلدان ذات الأغلبية المسلمة (Muslim Majority Countries) فلم تشملها لا الموجة الأولى للديموقراطية التي اجتاحت أوروبا في القرن التاسع عشر والنصف الاول للقرن العشرين، ولا الموجة الثانية التي اجتاحت بقية الاجزاء الاخرى من اوروبا الغربية في فترة ما بين الحربين (العالمية الأولى والثانية)، ولا الموجة الثالثة، التي اجتاحت جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية وشرق وجنوب آسيا، منذ ثورة البرتغال عام 1974.
ولكن الشاهد ان بلداناً عربية وإسلامية كانت قد شاركت في موجات الديموقراطية الثلاث؛ فمصر، في ظل الخديوي إسماعيل، والعراق في ظل حاكمها داوود باشا ثم الملك فيصل الثاني، وتونس في ظل حاكمها خير الدين التونسي، بدأت تجارب ديموقراطية وتحديثية واعدة في القرن التاسع عشر. أي مع الموجة الاولى في أوروبا. ولكن الأطماع الاستعمارية الغربية هي التي أجهضتها. كما حدث نفس الشي مع الموجة الثانية، مع زرع إسرائيل في قلب المشرق العربي، وهو ما أجهض محاولة التحاقهم بالموجة الثانية. حيث اتهمت الأنظمة الليبرالية الوليدة في مصر وسورية والعراق بالمسؤولية عن الهزيمة العربية الاولى مع إسرائيل (1948 1949)، فشهدت البلدان العربية التي هُزمت جيوشها في فلسطين (1948 1949) انقلابات عسكرية، متتالية، بدأت بسورية (1949)، ثم مصر (1952)، ثم العراق (1958). وأخيراً، فإنّ الموجة الثالثة للديموقراطية، التي بدأت بثورة البرتغال عام 1974، تزامنت مع تداعيات الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة (تشرين الأول/ اكتوبر 1973)، ومنها “الطفرة النفطية”.. ومع ذلك بدأت مصر مسيرة ديموقراطية مترددة مع سياسة “الانفتاح الاقتصادي” التي استحدثها الرئيس الراحل انور السادات.
هذا، فضلاً عن أمثلة أخرى في جنوب شرق وغرب آسيا وهي اندونيسيا وماليزيا وتركيا وهي بلدان ذات أغلبية مسلمة، أخذت بعملية التحول الديموقراطي خلال الموجة الثالثة. وأن مرور عقدين على الأقل على التجارب الآسيوية الثلاث، يعني أنها تتجذر، ويصعب ارتدادها في الأجل المنظور. وهو ما يدحض مقولة صامويل هانتغتون حول “التناقض البنائي بين الديموقراطية والإسلام”. هذا، فضلاً عن ان مقولات ثقافية مشابهة كانت قد شاعت قبل قرن من الزمان عن عدم قابلية الشعب الياباني والشعب الالماني للأخذ بالديموقراطية لتراثهما السلطوي. وقيل نفس الشيء عن البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية. حيث ان هذه الأخيرة مثل المسلمين تخضع لتراث السمع والطاعة “لولي الأمر”، والذي هو في حالتهم بابا الفاتيكان، المعصوم من الخطأ!
فالشاهد الامبريقي، هو انه متى توفرت عوامل اجتماعية ثقافية اقتصادية معينة، فإنّ الشعوب تنزع الى الرغبة في المشاركة السياسية، أي في إدارة الشأن العام. والذي يتجلى في شعار، “لا ضرائب بلا تمثيل” (No Taxation without Representation).
ويقول علماء الاجتماع السياسي، مثل سيمور لبست (S. Lipset)، ان الديمقراطية هي الابنة الشرعية للطبقة الوسطى، أو البرجوازية بالمفهوم الماركسي، فمع بزوغ هذه الطبقة، والتي هي الديمقراطية. لتجعلها “ثلاثية اجتماعية اقتصادية سياسية”، ولذلك قيل ان الطبقة الوسطى هي الحاضنة والمُرضعة الرؤوم للديمقراطية. فأبناء هذه الطبقة ينشأون على عقيدة “الانجاز” (Achievement) للحراك الاجتماعي الى أعلى، وما تنطوي عليه من “المنافسة” في التعليم، والرياضة، والتجارة، والثقافة، والفنون. فلماذا تستثنى “السياسة”؟ وهكذا أصبح النضال من أجل التحول الى الديمقراطية، واستمرارها مرتبطاً بظهور ونمو الطبقة الوسطى، بكل شرائحها.

