مقدمة:

يمكن القول إن معظم (إن لم نقل كل) الثورات الكبرى في العالم حملت مبدأ تصدير الثورة، وخصوصاً الأديان التوحيدية والدعوات الخلاصية المسيحانية والمهدوية..

مع الثورة الفرنسية الكبرى (1789)، ثم حملات نابليون بونابرت، كانت أولى المحاولات الثورية العلمانية لتعميم ونشر فكر الثورة الوليدة..وقد رأت فيها الدول المسيحية الكبرى آنذاك محاولة فرنسية للتوسع والهيمنة العالمية.. فاتفقت دول الغرب المسيحي قاطبة على الوقوف في وجه “جنون بونابرت التوسعي”، وعلى وضع حد للأحلام الثورية التي استبدت بعشرات الملايين من الأوروبيين وصارت تهدد عروش الملوك والأباطرة .. ويوم جاء نابليون الى مصر على رأس حملته العسكرية الاستعمارية (1798) لم ينس الإشارة الى دور فرنسا الثورية في تصدير مبادئ الحرية والمساواة والأخوة الانسانية .. لا بل أن الحداثويين العرب ما زالوا يعتبرون حملة نابليون “مبتدأ” عصر النهضة العربية…

وجاء القرن التاسع عشر وحمل معه انتصار الثورة الصناعية وقيام الثورات العمالية في أوروبا (1830 و1848 تحديداً) ثم نشوء النقابات والحركة العمالية وانبثاق الفكر الاشتراكي بمختلف تلاوينه..ونذكر هنا تحديداً اشتراكية جوزيف برودون (اشتراكي فرنسي ثوري 1809-1865) وميخائيل باكونين (ثوري روسي أسس مع برودون اللاسلطوية الجماعية التعاونية المسماة خطأ الفوضوية 1814-1876)  وفردينان لاسال (أحد مؤسسي الاشتراكية الألمانية 1825-1864) وجوزيبي مازيني(اشتراكي ايطالي 1805-1872)، وغيرهم ممن قادوا تلك الحركات… وكان جوزيبي مازيني قد أسس العام 1834 منظمة “أوروبا الفتاة” لتكون نواة “الفدرالية الجمهورية الأوروبية”. وفي العام 1855 تأسست في لندن على يد عدد من الإشتراكيين من فرنسا وانكلترا وبلجيكا وألمانيا وبولندا “الجمعية الأممية” التي عاشت 4 سنوات.. وتأسست أيضاً في نفس الفترة “عصبة السلام والحرية” (وكان  فكتور هوغو من أبرز أعضائها) وهي دعت في العام 1867 الى بناء “الولايات المتحدة الأوروبية”.. ثم جاء زمن الشيوعية مع كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك انجلز (1820-1895) اللذين نظّما أول عصبة للشيوعيين عام 1847 وأصدرا لها ميثاقها الأساسي المسمى “مانيفست الحزب الشيوعي” 1848 وشعاره الأول: “يا عمال العالم اتحدوا”…و “ليس للعمال وطن”… وفي العام 1864 شكلّ ماركس وأنجلز “جمعية الشغيلة العالمية” على أساس تجميع كل منظمات وقوى الطبقة العاملة في أوروبا وصياغة تكتيك وحيد لنضالها في كل العالم.. وقد صار اسم هذه الجمعية “الأممية الأولى”..

 

الأممية الأولى أو الجمعية الدولية للعمال (الإنترناسيونال).

كتب لينين: “كانت الأممية الأولى (1864-1872) قد وضعت أسس تنظيم الشغيلة على نطاق عالمي، من أجل تحضيرهم لهجومهم الثوري على الرأسمال”.. في اجتماع عالمي دعا اليه عمال من فرنسا وانكلترا وانعقد في لندن للإحتجاج على قمع الثورة البولونية التي نشبت عام 1863، تأسست الأممية الأولى بإيحاء من ماركس وانجلز وهما وضعا لها رسالتها الافتتاحية ونظامها الداخلي الى عدد كبير من قراراتها وبياناتها وتصريحاتها.. صاغت الرسالة الافتتاحية أهداف حركة البروليتاريا في دك حكم الرأسماليين وإقامة حكم الطبقة العاملة…وقالت إن تحرير الطبقة العاملة سيكون من صنع الطبقة العاملة نفسها..وإن النضال السياسي وحده هو القادر على تأمين تحرير البروليتاريا الاقتصادي.. ودعت الرسالة العمال الى الاطلاع على خفايا السياسة الدولية، والى مراقبة سلوك حكوماتهم الديبلوماسي والى محاربة هذا السلوك عند الاقتضاء بجميع الوسائل الموجودة في حوزتهم..

