بقلم توفيق المديني

ملاحظة من الموقع: هذا المقال يعكس وجهة نظر طرف واحد من الأطراف التي كانت تسمى ماوية وبعضها بعيد كل البعد عن الماوية… ولكننا ننشره للتأريخ وسننشر ما يردنا من الأطراف الأخرى وخصوصاً منظمة الشعلة وغيرها

يعود ظهور تنظيمات اليسار الجديد في تونس إلى العوامل الرئيسية التالية:‏

الأول : شهدت بداية الستينات محاولة انقلابية قامت بها مجموعة من العسكريين والمدنيين معظمهم من اليوسفيين بهدف الإطاحة بالنظام البورقيبي، وذلك في 24 كانون أول ديسمبر) 1962. وقد اغتنمت الدولة التونسية تلك الفرصة، لإلغاء التعددية السياسية وحظر نشاط الحزب الشيوعي بوصفه الحزب المعارض العلني الوحيد، ومصادرة صحافته ودورياته، وفرض رقابة تامة على المنظمات الجماهيرية والنقابات، وقمع الحرية السياسية، وإحلال هيمنة الحزب الواحد، فكراً وممارسة.‏ 

الثاني: شهدت أوروبا عامة وفرنسا خاصة في بداية الستينات ولادة الحركات الماوية والتروتسكية، التي كانت تعد الأحزاب الشيوعية الكلاسيكية أحزاباً تحريفية، وانتهجت خط العداء للبلدان الاشتراكية عامة، والاتحاد السوفياتي خاصة، بوصفه دولة “إمبريالية اشتراكية”، وتحريفية حسب وجهة نظرها.‏

الثالث: ظهور أزمة في الدور القيادي للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، ومعها فقد مصداقيته في نظر جزء أساسي من الشباب الجامعي.‏

هذه العوامل مجتمعة كان لها تأثير مباشر في محاولة استقطاب جزء من الشباب الجامعي، ونشر الأفكار الماوية و التروتسكية في صفوفهم، وخاصة مفهوم “الثورة البروليتارية العاجلة”. وهكذا قامت مجموعة مؤلفة من الأساتذة والباحثين المقيمين في فرنسا، والطلبة التونسيين، وأعضاء سابقين في أحزاب ومنظمات سياسية متعددة الاتجاهات، من الشيوعيين، والماويين، والتروتسكيين، و البعثيين، بأول محاولة لتأليف “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس ” الذي عرف باسم مجلته: ” آفاق”..

1 – ميلاد آفاق :‏

تأسس هذا التنظيم في باريس صيف العام 1963، بعد نقاشات طويلة بين الأعضاء المؤسسين له، الذين ينتمون إلى تيارات عدة ماركسية، وتروتسكية. وناصرية ثورية، وأعضاء فرع الاتحاد العام لطلبة تونس. وعندما تأسس تنظيم “آفاق” لم يكن في نية المؤسسين تكوين حزب سياسي أو السعي للاستيلاء على الحكم بل الغاية الأولى هي الاهتمام ببعض القطاعات الجوهرية التي تهم مستقبل تونس وإعداد الدراسات الضرورية .‏

وكان هذا التجمع تلتقي فيه هذه التيارات وتتناقش بحرية على الرغم من تعددها واختلافاتها وتفاوت تجارب أعضائها ورموزها، نخص بالذكر منهم: نور الدين بن خضر باحث اقتصادي ويعمل الآن مديراً للنشر بدار سيراس للنشر ،ومحمد الشرفي، الذي تولى رئاسة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من سنة 1988 ولغاية 1989، وتولى منصب وزير التربية والعلوم من سنة 1989 ولغاية 1994، وارتبط بما عرف ببرنامج الإصلاح التربوي، وأحمد السماوي، وإبراهيم رزق الله، الذي يعمل طبيباً الآن في تونس، وأحمد بن عثمان المقيم في باريس الآن، وهو يعمل رئيساً للمنظمة العالمية للإصلاح الجنائي، ومحمد عزيز كريشان المقيم في فرنسا منذ عام 1995، وتاج الدين بالرحال الذي يعمل محامياً بتونس العاصمة، ونائباً بمجلس النواب ممثلاً عن التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، ومنذر القرقوري القادم من المجموعة التروتسكية التي التحقت بآفاق، وجلبار نقاش عضو سابق في الحزب الشيوعي التونسي، وهو تروتسكي انضم للمجموعة بتونس ويعمل كمهندس فلاحي، وحفناوي عمايرية عضو سابق في حزب البعث العربي الاشتراكي .‏  ويحدد نور الدين بن خذر بدقة خصائص الجيل المؤسس لآفاق، فهو عنده:‏

جيل محظوظ بجذوره الاجتماعية، وبمحيطه السياسي والأيديولوجي المتميز في تونس كما في باريس، وهو محظوظ بثقافته، وبالأفاق المفتوحة أمامه بالبداهة وخاصة في صلب الدولة الفتية .‏

جيل سعيد، بحبه للحياة وملذاتها .‏

جيل مسؤول، يعتبر التسييس واجب المواطنة الأول، يعتز برأيه ولا يهاب به، يقبل وجود الآخر ولا يهابه، لا يخشى الجديد بل يطلبه، يرفض التخلف ويتوق إلى العلى، يقدر دور المثقف في مجتمعه ويعي واجب التضامن وشد إزر الضعيف.‏