ثانياً: من تجليات الاستبداد
مع “الحكم المطلق”، يستقر في وجدان السلطان أن بلاده قد أصبحت ضيعة خاصة يملكها، كما يملك الدواب والسيارات والخدم والعبيد والجواري، بل ربما يعتبرهم مجرد جرذان أو فئران.
ونحن هنا لا نبالغ. فقد سمعها الشعب الليبي من معمر القذافي مباشرة، حينما هبوا وثاروا عليه في منتصف شباط/فبراير 2011. صحيح، أن معظم الحكام العرب لم يُصرحوا بذلك علانية، كما فعل القذافي. ولكن أغلب الظن أنهم يضمرون في قرارة أنفسهم هذا الحاضر الاستعلائي الصارخ. من ذلك، أن حاكم تونس، زين العابدين بن علي، وهو يفر من تونس مجبراً، بعد عدة أسابيع من غضب شعبي عارم، قال لشعبه، “الآن فهمتكم”. فهل فعلاً لم يكن بن علي يفهم شعبه؟.
ان حقيقة الأمر ان بن علي، كغيره من حكام العالم الثالث، ينحدر من أصول شعبية تونسية. ولكن بمجرد بداية الصعود في مراتب السلطة، فإن التفاعل مع الشعب، يبدأ في التناقص تدريجياً، الى أن ينقطع تماماً. وتقتصر معلومات وأخبار الشعب على ما تنقله إليه حاشية الحاكم, وأجهزة الاستخبارات.
من ناحية أخرى، وحتى لو تسربت الى مسامع الحاكم أن بعضاً من رعيته يتبرّم، أو يشكو، أو ينتقد، فإن أفراد الحاشية لديهم من الروايات والتفسيرات ما يبقي الحاكم مطمئناً على سلطاته. فهؤلاء المعارضون هم إما مأجورون، أو موتورون، أو طامعون، أو طامحون.
والمأجورون في نظر حاشية الحاكم، هم فئة باعت نفسها لحساب أطراف خارجية أو داخلية، أي ان نقدهم للحاكم، يتم لحساب هذه الأطراف، وليس لمصلحة عامة، أو حتى لمصلحة خاصة. ويصدق الحاكم ذلك، وينتظر فرصة لفضحهم في وسائل الاعلام التي تسيطر عليها أجهزة الحاكم المستبد، أو لشرائهم في الوقت المناسب.
أما الموتورون، فهم فئة مذبذبة، تصورها أجهزة الحاكم أنهم ضعاف منافقون، مستعدون للأكل على كل الموائد، أو حتى على فضلات تلك الموائد. وبالتالي، فلا ينبغي للحاكم أن يعيرهم كثير اهتمام؛ فهم في النهاية سيأتون له صاغرين، وعند أقدامه يسجدون.
وهكذا، فمن طبائع الاستبداد أن لا يعير الحاكم عالم الحقيقة وزناً، ما دام لديه علمه الوهمي او الافتراضي، الذي خلقه له أفراد حاشيته، ويشعر فيه الحاكم بالنشوة والدفء. وكان أحد مفكري النهضة العربية، في القرن الماضي، وهو عبد الرحمن الكواكبي، في “طبائع الاستبداد” قد رصد هذه الظاهرة. كما رصدها قبله بستة قرون، عبد الرحمن بن خلدون، في “المقدمة”. ولكن حكامنا لا يقرأون، وإذا قرأوا فإنهم لا يستوعبون. وإذا استوعبوا، فإنهم لا يتّعظون. إذ يُنقل عن مبارك وإعلامه، بعد الثورة التونسية، ترديدهم لعبارة “إن مصر ليست تونس”، وهو نفس ما ردده معمر القذافي (ان ليبيا ليست مصر)، ثم اليمني علي عبد الله صالح، وهو ما تردده وسائل الاعلام في سورية (أي سورية لا هذا ولا ذاك).