في العام 1871 صدر قرار أجبر المنظمات العمالية القائمة في كل بلد أوروبي على أخذ إسم فرع للأممية الأولى..وانعقد المؤتمر الأول للأممية الأولى في جنيف من 3 الى 8 ايلول/سبتمبر 1866 واشترك فيه ستون مندوباً يمثلون 25 فرعاً من انكلترا وفرنسا وسويسرا والمانيا.. وقد اشتركت فروع الأممية في دعم الحركة الإضرابية في فرنسا وانكلترا وبلجيكا وسويسرا خلال الأعوام 1866-1869..ومع الوقت تزايدت أعداد فروع الأممية الأولى التي ازدادت قوة ورسوخاً..وقد انعقد المؤتمر الثاني في لوزان (أيلول 1876)، والمؤتمر الثالث في بروكسل (أيلول 1868) تلاه انعقاد مؤتمر نورمبرغ للاتحادات العمالية وقد حضره ممثلو 14000 عامل واعلن انضمامهم الى برنامج الأممية الأولى.. وبعد سنة تأسس حزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي الألماني في مؤتمر ايزيناخ..وهذا الحزب كان أول حزب لليسار الإشتراكي العمالي في العالم وهو الأب الشرعي لما صار لاحقاً الأحزاب الشيوعية…وانعقد المؤتمر الرابع للأممية في بال بسويسرا (أيلول 1869) وحضره لأول مرة ممثلون عن العمال الأميركيين..وأدت الحرب الفرنسية-البروسية (1870-1871) الى صراعات داخل الأممية حول الموقف من الحرب إذ وصفها ماركس في البداية بأنها حرب تقدمية من جانب بروسيا لأنها تهدف الى توحيد ألمانيا كما أن القضاء على الأمبراطورية البونابرتية أمر مرغوب فيه..إلا أنها بعد هزيمة الجيش الفرنسي صارت حرباً استعمارية إلحاقية فدعا ماركس هو والحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني الى عقد صلح شريف مع فرنسا، في حين دعا الإشتراكيون الفرنسيون الى حرب تحرير وطنية وقد تحولت الى انتفاضة ثورية عُرفت باسم كومونة باريس (18 آذار 1871) .. ورغم معارضته لأية انتفاضة قبل أوانها بسبب عدم وجود حزب منظّم للبروليتاريا لقيادتها، فقد حيا ماركس بحرارة “المبادرة الثورية للجماهير التي كانت تصعد الى مهاجمة السماء”.. أدت الكومونة المهزومة الى أزمة كبرى بين جماعة ماركس-انجلز (الماركسيون لاحقاً) وجماعة برودون- باكونين (الفوضويون لاحقاً) تمحورت خصوصاً حول مسألة المركزية في داخل الأممية الأولى (الماركسيون) مقابل الاستقلال الذاتي التام للفروع الوطنية (الفوضويون)..وانشق الفوضويون بقيادة باكونين وعقدوا مؤتمرهم في سونفيلييه بسويسرا (نوفمبر 1871)،في حين عقدت الأممية الأولى مؤتمرها الخامس والأخير في لاهاي (أيلول 1872) ودعوا فيه الى تأسيس أحزاب سياسية مستقلة للبروليتاريا في كل بلد، ونقل مركز المجلس العام للأممية الى أميركا..وفي اجتماع فيلادلفيا الموسع عام 1876 أُعلن رسمياً عن حل الأممية الأولى.