 جيل مصدوم، وعى مبكراً التناقض في الربط بين الاستقلال وبين شعارات الحرية والعدالة والرخاء، وهو أول جيل معبر عن ما أسمته الكاتبة التونسية هالة باجي بـ “خيبة الأمل الوطنية”. وهو – أي الجيل – أول مدين للزعيم الأب الذي تراجع عن الخطاب المؤسس وعن أرقى المطالب بالرجوع إلى براءة ذلك الخطاب المؤسس، وهو أول متهيئ للصراع العلني كلفه ذلك ما كلفه.‏

وقام التجمع بإصدار مجلة سياسية نظرية ناطقة باللغة الفرنسية باسم “آفاق تونسية” التي حملت شعار “من اجل تونس افضل “، وأخذت على عاتقها مهمة التصدي. (1)‏

1 – لسياسات النظام البورقيبي وطبيعته الديكتاتورية الفردية.‏

2 – لسياسة ضرب الحريات العامة في البلاد.‏

3 – لمحاولة توحيد القوى اليسارية التونسية.‏

وكان التجمع يعتبر نفسه متموقعاً على يسار الحزب الشيوعي التونسي، حيث بدأ ينشط تنظيمياً في أوساط الاتحاد العام لطلبة تونس، والاتحاد العام التونسي للشغل، بهدف توسيع قوة ونفوذ “تجمع الدراسات “، الذي اشتهر باسم مجلته “آفاق”. وأسهم التجمع إسهاماً كبيراً في خوض النضال الوطني الديمقراطي في تونس طيلة مرحلة الستينات، التي كرست الاحتكار السياسي الأعمى للسلطة من جانب الحزب الاشتراكي الدستوري، الذي غير اسمه في مؤتمر المصير العام 1964.‏

وفي صائفة عام 1964، عقد تجمع آفاق اجتماعاً – إثر مؤتمر اتحاد الطلبة الذي انعقد في الصائفة ذاتها بالمنستير – بغابة زيتون بمنطقة الشراحيل قرب المكنين حضره قرابة الخمسين شخصاً منهم من قدم من باريس ومنهم مقيمون بتونس، وتمت المصادقة خلال هذا الاجتماع على لائحة نادت بتحويل مركز نشاط تجمع الدراسات من باريس إلى تونس، وتغيير هيكلته لاستيعاب المنخرطين الجدد. لكن مع انتقال التجمع من باريس إلى تونس تغير أسلوب عمله وأصبح شبيهاً بعمل الأحزاب، لكن بشكل سرّي .‏

وفي هذا السياق يقول الباحث نور الدين بوقرّة أنه بعد الانتقال ثبت أن “الهيكلية الأفقية أي طريقة اللجان اللجنة السياسية واللجنة الاقتصادية واللجنة الثقافية واللجنة القانونية ) لا يمكن أن تكون صالحة إلا لعدد قليل من الأشخاص. ” لذلك وعندما التحق عدد كبير من الطلبة بالتجمع في السنة الجامعية 1963 – 1964 بات من الضروري التخلي عن الهيكلية الأفقية واعتماد الهيكلية الحزبية لضمان الجدوى والفاعلية لنشاط التجمع.‏

لقد خاض التجمع أولى معاركه ضد النظام، عقب هزيمة حزيران العام 1967، حين أسهم في قيادة التظاهرات الشعبية العامة في تونس رداً على العدوان الصهيوني الإمبريالي على الدول العربية، حيث قام المتظاهرون في العاصمة بالإعلان عن استنكارهم للسياسة التونسية الخارجية التي يحكمها نهج التبعية في فلك الاستعمار الجديد، الإمبريالية الأميركية، وعن مواقف الرئيس بورقيبة الذي وافق على مشروع أيزنهاور لسد الفراغ في الشرق الأوسط أي محاربة الحركة القومية العربية والشيوعية، والدفاع عن “العالماركسي اللينينيحر”، وبسبب موقفه من القضية الفلسطينية المعروف حين ألقى خطابه الشهير في مدينة أريحا بفلسطين العام 1965، وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بقرار التقسيم 181.‏

ويصف أحد قياديي “منظمة العامل التونسي ” تلك المرحلة بالقول، وبدأت المنظمة تزرع فروعها داخل البلاد، وصارت تشارك في الهيئات النقابية والطلابية، وفي الملتقيات الفكرية. ففي عام 1967، وجهت إليها الدعوة للمشاركة في مؤتمر عقد في الجزائر حول الاشتراكية في العالم العربي، كما شاركت أيضاً في النقاش الكبير، الذي انتظم في بورصة العمل في العاصمة تونس، حول سياسة التعاضديات. وكنا الوحيدين الذين أوجدوا صحافة معارضة في تلك الفترة، وأمنوا لها توزيعاً واسعاً في أوساط المثقفين والشباب “. ويضيف هذا القيادي “صحيح أن الحزب الشيوعي التونسي أصدر نشرة “أمل ” باللغة الفرنسية، وبدأ يوزعها في الداخل.. لكن لنا الفضل في المبادرة لخلق مناخ فكري وتنشيطه، وتطوير الصراع الأيديولوجي لأجل مناقشة علمية لقضايا مجتمعنا. فمثلاً عندما قام محمد حرمل بإصدار كراس عن الطبقات في تونس نشرنا رداً عليه “. ويتابع هذا القيادي في وصف نشاطات تلك الفترة بالقول “أما في مجال الديمقراطية السياسية فكانت لنا مواقف واضحة وسجلنا تبايناً مع الآخرين بجلاء، فحين استقال أحد الوزراء في الستينات باسم الديمقراطية احمد المستيري)، وضحنا الفرق بين نوعين من الديمقراطية: الديمقراطية الشعبية والديمقراطية البرجوازية”. أما في مجال نقده للسياسة الخارجية يقول هذا القيادي: “لقد شاركنا في تظاهرة الخامس من حزيران 1967، احتجاجاً على الولايات المتحدة وبريطانيا، وحوكم بعض أعضاء منظمتنا على أثر تلك التظاهرة، كما ساعدنا القضية الفيتنامية، وذلك بالمساهمة في بعث “لجنة فيتنام السرية”، والتي اشتركت فيها عناصر من الديمقراطيين ومحبي السلام، وتكريساً لهذا التعاطف، فقد نظمنا تظاهرة ضد وزير خارجية فيتنام الجنوبية الذي زار تونس آنذاك ” (2) .‏