ثالثاً: في الرد على مقولة الحرمان الاقتصادي
طبقاً لمؤشرات التنمية البشرية، كما جاء في التقارير السنوية لـ”برنامج الأمم المتحدة الانمائي” (UNDP Arab Human Development Reports)، فإن كل الأقطار العربية قد حققت معدلات من النمو الاقتصادي، تتراوح بين 3,0 و7,0 في المئة سنوياً خلال العقد الأول للقرن الحادي والعشرين (2000 2009)، أي ان العرب اجمالاً كانوا في نهاية ذلك العقد أعلى دخولاً، وأكثر تعليماً وصحة وتغذية. صحيح ان معدلات هذه التنمية قد تفاوتت من قُطر عربي الى آخر، ولكن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي في الوطن العربي قد تضاعف، بما فيها بلدان الربيع العربي وهي تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين.
ففي البحرين مثلاً، ارتفع النصيب السنوي للفرد من الدخل ثلاث مرات من 13,000 دولار عام 1999 الى 37,000 دولار عام 2009، وفي مصر ارتفع احدى عشرة مرة من 500 دولار الى 5500 دولار خلال نفس العقد، وكذا الأمر في تونس من 1300 الى 8,000 دولار. وفي ليبيا قفز ثلاث مرات من 5,000 الى 15,000 دولار، أي أن متوسط الدخل الفردي كان يرتفع، باطراد، وبمعدلات تضاهي أو تزيد على بعض بلدان العالم الأولى. ففي اسرائيل، مثلاً، لم يرتفع بنفس الوتيرة، فقد كان 18,000 دولار عام 1999، وأصبح 29,000 دولار خلال نفس المدة، أي أقل من الضعف.
وفي كل الاحوال فإن شعوب دول الربيع العربي لم يعرف أنها عانت الحرمان، لا في حاجاتها الأساسية، من غذاء وكساء وصحة وتعليم، ولا حاجاتها الكمالية، من سلع معمرة (مثل السيارات والبرادات والاجازات والسفريات).
إذاً ما هو نوع المعاناة أو الحرمان، الذي يمكن أن يدفع بعض أبنائها الى الانتفاض أو الثورة؟ انه بالقطع ليس “حرماناً مطلقاً”.
وهنا يقدم لنا علماء اجتماع الثورات، مقولة “الحرمان النسبي” Relative Deprivation))، وفحواها أن الناس تقارن نصيبها من السلع والخدمات وحظوظ الحياة، لا بما كانت عليه من عشر سنوات، ولكن بما عليه حظ الآخرين، خلال نفس المدة، في نفس البلد، أو في بلدان قريبة أو مجاورة، وقد لخّصها عالم الاجتماع جورج هومانز (George Homans) بمعادلة بسيطة، هي: ما أحصل عليه الآن/ مقارنة بما كنت أحصل عليه منذ عشر سنوات = ما يحصل عليه الآخر،/ مقارنة بما كان يحصل عليه الآخر منذ عشر سنوات، 10,000/ 2,000 = 10,000/ 1,000 = 10,000.
فرغم أن كل واحد منا قد تحسن دخله تحسناً ملموساً، الا ان معدل التحسن عند جاري (عشر مرات) هو ضعف المعدل عندي (خمس مرات). وهذا ينتج منه عندي، ما يسميه علماء الاجتماع بـ”الحرمان النسبي”..، وقديماً قالوا، ان “الظلم” ليس هو الذي يؤدي الى الثورات، ولكنه “الشعور بالظلم”.
وهذا ما بدأ يحدث لشعوب الربيع العربي، واحداً تلو آخر. وحالة التونسي محمد البوعزيزي البائع المتجول، الذي أحرق نفسه احباطاً وضيقاً من ملاحقة شرطة البلديات له، مطالبين اياه بالرشوة أو الإتاوة الدورية، وإما منعه من ممارسة تجارته المتواضعة، التي كان يكسب منها ما يكفي بالكاد لإعالة أسرته، لم تكن هذه الحالة تونسياً، أو عربياً حالة فريدة، فهناك مئات الآلاف، إن لم يكن عشرات الملايين، مثل محمد البوعزيزي خريج مدرسة ثانوية، أو كلية جامعية، ولكنه لا يجد عملاً نظامياً، لا في الحكومة ولا القطاع الخاص. فيلجأ، مثل محمد بوعزيزي، الى عمل خاص، حتى لو كان متواضعاً، ودون مستوى مؤهلاته الدراسية، أو قدراتها العلمية.