الأممية الثانية أو اتحاد الأحزاب الإشتراكية

تأسست الأممية الثانية بصفتها “اتحاداً عالمياً للأحزاب الإشتراكية” في فترة نمو سلمي وهادئ  للرأسمالية الأوروبية بعد انتهاء الموجة الثورية الانتفاضية لسنوات 1830-1872 وحروبها الأوروبية..وقد تشكلت أحزاب عمالية واشتراكية في العديد من البلدان لحقت بالحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني (1875) أبرزها الحزب الإشتراكي العمالي الأميركي 1877، وحزب العمال الفرنسي 1879، والحزب الإشتراكي الديمقراطي النمساوي 1888 الخ.. ثم تصاعدت أيضاً الاضرابات والنضالات العمالية كما ازدادت قوة التيار الماركسي داخل الحركة الإشتراكية والعمالية الصاعدة.. في تلك الأجواء عرض انجلز (توفي ماركس في 14 آذار 1883)على الماركسيين الفرنسيين والألمان فكرة أخذ المبادرة لإنشاء الأممية الثانية (أو لإحياء أفضل ما في الأممية الأولى بتعبير انجلز)..وهكذا نظّم الماركسيون مؤتمراً في باريس (14 تموز 1889) أعلن تشكيل الأممية الثانية وحدد أهداف الحركة العمالية بالنضال من أجل يوم عمل من 8 ساعات وفي سبيل زيادة الأجور الخ.. كما اتخذ قراراً  تاريخياً حول الاحتفال السنوي بيوم الأول من أيار عيداً عالمياً للعمال وبتنظيم التظاهرات في هذا اليوم تحت شعار التضامن البروليتاري.. ثم تتالت مؤتمرات الأممية الثانية التي تحولت الى جهاز قيادي مركزي للأحزاب الاشتراكية والشيوعية : المؤتمر الثاني في بروكسل  1891، المؤتمر الثالث في زيوريخ 1893،المؤتمر الرابع في لندن 1896 ، المؤتمر الخامس في باريس 1900..غير أن تطوراً مهماً كان قد بدا يتبلور من خلال انتقال مركز الثقل الثوري الى روسيا : ففي العام 1895 أنشئ من داخل حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي الروسي وتحت قيادة فلاديمير ايليتش لينين (1870-1924) “اتحاد النضال لتحرير الطبقة العاملة”  كخطوة على طريق انشاء حزب من نوع جديد مختلف عن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية العادية في الغرب ليقود البروليتاريا نحو الاستيلاء على السلطة.. وابتدأ الانقسام والصراع داخل الأممية الثانية بين التيار الثوري الماركسي بقيادة لينين وجوزيف ستالين (1878-1953) وروزا لوكسمبورغ (1870-1919)  والتيار الإصلاحي بقيادة كارل كاوتسكي (1854-1938) ادوار برنشتاين (1850-1932) والكسندر ميللران (1859-1943).. وتحولت الأممية الثانية نحو العمل البرلماني  فصارت “جهازاً انتخابياً” وتحولت هيئتها التنفيذية الدائمة (المكتب الإشتراكي الأممي) الى “صندوق بريد” على حد تعبير لينين… ومن أبرز كتابات تلك المرحلة كتاب ستالين الشهير “الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي ومهماته المباشرة” (1901) وكتاب لينين الأشهر”ما العمل؟” (1902)..وقد بحث مؤتمر أمستردام للأممية الثانية (آب 1904) الأسس الأممية للتكتيك الاشتراكي (كانت الثورة الروسية على الأبواب)، وحدة الحزب، الإضراب العام، السياسة الاستعمارية.. وعارض المؤتمر اشتراك الأحزاب الاشتراكية في الحكومات البورجوازية..إلا أن ذلك كله كان مجرد كلام .. فقد تجاهل زعماء الأممية الثانية تجربة الثورة الروسية (1905-1907) ولم يحاولوا الاستفادة منها وتخلوا عن مبدأ  تصدير الثورة (كما دعا بلاشفة لينين وخصوصاً ليون تروتسكي 1879-1940) .. وحين انعقد مؤتمر شتوتغارت (1907) ثم مؤتمر كوبنهاغن (1910) كان الصراع العنيف بين التيارين “الثوري اليساري”  و”الاصلاحي اليميني” قد وصل الى مرحلة متقدمة حيث إن الوفد الروسي بقيادة لينين حمل توصية “بتيسير نشر أفكار النضال الطبقي والاشتراكية بين العمال وذلك بواسطة دعاية لا انقطاع فيها في تعاونيات الاستهلاك”.. وقد نجح لينين في تنظيم البلاشفة في حزب ماركسي مستقل (1912)..ومع أن المكتب الاشتراكي الأممي أصدر قراراً يدعو عمال العالم للنضال ضد خطر اندلاع حرب عالمية (مؤتمر بال الاستثنائي 1912) الا أن النواب الإشتراكيين الألمان والفرنسيين صوتوا في برلماناتهم في 4 آب 1914 على الاعتمادات العسكرية للحرب وشارك الإشتراكيون من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا في حكومات الحرب والوحدة الوطنية التي تشكلت لاحقاً في بلدانهم.. ووضعوا بذلك نهاية منطقية لتلك الأممية في حين انطلق بلاشفة لينين للاستيلاء على السلطة وبناء أول بلد إشتراكي في العالم (ثورة أكتوبر 1917)…

الأممية الثالثة أو الكومنترن

كتب ستالين: “لقد سجلت ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى انتصار الماركسية على الإصلاحية، انتصار اللينينية على الاشتراكية الديمقراطية، انتصار الأممية الثالثة على الأممية الثانية”..