2 – ” آفاق ” والموقف من القضية القومية عامة، والقضية الفلسطينية خاصة :‏ 

تباينت آراء ومواقف تنظيم “آفاق” من القضية القومية العربية، والقضية الفلسطينية، والنضال السياسي المطروح على الأمة العربية في مواجهة الإمبريالية العالمية، والحركة الصهيونية، والكيان الصهيوني، والأنظمة والقوى الرجعية العربية، بحسب تباين المشارب الفكرية والسياسية لمؤسسيها، على رغم أن التنظيم أصبح يتبنى الأيديولوجية الواحدة الماركسية اللينينية. فبقدر ما نجد مواقف تؤيد حركة الثورة العربية من أجل تحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية، نجد مواقف داخل التجمع تتبنى مواقف أيديولوجية متناقضة مع ذلك كله.‏

ويمكن استعراض هذه المواقف المتناقضة ضمن سياق فترتين زمنيتين، ولكن متداخلتين ومتصلتين: الأولى: قبل هزيمة حزيران 1967، حيث يقول الأستاذ نور الدين بن خضر، أحد مؤسسي “آفاق” “إن قضية فلسطين لم تعننا إلا ابتداء من أواخر سنة 1966، وكانت قضية فيتنام هي التي ملأت الدنيا وشغلت الناس… وكان الأخوان البعثيون والقوميون يعيبون علينا بشدة تقاعسنا نحو هذه القضية… وفي الواقع أنا مقتنع الآن أننا كنا نحمل فعلا بعض النقائص في مجال اهتمامنا بالقضايا العربية والفكر العربي عامة” (3) . أما الأستاذ احمد نجيب الشابي وكان أحد مناضلي “آفاق”، ثم منظمة العامل التونسي، والآن هو الأمين العام للتجمع الاشتراكي التقدمي)، فيقول: ” الفكر الماركسي في نزعته الأممية البروليتارية وفي ترجمته التونسية لم يكن ليولي قضية الهوية أهميتها بل انتقصها وحقر منها معتقداً بأن الأخوة العمالية الكونية فوق الفوارق القومية، وفيها الحل للتناقضات القومية، فلم يحسن فهم حركة التحرر الوطني، وانعزل عنها قبل الاستقطاب، وناصب العداء للقومية العربية، باعتبارها من الترهات الرجعية التي تقوم على أخوة الدم والعرق و الدين ” (4) .‏

وأصدر ” تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي ” التونسي كراساً باللغة الفرنسية، تحت عنوان: “خصائص المرحلة الحالية للتطورات وأدوات الثورة العربية” كان من المفروض أن تساهم به المجموعة وتلقيه في ندوة الجزائر حول “الاشتراكية في العالمي العربي “، التي عقدت في 22 أيار 1967، أي قبل الهزيمة بحوالي شهر. وقد تضمن الكراس أطروحات متقدمة حول المسالة القومية، تتماثل مع الخط الذي تبناه التروتسكيون العرب من قضايا الثورة العربية. واعتبرت “آفاق” الكراس أن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الوحدة العربية: “ليس فقط لأن الوحدة تشكل طموحاً مشتركاً لشعوبنا نظراً لوحدة اللغة والدين والتاريخ ولكن لأن الوحدة هي الوسيلة الوحيدة التي يتسنى لأقطارنا ومن خلالها تشييد الاشتراكية الحقة (5) .‏ كما اعتبرت أن الوحدة العربية ضرورة اقتصادية وثقافية، غير أنها لا يجب: “أن تكون متقدمة على النضال من أجل بناء النظام الاشتراكي، فقد دلت التجربة، وما زالت، إن هذه الوحدة لن تتحقق إلا إذا كانت وليدة النظام الاشتراكي”(6) . أما عن شكل الوحدة التي تؤمن بها “آفاق ” فيحددها الكراس كالتالي: ” فنحن نعلم أن كل قطر عربي لوحده ليس بمقدوره بناء الأسس الاشتراكية وان هذه الأخيرة لن تتحقق إلا في إطار أوسع، وبإمكان وحدات إقليمية أن تهيئ لوحدة عامة” (7) .‏