وما صدق في حالة التونسي محمد بوعزيزي، هون نفسه ما صدق على حالة المصري خالد سعيد، الذي كان يمارس نشاطاً مشروعاً في أحد مقاهي الانترنت، ولكنه بالصدفة وقع على فيلم تم التقاطه بواسطة ضباط شرطة، لعملية اقتسام ومضبوطات من المخدرات، كان ينبغي اعدامها أو تحريزها والتحفظ عليها في مخازن أمانات الشرطة. فقام المتورطون في هذا العمل غير الشرعي بمصادرة جهازه الحاسب، والاعتداء على خالد سعيد، اعتداء مبرحاً، أفضى الى الموت.

رابعاً: من الاستبداد الى الفساد
وفي الحالتين السابقتين لا ينطوي الأمرعلى استبداد ممثلي السلطة في التعامل مع المواطنين، ولكن أيضاً عن فسادهم البوّاح. وما كان لهذا الفساد الصغير (Petty Corruption) على المستويات الدنيا من البيروقراطيات العربية أن ينتشر، إلا لأن الفاسدين والمفسدين في المستويات الوسيطة يغضون البصر عنه. وما كان للأخيرين أن يكونوا كذلك، إلا لأن المستوى الأعلى- أي النخبة الحاكمة غارقة في الفساد أيضاً، وهو ما يسمى بـ”الفساد الكبير” (Grand Corruption)؛ أي اننا لسنا هنا بصدد حالات فردية متناثرة، ولكن بصدد سلسلة، أو منظومة فاسدين تبدأ من أعلى مستويات الدولة، الى أن تصل الى الشرطي الذي لاحق خالد سعيد في مصر، ومحمد البوعزيزي في تونس.
ويتجلى الفساد الكبير عادة في مظاهر عديدة، منها صفقات السلاح، وتراخيص الاستيراد والتصدير، الى “المحسوبية” في تعيين الأقارب والأصهار والمعارف في مناصب مرموقة، بدون وجه حق. أي أنهم لا يكونون عادة الأجدر لشغل المواقع العامة. ورغم أن هذه الظاهرة قد تسببت في مصائب هائلة، منها انتكاسة انفصال سورية عن مصر، وإجهاض تجربة الجمهورية العربية المتحدة (1961)، ثم أنكى من ذلك الهزيمة العربية المروعة، (عام 1967)، على يد الكيان الصهيوني. وكان بطل النكستين هو هو (المشير عبد الحكيم عامر)، الذي ظل في موقع المسؤولية رغم عدم الكفاءة، لا لشيء، إلا لأنه كان صديقاً مقرباً من زعيم البلاد في ذلك الوقت، وهو الرئيس جمال عبد الناصر (1952 1970).
وقد رصد المراقبون للمشهد الليبي، شيئاً مشابهاً، حيث وضع مستبد ليبيا، معمر القذافي، أبناءه وأولاد عمومته، وأفراد قبيلته (القذاذفة) في كل مواقع المسؤولية، فظلوا يحتكرونها لأكثر من أربعين سنة (1969 2011). وهي ثلثا تاريخ ليبيا منذ الاستقلال (1953). وهو نفس ما فعله طاغية تونس، زين العابدين بن علي. وإن كانت المحسوبية في حالته شملت أساساً إخوة وأقارب زوجته من عائلة الطرابلسي، وعدة فروع أخرى من العائلتين (أي بن علي والطرابلسي).