أخذ عدد من الأحزاب الشيوعية يتشكل في مختلف البلدان على الأسس الفكرية والنظرية والتنظيمية اللينينية.. وعلى نفس هذه الأسس قامت الأممية الثالثة (الكومنترن أو الأممية الشيوعية) العام 1919 في حين حاول بعض الزعماء الاشتراكيين المعروفين باليمين إعادة تشكيل الأممية الثانية فعقدوا مؤتمر برن (شباط 1919) وشكلوا أممية برن في حين عقد آخرون من التيار الوسطي مؤتمراً في فيينا وشكلوا أممية فيينا (شباط 1921) المعروفة باسم الأممية الثانية والنصف.. ثم اندمجت الأمميتان في أيار 1923 تحت اسم الأممية الشمالية الإشتراكية التي عاشت حتى الحرب العالمية الثانية ثم خلفتها في حزيران من العام 1951 (مؤتمر فرانكفورت) الأممية الإشتراكية التي ما تزال الى يومنا هذا هي الاتحاد العالمي للأحزاب الإشتراكية الديمقراطية..

تكونت الأممية الثالثة من اتحاد الأحزاب الشيوعية في العالم ورسمت هدفاً لها “كسب أكثرية الطبقة العاملة وجماهير الشغيلة الى جانب الشيوعية، والنضال في سبيل ديكتاتورية البروليتاريا وتصفية الراسمالية وبناء الاشتراكية”.. ومنذ تشكيلها كان الحزب الشيوعي الروسي هو القائد والمركز (كل مؤتمراتها انعقدت في موسكو) .. انعقد الاجتماع التحضيري للأممية الثالثة في كانون الثاني 1919 بقيادة لينين وحضره ثمانية أحزاب وكتل شيوعية ودعا الى مؤتمر تأسيسي  انعقد في آذار 1919 وحضره مندوبون من 30 بلداً أوروبياً الى جانب الصين وأميركا وكوريا.. وصار الكومنترن بمثابة المركز الأساس لحزب شيوعي عالمي، أو هو يشكل القيادة الموحدة للأحزاب الشيوعية التي كانت تتوالد في مختلف دول العالم. وانضوى الشيوعيون في العالم في أطر تنظيمية عديدة حملت أسماء مختلفة، كان اختيارها محكوماً بارتباطهم بـ ” المركز” الشيوعي العالمي (في موسكو)… ذلك أن المؤتمر الثاني للكومنترن، الذي انعقد في الفترة من 19 تموز الى7 آب 1920، اشترط على كل الأحزاب الاشتراكية الراغبة في الانضمام إلى صفوفه أن تغيّر أسماءها وأن تتبنّى اسم: “الحزب الشيوعي في..(فرع الكومنترن) “، مؤكداً بأن قضية التسمية هنا “ليست شكلية بل تتسم بأهمية سياسية كبيرة”، سيما وأن الكومنترن لم يكن إطاراً للتحالف بين أحزاب وإنما كان، في الواقع، حزباً شيوعياً عالمياً يستند إلى مبادئ “المركزية الديمقراطية”.