وفي الوقت عينه، نشرت “آفاق ” مقالاً بعنوان: “تونس أمام أزمة الشرق الأوسط “، جاء فيه ما يلي: “إن النضال ضد إسرائيل التي نجدها أمام طريقنا في كل مرة نبادر مبادرة تقدمية لا يمكن أن يكون إلا نضالاً متواصلاً صميمياً، يدخل في إطار النضال ضد الإمبريالية التي تهاجم كل الشعوب. ولذلك أيضا فان النضال ضد الأنظمة- ومن بينها النظام التونسي- المرتبطة بالإمبريالية، يجب أن يكون من الثوابت النضالية السياسية لليسار ” (8) .‏

ونشرت مجلة “آفاق” في عددها الصادر بتاريخ 14 حزيران 1967، مقالاً بعنوان “اليسار التونسي والثورة العربية “، أكد عروبة تونس وشعبها الذي يرزح تحت كلكل زعامة متغربة تحاول قطعه عن جذوره وعن محيطه العربي… وأن الإيمان بعروبة تونس لا يدخل في إطار الحلم ولكنه اعتقاد راسخ وثابت.‏

الثانية بعيد هزيمة حزيران 1967، إذ أصدر “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي ” كراساً تحت عنوان: “المسالة الفلسطينية في علاقاتها بتطور النضال الثوري في تونس “، وهو الكراس الثاني للمجموعة، وعرف بالكراس الأصفر نسبة للون غلاف الكراس. وقد انتهى إلى أن تونس أمة بحالها وبلغتها، وبشخصيتها المميزة، وان القومية العربية هي إحدى الترهات التي تقوم على اخوة الدين والعرق والدم…. وان الشعب الفلسطيني ” أحد رعايا دولة إسرائيل التي يشكل أقلية فيها” (9) .‏

إذا كانت هزيمة حزيران قد فجرت التناقضات الأيديولوجية والسياسية في صفوف “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس “، إلا أن حملات الاعتقال والمطاردة المتوالية التي تعرضت لها كادرات وقيادات التجمع بهدف تصفيته في إطار سياسة الاستبداد، التي أغلقت كل محاولات الحرية، وتصفية كل صوت معارض، ومصادرة أشكال التعبير والممارسة، وتقديم معتقلي “التجمع” أمام محاكم أمن الدولة، وصدور أحكام قاسية وصل بعضها إلى السجن عشرين عاماً مع الأشغال الشاقة، هذه الضربات أسهمت في تحطيم البنية التنظيمية للتجمع، وشل فعاليته السياسية، وإنهاء وجوده التنظيمي في الجامعة والشارع التونسي.‏

فقد تعرض تنظيم آفاق إلى محاكمة سياسية في 2 تموز 1968، وأصدرت محكمة أمن الدولة برئاسة القاضي علي شريف أحكاماً على 84 متهماً سياسياً تراوحت ما بين 14 سنة سجناً، على كل من نور الدين بن خذر، وجلبار نقاش، و 11 سنة سجناً على كل من محمد بن طاهر ومحمد بللونة و 9 سنوات سجناً على كل من محمد عبد العزيز كريشان وطاهر بن حسين بن عثمان، والبقية تراوحت أحكامهم ما بين سنتين، وبعض الغرامات المالية .‏

وكانت تجربة السجن قد خلقت تفاعلات فكرية وسياسية جديدة، إذ حصلت أوسع عملية مراجعة وحوار، ودراسة نتائج التجربة الماضية، وتبلورت وجهات نظر جديدة باتت بانتظار فرص تحقيقها بعد الخروج من السجون والمعتقلات، لتبدأ مرحلة جديدة من التجربة، تجربة اليسار الماركسي، خارج المدرسة التقليدية للحركات الشيوعية، وحزبها في تونس. وكان لسقوط أحمد بن صالح وإخفاق سياسة التعاضديات، واعتقال صاحبها بتهمة الخيانة العظمى عام 1969، أن أفسح في المجال لظهور شكل من أشكال الانفتاح السياسي من جانب السلطة ورئيسها بورقيبة. وهكذا، أصدر الحبيب بورقيبة في العام 1970 قراراً بالعفو عن السجناء السياسيين ومن بينهم أعضاء “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي ” آفاق ” (10) .‏

بعد مرور ثلاثين سنة من تكوين آفاق، يحلل الآباء المؤسسون العوامل التي قادت إلى اندثار حركة آفاق بمجرد قيام أول محاكمة لها، فيرجعونها إلى سببين رئيسيين :‏

الأول: شراسة القمع الذي تعرضت له الحركة. فقد كانت مواجهة غير متكافئة وقمعاً لا يطاق، تميز بالتعذيب، والأحكام الجائرة والمضخمة، كأن يحاكم فرد بعدة سنوات سجناً من أجل منشور وزعه، علاوة على أن خمسة أفراد من التنظيم كانوا مهددين بحكم الإعدام. كل ذلك يبرز أن قوة الضربة التي وجهتها السلطة كانت أقوى بكثير من حجم الحركة .‏

الثاني: إن المجتمع التونسي غير مستعد للصراعات الراديكالية. فالمجتمع التونسي يعيش منذ فترة طويلة من تاريخه في رقعة جغرافية صغيرة ومسطحة لا مكان للاحتماء بالجبال أو الأدغال ولا مكان فيها للتناقضات الأساسية الدينية أو العرقية .‏