ونجد نفس ظاهرة المحسوبية القرابية بشكل صارخ في آل الأسد في سوريا، فلم يكتفِ الرئيس الراحل حافظ الأسد، بتعيين إخوته، بل أيضاً أبنائه في أعلى مواقع الجيش والمخابرات وقيادات بقية الأسلحة، وإنما وضع أيضاً أصهاره من أسرة مخلوف، في كل المواقع الحاكمة للاقتصاد والأمن الداخلي. فإذا ظلت مواقع لم يشغلها أقارب الدرجات الثلاث الأوائل، فليكن لأبناء الطائفة “العلوية”، التي هي أحد فرق النصيرية الشيعية، المتمركزة جغرافياً في شمال غرب سوريا، في المرتفعات المعروفة باسمهم، وهي جبل العلويين.
حتى مصر، صاحبة الدولة الأقدم في المنطقة والعالم، لم يُبرأ نظامها السياسي في زمن الانحطاط من المحسوبيات الصارخة على أعلى المستويات. ففضلاً عما فعله الرئيس مبارك بإطلاق يد زوجته في مساحات كبيرة من الفضاء العام، فإنه أطلق يد ابنه الأكبر (علاء) في مجالات المال والأعمال، وأطلق يد ابنه الثاني (جمال) في أعلى مستويات الحزب الوطني الحاكم. فكان هو الذي يرشّح لأبيه الوزراء ورؤساء الوزارات وقادة مؤسسات الدولة والقطاع العام. وأصبح مخطط توريثه رئاسة البلاد “أمراً مقضياً”. وحينما أطلقنا صفارة إنذار حول هذا المخطط في مقال لنا في (مجلة المجلة اللندنية)، عدد 30 حزيران/يونيو 2000، بعنوان “الجملوكية” قبض علينا في مساء نفس اليوم، وزُجّ بنا في غياهب السجون (2000 2003).
ومن فجاجة ظاهرة المحسوبية ومخططات التوريث، اقترح أحد الزملاء (التونسي محسن مرزوق) انه بدلاً من الفرع المعروف في علم الاجتماع السياسي بدراسات النخبة يستبدلها بدراسة انتروبولوجية من “علم الأنساب”.

خامساً: لماذا الشباب:
كان الشباب على مدار التاريخ، هم الشريحة العمرية الأكثر تهيؤاً للثورة. وقد قاد الشباب في القرنين الأخيرين (التاسع عشر والعشرين) كل ثورات العالم. فقد كان متوسط عمر الثوار الاميركيين الذين انتفضوا ضد بريطانيا (1777) 33 عاماً، وكان هذا المتوسط يمكن أن ينخفض إلى السابعة والعشرين، لو لم يختاروا شيخاً في الخمسينيات ليقودهم، وهو جورج واشنطون. وكان متوسط العمر بين قادة الثورة الفرنسية، 26 عاماً. وحتى ثورة تموز/ يوليو المصرية التي قادها جمال عبدالناصر، كان متوسط الأعمار فيها 32 عاماً. وكان الثلاثة الكبار فيها (محمد نجيب 50 سنة، ومحمد رشاد مهنا 40 سنة، وأنور السادات 37 عاماً)، وهم الذين رفعوا المتوسط العام للأعمار.
ويقول علماء الاجتماع ان شريحة الشباب، بحكم توسطها بين مرحلتي الطفولة (1 -12) والكهولة (30-50) فإنها شريحة قلقة، يعاملها المجتمع أحياناً كما لو كانوا ما يزالون أطفالاً غير جديرين بتحمل المسؤولية، وأحياناً كما لو كانوا كباراً، يجب أن يتحملوا المسؤولية. ويدفعها هذا القلق الى الانحراف، أو التمرد، أو المغامرة، أو الثورة. وهذه كلها من سمات وخصائص أي “ثورة”، فالثورة هي رفض للواقع القائم، بمؤسساته وقيمه وسلوكياته. وفي المجتمعات المفتوحة، توجه عادة قنوات مؤسسية للتعامل مع الشباب وادارة قلقهم بحيث يتم استيعابهم، ويصبح “قلقاً بناءً” (Creative Tension).
ولعل أكثر هذه القنوات شيوعاً هي “الرياضة” والفنون والعلوم بكل تجلياتها، وذلك بتحويل القلق الشبابي الى “تميز” في العلوم، وابداع في الفنون، وبطولات في الرياضة.