الإشتراكية في بلد واحد أو الثورة الدائمة

لم تكن مسألة بناء الاشتراكية في بلدٍ واحد، مطروحة على جدول أعمال البلاشفة في سنوات ما بعد الثورة، بل بالعكس؛ فقد نوه كل من لينين و تروتسكي إلى عدم امكانية نجاح المشروع الاشتراكي في روسيا، إلا بنجاح الثورة على صعيد أوروبا، وبخاصةً ألمانيا. لكن، يبدو أن ستالين، و بعد فشل الثورة على الصعيد الأوربي، المانيا (1918-1923)، والاضراب العام في بريطانيا (1926)، كان وصل إلى قناعةٍ مفادها: أن التعويل على الثورة الاوروبية لم يعد مجدياً، و أن على روسيا شق طريقها وحيدةً في سبيل بناء الاشتراكية؛ فشرع يروج إلى فكرة بناء “الاشتراكية في بلد واحد”.  ففي نوفمبر العام 1926، وفي تناقض صريح مع موقف البلاشفة على أيام لينين، قال ستالين: “إن حزبنا، على الدوام، كان ينطلق من فكرة أن انتصار الاشتراكية في بلدٍ واحد إنما تعني امكانية بناء الاشتراكية في ذلك البلد، وانه من الممكن انجاز هذه المهمة بقوى ذلك البلد وحده”.  وفي صيف العام 1928، تمكن ستالين من “اقناع” المؤتمر السادس للكومنترن (الأممية الشيوعية)، المنعقد في موسكو، بتبني مسودة البرنامج الذي أعده نيكولاي بوخارين، حليف ستالين حينها، والذي ركز فيه على امكانية بناء الاشتراكية في بلدٍ واحد؛ لتصبح، مذّاك، مكوناً رئيساً من مكونات البرنامج السياسي للكومنترن. بالمقابل، كان تروتسكي، الذي عارض نهج ستالين بشراسة، أرسل، من منفاه على الحدود الروسية-الصينية، رسالةً إلى الكومنترن، ينتقد فيها فكرة بناء “الاشتراكية في بلد واحد”، قائلاً: “في عصرنا هذا، عصر الامبريالية، والاقتصاد العالمي، والسياسة العالمية، وفي ظل هيمنة رأس المال المالي، لا يستطيع أي حزب شيوعي تأسيس برنامجه انطلاقاً من شروطه الوطنية واتجاهات تطورها على الصعيد الوطني وحسب، وهذا ينطبق كذلك على الحزب الذي يسيطر على سلطة الدولة في حدود اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية”.  وقد عرفت نظرية تروتسكي بنظرية الثورة الدائمة في مقابل نظرية ستالين ببناء الاشتراكية في بلد واحد..

من الكومنترن الى الكومنفورم

في 15 أيار 1943 قررت اللجنة التنفيذية للأممية الثالثة حل الأممية واعتبار أن جميع الأحزاب المنتسبة اليها محررة من الالتزامات الناجمة عن نظام الأممية الداخلي وقراراتها.. وقد صادقت الأحزاب الشيوعية بالاجماع على هذا القرار..

وفي  أيلول 1947، برزت بنية تنظيمية جديدة للحركة الشيوعية العالمية تحت اسم “مكتب الإعلام للأحزاب الشيوعية ” (الكومنفورم)، اتّخذت في البدء شكل هيئة تنسيق ثم تحوّلت إلى مركز موجّه وإلى “محكمة” شيوعيين، استمر في الوجود حتى صدر قرار حله في 17 نيسان 1956، بعد فترة قصيرة على انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي.

كانت منظمة الكومنترن ثم الكومنفورم تضم كل الأحزاب الشيوعية في العالم وكان لها مؤتمراتها ومهرجاناتها شبه السنوية التي تعقد في موسكو وكان دور هذه المنظمة تنظيم وتمويل وتوجيه النشاط الحزبي الشيوعي في كل أنحاء العالم وكان يحضر هذه المؤتمرات مندوبون من كل أنحاء الأرض وكانت من ضمن الوفود أعداد من العرب تحضر المؤتمرات وتحصل على التوجيه والتمويل وتعود لأقطارها لمزاولة نشاطها السياسي. وكانت هناك منظمة الكوميكون أي المنظمة الاقتصادية التي تقوم بالإشراف وإدارة المعونات الاقتصادية السوفيتية لحلفاء الإتحاد السوفيتي التي تزودهم بالنفط والسلاح والغذاء وغير ذلك تحت مظلة الاتفاقات الثنائية. وكانت هناك المنظمات الشبابية التي تشرف على نشاط الشبيبة الشيوعية في كل أنحاء العالم ولها ميزانيات ضخمة وإدارة كبيرة وأجهزة تنفيذية ضخمة تنظم المباريات العالمية والمعسكرات والمهرجانات وغير ذلك.

ومع أن هامش استقلالية الأحزاب الشيوعية، ولا سيما الكبيرة منها، قد توسّع بعد انعقاد المؤتمر العشرين، إلا أن المؤتمرات العالمية للحركة الشيوعية والعمالية راحت تبرز، منذ شباط 1957، كشكل جديد لتنظيم العلاقات والاتصالات فيما بينها، في ظل قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي.

كان الاتحاد السوفيتي الأب والراعي لحلف وارسو الذي يضم القيادات العسكرية لكل الدول التي تحكمها الأحزاب الشيوعية وقد تدخَّل الحلف في عدة أقطار أوروبية لنصرة الأحزاب الشيوعية الحاكمة فيها وحقق عدة انتصارات في هذا المجال، ولكنه مني بهزائم كبيرة كان آخرها في أفغانستان. ومع انهيار جدار برلين سقط كل هذا البناء الأممي الذي تبين أنه كان “أوهى من خيوط العنكبوت”…ولا يوجد من درس آخر نعطيه لدعاة تصدير الثورة سوى درس التاريخ…

Advertisements