يضاف إلى ذلك كما يقول عدد من أصحاب المبادرة أن التاريخ التونسي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أفرز نخباً كانت الأكثر تقدماً من نظيراتها في العالماركسي اللينينيعربي-الإسلامي، وهيأت المجتمع التونسي لنوع من التعامل مع الدولة كما أن قواعد التسيير فيما بعد جعلت توزيع الثروات في تونس أكثر منطقية من غيره في المجتمعات الأخرى، وأفرز المجتمع الطبقات الوسطى والصغرى بدرجة جمعت بين الكم والكيف، وهي التي تساهم في تغذية المجتمع بأيديولوجية الرضا بالموجود والبعد عن الأيديولوجيا المترفة، وبعقلية حماية الرزق المكتسب خوفاً عليه من التلاشي إن دخل صاحبه في صراع مجلة حقائق عدد 657 – من 9 إلى 15 تموز 1998).‏

3- منظمة العامل التونسي: النشأة والتطور‏ 

مع تجذر الحركة الطلابية في النضال الديمقراطي في آخر الستينات، وعجز تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي، الذي كان تعبيراً راديكالياً عن اتجاه داخل الحركة اليسارية التونسية، عن تقديم مشروع فكري وسياسي يقدم أجوبة واقعية للمعضلات التي يعاني منها المجتمع التونسي، بادر عدد من أعضائه السابقين في باريس ممن كانوا على خلاف فكري وسياسي مع “الكراس الأصفر” حول القضية الفلسطينية، الذي كان سبباً ودافعاً لخروج العديد من المناضلين من “التجمع “، إلى تأسيس منظمة جديدة سميت بمنظمة العامل التونسي، عرفت باسم مجلتها “العامل التونسي” التي تحرر باللهجة التونسية المحلية، وذلك من سنة 1969 إلى سنة 1973، وقد عوضت نشرة “آفاق ” وأصبحت لسان حال المنظمة.‏

كانت منظمة العامل التونسي متأثرة بمناخ الحركات اليسارية الماوية والتروتسكية التي سجلت حضوراً قوياً في الساحة الأوروبية، وبأطروحتها، خاصة حول ما يتعلق بالصراع الأيديولوجي بين قطبي الحركة الشيوعية العالمية الصين والاتحاد السوفياتي. وكانت الحركة الطلابية التونسية التواقة إلى التغيير الثوري والجذري، والتي تعبر في الوقت عينه عن حاجة وطنية عميقة في التخلص من هيمنة الحزب الواحد، تستجيب وتتفاعل مع هذه الأطروحات العالمية.‏

غير أن منظمة العامل التونسي ظلت متلقنة لأطروحات المدارس الفكرية العالمية، من دون أن تحسم التناقضات الفكرية والسياسية التي كانت قائمة في تجربة “آفاق “، ” الأمر الذي وضعها من جديد على أرضية الصراعات الداخلية على الرغم من الاتفاق التام والمعلن حول الموقف من النظام وضرورة مواجهته بشكل شمولي، عبر إيجاد وعاء تنظيمي – سياسي، يتبنى الماركسية صيغة عامة، وينظم نضالات قطاعات شعبية في المعركة مع النظام ” (11) .‏

المسألة الفكرية التي تصدت لها مجموعة من منظمة العامل التونسي في تلك المرحلة، هي تلك التي تحلقت حول مجلة “النضال ” التي عرفها أصحابها بأنها “لسان حال الثورة العربية في تونس”، وهي مجموعة تروتسكية، أصدرت كراساً بعنوان: “المسألة الفلسطينية: من القومية إلى الماركسية” خصص للرد على موقف “آفاق ” ومعالجة نظرية حول الطبيعة الطبقية للصراع العربي الصهيوني، ودراسة حول المنهج والماركسية الدوغمائية. وانتهى الكراس، إلى اعتبار الأمة العربية: ” حقيقة تاريخية وواقعية، وأن وجودها لا يمكن إلا أن يكون نقطة انطلاق مسار الثورة العربية، في حين أن عدم وجودها لا يغير شيئا من الاتجاهات الوحدوية الموضوعية والذاتية لهذه الثورة. كما أن الوحدة العربية تهيئ لنا أساسين لاستراتيجية التنمية في المستقبل، فهي تسمح بتجميع الثروات الطبيعية والقدرات البشرية والاستثمارات البشرية) وتضع حدا لعقبة مهمة، إلا وهي ضيق السوق الداخلية، كما أن النضال ضد الإمبريالية مستحيل في إطار دول مجزاة” (12) . تركز النشاط التنظيمي والسياسي لمنظمة العامل التونسي في أوساط الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد العام لطلبة تونس، في الداخل وفروعه في فرنسا، اللذين كانا يطالبان بالتعددية السياسية، والعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الانسان، وهي كلها مطالب تستجيب لحاجيات اجتماعية عميقة. وقد نجحت منظمة العامل التونسي في بلورة اتجاه نقابي ديمقراطي عميق الجذور في صلب الحركة الطلابية التونسية، وفي قاعدة الحركة النقابية العمالية، الأمر الذي كان له تأثير مباشر على تجذر النضال الديمقراطي في الجامعة التونسية في صفوف الطلبة، الذين قاموا بانتفاضة عارمة في 5 شباط فبراير 1972، رفعت شعارات معادية للنظام، وجسدت القطيعة بينه وبين الحركة الطلابية، وأسهمت إسهاماً فعلياً في مقاومة الممارسات القمعية للحزب الحاكم، إلى درجة ان الجامعة التونسية أصبحت معقلاً حقيقياً لليسار الجديد.‏