كما ان المجتمعات المفتوحة اجتماعياً وسياسياً، تفتح الباب للشباب، وتشجعهم على الخدمة العامة والمشاركة السياسية. ولكن الشاهد، هو ان الرئيس حسني مبارك لم يسمح بما يكفي من هذه القنوات في مصر. وحتى حينما بدا وكأنه أتاحها، فقد كانت تحت سمع وبصر (الأجهزة الأمنية)، أو تحت وصاية وقيادة أبناء النخبة الحاكمة ذاتها، مثل لجنة السياسات بالحزب الوطني التي كان يرأسها جمال نجل الرئيس مبارك، لعشرة اعوام (2000 2010).
وحتى عندما كان النظام يختار وزيراً لـ”الشباب”، فقد كان عادة من جيل الكهول (مثل د. علي الدين هلال، الذي أصبح وزيراً للشباب وهو في منتصف الخمسينيات من العمر).
وحينما قال الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لأبناء شعبه الثائرين عليه، “الآن فهمتكم”، فقد كان قد مرّ عليه في الحكم 23 سنة، أي ان الثوار التونسيين لم يكونوا قد ولدوا، أو بالكاد كانوا أطفالاً عند توليه الحكم. أما حسني مبارك (83 سنة)، فقد كان فارق العمر بينه وبين شباب التحرير (21 سنة) 62 سنة. وطبقاً لعبدالرحمن بن خلدون، فإن الجيل هو 25 سنة. فكأننا نتحدث عن فارق جيلين ونصف بين مبارك واولئك الشباب. ولذلك اذا كان بن علي قد فهم الشباب التونسي متأخراً، بعد فوات الأوان، فإنّ مبارك لم يفهم جيلين من شباب مصر على الاطلاق!
لذلك، فقد ثار هؤلاء الشباب على الكهول والشيوخ من قيادات لم ينتخبوها، ولم تتواصل معهم، أو تتعاطف مع آلامهم، وآمالهم سواء في البحرين أو سورية، أو اليمن، أو مصر، أو تونس، أو ليبيا.

سادساً: لماذا الآن؟
رغم تضييق الأجهزة الأمنية على الشباب في المجال العام، وعدم إتاحة قنوات للتواصل معهم، فإن الشباب العربي، مثل بقية الشباب في العالم، تواصل مع نفسه. وكانت الشبكة العنكبوتية (الانترنت) خير وسيلة لذلك. فالشاب مع جهاز حاسوبه، في غرفته بعيداً عن أعين الأمن، وحتى عن أعين أهله، يستطيع أن يفعل ذلك مع “الاقربين” و”الأبعدين”. ويستطيع أن يعبّر عن ذاته ومكنوناته بحرية لم يتمتع بها أي جيل من قبله. وهذا هو ما لم ينتبه له جيل الحكام من الكهول والشيوخ. وكانت لديهم فرصة لذلك منذ ثلاث سنوات.
ففي عام 2006، حينما احتج الشباب الايراني، على قيام آيات الله بتزوير الانتخابات النيابية، فأخمدت حكومة احمدي نجاد تلك المظاهرات بمنتهى القسوة. ولأن الشباب الايراني كان يتواصل من خلال الانترنت للاستمرار في الاحتجاجات، قامت السلطات الايرانية بإقفال شبكة الانترنت الايرانية. فما كان من الشباب المصري إلا أن وضع كل امكانياته الاتصالية في متناول اقرانهم الايرانيين.
وكان ذلك مؤشراً مبكراً على نوعية المشهد السياسي المتغير في النمطقة، إن لم يكن في العالم كله. وهو أن الأجيال الصاعدة، حتى وإن بدت غير “مسيسة” بالمعنى الايديولوجي المعتاد، فإنها “واعية” وتريد التغيير. وفي ذلك يلجأ إلى أساليب ووسائل جديدة. فالذين بادروا، مثلاً، بالتجمع في ميدان التحرير بالقاهرة، تنادوا على بعضهم البعض عبر العالم كله على الانترنت، حتى اختاروا اليوم (25 كانون الثاني/ يناير)، وهو “عيد الشرطة” لأنه يوم عطلة رسمية، ولأنه ذكرى مساهمة الشرطة المصرية، في النضال الوطني ضد الاحتلال الانكليزي، فيما اصبح يُعرف بـ”مذبحة الشرطة” بمدينة الاسماعيلية، في مثل ذلك اليوم عام 1952.