غير أن الإسهام الإيجابي من جانب منظمة العامل التونسي في تأطير النضالات الطلابية، ما كان ليخفي عوامل التفتت والانقسام داخل المنظمة التي بدأت تطفو على السطح في العام 1974 وما بعده، في ضوء التطورات الداخلية والإقليمية والدولية، التي استجدت في بداية عقد السبعينات، وبدأت في طرح أسئلتها الملحة على منظمة العمل التونسي.‏

ولما كانت هذه المنظمة تنظيماً غير متجانس على الصعيد الأيديولوجي وبالتالي السياسي، نظراً لتركيبتها المعقدة، بوصفها خليطاً من الماركسيين الخارجين من الحزب الشيوعي، ومن التروتسكيين، والماويين، والغيفاريين و أنصار الثورة الطلابية في فرنسا، ومن البعثيين والقوميين العرب والناصريين، فقد عجزت هي ذاتها عن تشكيل قوة طليعة راديكالية، مثلما عجزت تاريخياً عن بلورة مشروع فكري سياسي يحقق تركيبة بين الواقعي والثوري، يقدم أجوبة عقلانية للأسئلة المطروحة في أبعادها الثلاثة.‏

ا- البعد الأول: تحديد طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في تونس، هل هي من طبيعة ” رأسمالية مهيمنة عليها “، أم هي ” شبه إقطاعية شبه مستعمرة “، والموقف من النظام خصوصاً أنه برزت صراعات داخل الحزب الحاكم بين جناح بورقيبة وجناح أحمد المستيري الليبرالي عقب انعقاد المؤتمر الثامن للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في العام 1971، الذي كاد يفضي إلى إسقاط بورقيبة، بعد أن استنفذ الدورات الثلاث الدستورية كرئيس للجمهورية.‏

2- البعد الثاني: الموقف من المسالة القومية، وحقيقة انتماء تونس للأمة العربية، أو في كونها تمثل “أمة تونسية” مستقلة بذاتها، والموقف من القضية الفلسطينية، والصراع العربي الصهيوني.‏

3- البعد الثالث: الموقف من الصراعات داخل المعسكر الاشتراكي وخاصة الصراع الصيني- السوفياتي.‏

وقد لخص أحد قيادي العامل التونسي معطيات الصراع داخل المنظمة في تلك الفترة وأسبابها بالقول: انه قد ظهرت أحداث داخلية وعالمية أسهمت في تصعيد التناقضات داخل منظمة العامل التونسي وبالتالي في إفراز العديد من المجموعات الماركسية وبخاصة في أوساط الطلبة المهاجرين. ومن أهم الأسباب التي أدت إلى الانقسامات قضية الوحدة العربية. أي هل تونس أمة موحدة ومستقلة أم هي قطر ينتمي إلى أمة مجزأة تناضل من اجل وحدتها ؟ وكذلك قضية الموقف من السلطة، وطبيعتها، وكيفية التعامل معها. أي بمعنى آخر هل التناقض بين السلطة والشعب حاد وعدائي؟ أم أن هناك إمكانية للتعامل مع شق من السلطة. إضافة إلى هذه القضايا، تأثر الماركسيون بتونس باحتدام الصراع داخل الحركة الشيوعية العالمية، كالموقف من نظرية العوالماركسي اللينينيثلاثة الصينية، والموقف من فكر ماوتسي تونغ ” (13) .‏

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الساحة التونسية، وأوساط العمال المهاجرين التونسيين، قد عرفت ولادة عدة تنظيمات يسارية تتبنى الأيديولوجية الماركسية اللينينية، وتنتقد الحزب الشيوعي، وكذلك منظمة العامل التونسي. ومن بين هذه التنظيمات: ” التجمع الماركسي اللينيني “، المنظمة الماركسية اللينينية (الشعلة)، الحركة الديمقراطية الجماهيرية، حزب الشعب الثوري التونسي، منظمة “الحقيقة”…‏

ولم يبق من هذه التنظيمات الآن سوى حزب العمال الشيوعي التونسي الذي يعد امتداداً أو انقطاعاً لمنظمة العامل التونسي، (رغم إنكاره لذلك).‏

أسهمت هذه التنظيمات الصغيرة في إذكاء حدة الصراعات داخل منظمة العامل التونسي، التي يصفها أحد قياديي هذه المنظمة على النحو التالي: “إن الصراع، اتخذ أحياناً أشكالاً حادة ومرضية بسبب تعود المناضلين على أساليب الصراع داخل الحركة الطلابية المتميزة في إطلاق التشويهات عوضاً عن النقد النزيه، والحسم السريع عوضاً عن النقاش الرصين، لكن أسباب الخلاف تبقى حقيقية وجوهرية… فالذين اعتقدوا في إمكانية استغلال التناقضات داخل السلطة كرسوا مواقفهم بالتعامل مع رموز السلطة، وبخاصة داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، أما قضية الخلافات حول تقويم الأوضاع الدولية، فهناك من اصبح يعتقد بل ويروج في كل المناسبات ان الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد العدو الأساسي للشعوب، بل اصبح من الممكن التحالف معها لمواجهة الاتحاد السوفياتي ” (14) .‏

في مرحلة السبعينات تطورت النضالات النقابية العمالية والطلابية والنضالات السياسية لمختلف القوى الوطنية والديمقراطية، وبالمقابل دخل الاقتصاد التونسي في أزمته البنيوية العميقة منذ العام 1975، بعد فترة الانتعاش الأولى التي شهدها عقب نهاية تجربة الاشتراكية الدستورية، وانتصر الخط البيروقراطي المتشدد داخل النظام بقيادة رئيس الحكومة السابق الهادي نويرة، ومدير الحزب الاشتراكي الدستوري محمد الصياح، وعبد الله فرحات، والذي يعتمد أساساً على سياسة الحديد والنار في الاحتفاظ بالحكم، ويمثل الامتياز الإمبريالي لأميركا، وظهر إلى الوجود التيار الإسلامي في مواجهة التيارات الماركسية والقومية.‏

هذه العوامل مجتمعة، شكلت منعطفاً سياسياً خطيراً، لجهة شن الأجهزة البوليسية حملة اعتقالات واسعة بهدف تصفية منظمة العامل التونسي، استمرت عامين متتالين 1974 و 1975، إذ تم اعتقال مئات من أعضاء المنظمة من الشباب والطلبة والأساتذة والعمال المنتسبين لهذه المنظمة، التي قام أعضاؤها بتوزيع منشورات معادية للنظام وسياساته على نطاق واسع في المعامل والمد ارس الثانوية، والمحطات والأسواق العامة.‏

بلغ عدد معتقلي المنظمة في العام 1974 وحده عدة مئات من الكادرات والأعضاء والانصار، وقدم منهم للمحاكمات 202) شخص معظمهم من الطلبة والطالبات، صدرت بحقهم أحكام مختلفة بالسجن.‏

وفي العام التالي 1975 تم اعتقال أعداد أخرى، وبلغ عدد من قدم إلى المحاكمة 151) متهماً، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن راوحت بين السجن لمدة ستة اشهر وتسع سنوات، استناداً إلى التهم التالية: (15)‏

 الانتساب إلى منظمة غير مشروعة.‏

 إهانة شخص رئيس الدولة.‏

 التعريض برئيس دولة أجنبية.‏

 التشهير بأعضاء الحكومة.‏

 نشر أخبار زائفة والتحريض على التمرد.‏

4 – الانقسامات والتشرذم في صفوف منظمة العامل التونسي :‏ 

في ظل غياب وعي مطابق للواقع التونسي، من جانب منظمة العامل التونسي، ونتاج خضوعها التلقائي لتأثيرات المدارس الفكرية العالمية، فضلاً عن تعرضها لحملات القمع والاعتقال والمحاكمة، وما أفرزته السجون من إعادة تقويم تجربة “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي “، وكذلك دراسة جوانب التجربة الجديدة، كل هذه العوامل مجتمعة، جعلت منظمة العامل التونسي نفسها عرضة لإنشقاقات عديدة، بسبب من تبلور عدة اتجاهات في صفوفها نوجزها على النحو التالي:‏

1- الاتجاه الأول : وهو يمثل الدعاة المؤسسين لمنظمة العامل التونسي، الذين يعودون بأصولهم إلى “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي “، “آفاق “، والذين يعتبرون النظام التونسي نظاماً رأسمالياً، وان طبيعة الثورة المقبلة، هي من طبيعة ثورة اشتراكية، وأن تونس بلد لا ينتمي إلى الوطن العربي، بل ينتمي إلى دول العالم الثالث، وان اللغة التونسية المحلية ينبغي أن تكون أداة الاتصال مع الجماهير، وينبغي اعتمادها في الصحافة الحزبية في مخاطبة الجماهير. وهذا الاتجاه الانعزالي كان يقوده جلبار نقاش، وهو يهودي الأصل، وفرانكوفوني. وقد تخلي هذا الاتجاه عن تبنيه للإيديولوجية الماركسية اللينينية، باعتبارها مثل كل الأيديولوجيات، تؤدي حتماً إلى الديكتاتورية والعنف والتسلط. وكان هذا الاتجاه متأثراً بأفكار وأراء الفلاسفة الفرنسيين الجدد، أو ما يسمونه باليمين الجديد، الذين اصبحوا يركزون نضالهم على موضوع الأقليات “النساء والأقليات القومية”، فضلا عن تبنيهم لمقولة “حرية الجسد والعقل ” باعتبارها أساسا للحرية، وان النظريات الثورية، التي عرفها القرن العشرون نظريات أدت إلى كثير من الكوارث و الفواجع ” (16) .‏

2- الاتجاه الثاني: ويمثل مواقف وآراء الجيل الثاني من المنتمين إلى المنظمة بعد عام 1970. وكان هذا الاتجاه يقوِّم طبيعة النظام التونسي، أنه كمبرادوري في طبيعته، وتابع سياسياً، وان طبيعة الثورة المقبلة، هي ثورة وطنية ديمقراطية كمرحلة ضرورية للانتقال إلى الثورة الاشتراكية، وهو يؤمن بوجود أمة عربية، وان تونس تنتمي إلى الوطن العربي أولاً، والي العالم الثالث ثانياً، وأن اللغة العربية هي اللغة الصالحة لتكون لغة أدبيات المنظمة وصحافتها في الاتصال مع الجماهير. غير أن هذا الاتجاه الثاني نظراً لعدم تجانسه، وبروز خلافات نظرية وسياسية في صفوفه، شهد تبلور ثلاثة تيارات في داخله، مهدت لإنشقاقات عديدة.‏