ولأنّ الشرطة تحولت مع نظام حسني مبارك إلى أداة قمع، فقد كان اختيار الشباب لهذا اليوم ينطوي على رموز ومعاني مركبة، فمن ناحية كان ذلك الحدث التاريخي، في حينه، مقدمة لثورة أكبر، حدثت بعد ذلك بستة شهور، وهي ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، التي قادها جمال عبدالناصر، ومن ناحية ثانية، كان تذكيراً لافراد الشرطة بماضيهم المجيد كاحدى فصائل الحركة الوطنية، ضد المحتل الأجنبي؛ ومن ناحية ثالثة، فقد كان اختيار اليوم والمشاركة فيه من شباب لا ينتمون الى الجهاز، ينطوي على تقدير عام من الشباب تجاه المؤسسة الشرطية، وانه لا توجد عداوة متجذرة لديهم ضد ذلك الجهاز، ولكن فقط ضد ممارساته القمعية في ظل نظام حسني مبارك.
وعلى الاجمال، فإنّ ثورات الربيع العربي، التي بدأت بتونس، ثم مصر، فالبحرين، واليمن وليبيا، ثم أخيراً سورية، جاءت بعد عقود من الغضب المكتوم، والذي تفنن المستبدون العرب على إحكام كبته بذرائع مختلفة؛ منها ان معركة العرب الكبرى ليست في الداخل، ولكنها في الخارج، ضد “الهيمنة الأجنبية” ومن أجل تحرير “فلسطين”، وتارة كان المستبدون العرب يدّعون ان معركتَي التنمية والعدالة أهم من معركة الديموقراطية!
فالشاهد انه بعد ستة عقود من الاستقلال، لم تتحرر فلسطين، ولم تتحقق “العدالة” المرجوة، ولا “التنمية” المنشودة. بل ان الأنظمة المستبدة، التي طالما رددت هذه الأعذار، كانت ضالعة في التعامل مع اسرائيل والغرب. ثم جاءت ثورات شرق أوروبا، وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، بل وبلدان افريقيا جنوب الصحراء، وكلها من أجل الديموقراطية. لذلك كانت هناك تساؤلات مشروعة، عما إذا كانت هناك أسباب ارثية، لا تراثية، أو هيكلية تمنع العرب من الانضمام الى موجات التحول نحو الديموقراطية.
وجاء الجيل الجديد من أبناء هذه الأمة، وكأنه على موعد مع القدر والتاريخ، ليجيب عن هذه التساؤلات، بطريقته ووسائله. وفي التوقيت المناسب. وكانت أول ثورات الربيع العربي “سلمية” الى حد كبير (تونس ومصر)، بينما جاءت اواخرها مخضبة بالدماء (البحرين، وليبيا، واليمن، وسورية). وفي هذه الأخيرة كان العنف الدموي هو اختبار المستبدين، الذين لا يكنّون لشعوبهم غير الاحتقار، ويستنكرون عليهم المطالبة بالحرية. ولكن هذا الصلف والاستكبار هو نفس ما رأيناه في رومانيا، من مستبدها نيكولاي تشاوشيسكو، الذي كانت نهايته مثل نهاية معمر القذافي في ليبيا. ويبدو أن بشار الأسد في سورية وعلي عبدالله صالح، في اليمن، مصران على أنهما فوق قوانين التاريخ والاجتماع. ولكن التاريخ والاجتماع أقوى منهما، وستكون كلمة التاريخ والاجتماع هي الأعلى.

سابعاً: التعبئة الاجتماعية لشعوب الأمة
ربما منذ الحقبة الناصرية، واذاعة “صوت العرب”، لم تتجلّ الوحدة الوجدانية لشعوب الامة العربية، كما تجلت خلال العام 2011، والذي سبق ونوّهنا بالتسمية التي يطلقها عليها الاعلامي الغربي، وهي “الربيع العربي للديموقراطية” وقامت فضائية “الجزيرة” فيه، بنفس الدور الذي كانت تقوم به اذاعة “صوت العرب”، قبل نصف قرن. وربما كان من أهم ما حدث، ويحدث، من طيبات هذا الربيع، هو ما يسميه العلماء الاجتماعيون بـ”التعبئة الاجتماعية” (Social Mobilization).
ويعنون بهذا المصطلح، التمدد في الوعي الولائي للأفراد، من جماعتهم “القرابية”، مثل “الأسرة” و”القبيلة” إلى دوائر أوسع مثل الطبقة، والوطن، والامة. وكانت الحركة الوطنية في كل قطر عربي، خلال الحقبة الاستعمارية، قد نجحت في بعث وتعميق “الوعي الوطني” الذي أسهم في تحرير كل من الأقطار العربية على حدة. وتلا ذلك عقدان من “المد القومي” الذي تزامن مع الحقبة الناصرية في مصر، والتي لعبت فيها اذاعة “صوت العرب” دوراً محسوساً وأصبحت شعوب الامة، من المحيط إلى الخليج، تتجاوب مع الأحداث القومية، وتتطلع إلى توحيد أقطارها.
ولكن أخطاء الزعماء، وغوغائية الأحزاب، واشتداد الاستقطاب الاقليمي والدولي، أدى إلى سلسلة من الانتكاسات والهزائم العربية، كان أفدحها في حزيران/ يونيو 1967. وتبدد الحلم العربي الكبير الى مشروعات قطرية أو طموحات توسعية لحكام مستبدين دمويين. وانشغلت الشعوب بدلاً من الحفاظ على وحدة أقطارها، بالتحرر من استبداد وفساد أنظمتها.
ولكن مع نجاح أولى محاولات الشعب التونسي للتحرر من استبداد وفساد الطاغية زين العابدين بن علي، ثم نجاح الشعب المصري، ثم الشعبين الليبي واليمني، تابعت الأمة العربية الأحداث ساعة بساعة، بل دقيقة بدقيقة. وانطوت هذه النجاحات على استئناف نشط لعملية التعبئة الاجتماعية التي كانت قد توقفت أو تراجعت. ولعبت وسائل الاعلام الجديدة دوراً محورياً في تسريع وتوسيع، وتجذير هذه التعبئة.
من ذلك ان قناة الجزيرة الفضائية من الدوحة القطرية، في مطلع القرن الحادي والعشرين أصبحت المعادل الوظيفي (Functional Equivalent) لاذاعة “صوت العرب” القاهرية في منتصف القرن العشرين. فالمواطنون العرب من المحيط إلى الخليج يتابعون بانفعال وجداني محسوس، ما يحدث من انتفاضات شعبية، لا فقط في محيطهم المحلي والقطري، ولكن أيضاً في محيطهم العربي.
وبالقطع، هناك فروق نوعية في آليات ومستويات التعبئة الاجتماعية، عبر ثلاثة أرباع قرن. ولكن الجوامع المشتركة هي في عودة المواطنين، كأفراد، وكجماعات، وكشعوب إلى “السياسة” وعودة “السياسة” إليهم ـ بمعنى ان رأيهم وأصواتهم أصبحت مسموعة، ولا يمكن تجاهلها. فالربيع العربي للديموقراطية، يمكن أن يمتد لاثني عشر شهراً، ثم لأثني عشر عاماً.
والمهم هو ان تستعد النُخب بمشاريع واقعية، تستجيب لطموحات شعوبها في حياة كريمة، وللحلم العربي المؤجل، لتوحيد الأمة من “الخليج إلى المحيط”. لقد داعب حلم مشابه خيال الفرنسي جين مونتييه، والألماني كونراد اديناور، خلال سنوات حرب ضروس بين دولتيهما في أربعينيات القرن العشرين. وتحقق الحلم الأوروبي خلال نصف القرن الثاني.
فلماذا لا نستأنف نحن، الحلم العربي. لنترك ـ نحن الكهول والشيوخ ـ كل السلطة للشباب لكي يحقق هذا الحلم العربي المؤجل. فكما قال الشاعر التونسي الشابي أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر

Advertisements