ا – التيار الأول وهو التيار السائد في المنظمة الذي تبنى النظرية الماركسية اللينينية، وفكر ماوتسي تونغ في التتظيم، بعد عملية التصحيح التي شهدتها المنظمة في مطلع السبعينات، حيث رفع هذا التيار شعار “حرب الشعب طويلة الأمد” كأسلوب لإسقاط النظام التونسي، واعتبر سياسة الانفتاح التي يمارسها ليست أكثر من ” سياسة إجهاض للنضال الديمقراطي الوطني “. وكان هذا التيار قد انتقل من تبني الخط الماوى التقليدي إلى تبني “الخط الألباني ” باعتباره “الخط الصحيح للوصول إلى الاشتراكية الحقيقية”.‏

2- التيار الثاني، الذي أطلق عليه اسم “الخط الثوري “، تبنى معظم أطروحات التيار الأول، لكنه يختلف في قضية تقويم النظام، وقضية إسقاطه، وأسلوب إسقاطه. ففي الوقت الذي أكد فيه التيار الأول أن النظام مجموعة متماسكة وموحدة وخالية من التناقضات، أكد “الخط الثوري ” على أن النظام التونسي متكون من جناحين: الأول جناح متصلب- يعتبر نفسه الدعامة الأساسية والشرعية للنظام، هذا الجناح اخذ تشكيلته النهائية في خريف 1974، ويمثله محمد الصياح ذو النزعة الفاشية مدير الحزب، والتكنوقراطي الهادي نويرة رئيس مجلس الوزراء. والثاني جناح البرجوازية الليبرالية التونسية، المضروب على صعيد- السلطة السياسية- منذ مؤتمر المنستير عام 1971، ويحاول لبس قميص الديمقراطية الفضفاض والانفتاح الليبرالي، ويحاول استقطاب الشارع التونسي تحت دعوات “الديمقراطية ” و “الليبرالية”.‏ وهكذا، أكد الخط الثوري ” إن هناك تناقضات في داخل السلطة لا بد من استغلالها لمصلحة النضال الديمقراطي الوطني ” .‏

3- التيار الثالث: وقد حافظ على تبنيه اسم المنظمة “العامل التونسي ” مجموعة عام 1977، وأكد انه يتبنى نظرية العوالم الثلاثة الصينية، التي تقر بان العالم الأول يتكون من “الإمبريالية الاشتراكية السوفياتية، والإمبريالية الأميركية”، والعالم الثاني يتكون من دول أوروبا الغربية، والعالم الثالث هو بقية البلدان، التي تتماثل فيها حسب هذه النظرية أنظمة ديكتاتورية عفنه مثل نظام بينوشيه ونظام شاه إيران، ونظام ماركوس، مع دولة مثل الصين أو فيتنام. الخ.‏وحسب هذه النظرية، يجب أن يتحالف العالم الثالث مع العالم الثاني لمقاومة العالم الأول.‏ وقد تبنت القيادة الصينية بعد وفاة ماوتسي تونغ هذه النظرية، التي بلورها دينغ شياوبنغ في بداية السبعينات، وتبناها ماوتشي تونغ. وانطلاقاً من هذه النظرية، يصبح نظام السادات نظاماً وطنياً باعتباره معادياً للسوفيات، وكذلك النظام التونسي، الذي اعتبره هذا التيار الثالث “نظاماً وطنياً في داخله عناصر فاشية “، وأنه من الضروري “كسب الشق الديمقراطي ” في تركيبة النظام والتعامل معه، الأمر الذي أدى إلى نبذ شعار الكفاح المسلح وحرب الشعب باعتباره طريقاً للوصول إلى السلطة وبناء الاشتراكية، وتبني هذا التيار الطريق السلمي للوصول إلى الاشتراكية عبر النضال الديمقراطي.

لا شك أن تزايد الانقسامات في صفوف منظمة العامل التونسي، قد أسهم إسهاماً كبيراً في تفتيتها وتشرذمها التنظيمي لاحقاً، وإلى تحول هذه المنظمة من أكبر منظمة يسارية معارضة في تونس طيلة عقد السبعينات إلى تنظيم ضعيف في بداية الثمانينات، على الرغم من قيام السلطة بإطلاق سراح معتقلي المنظمة في آب 1980، بعد مجيء حكومة محمد مزالى بعدة أشهر، وذلك في نطاق ” سياسة التفتح والديمقراطية “، التي أقرتها.‏

وقد اختفت معظم “التنظيمات ” التي انشقت عن العامل التونسي من الساحة السياسية التونسية، بسبب عجزها التنظيمي، واندماجها في أطر الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي أصبح الإطار الأوسع يستوعب مختلف التيارات اليسارية. والحال هذه بقي على الساحة التونسية تنظيمان شيوعيان فحسب : “منظمة العامل التونسي ” و”الحزب الشيوعي “.‏

ويصف أحد قادة المنظمة التحولات التي بدأت تهب عليها في عام 1977 بالقول ” من الناحية التنظيمية” لم يبق سوى العامل التونسي كتنظيم ماركسي لينيني إلى جانب الحزب الشيوعي التونسي معلناً عن نفسه في الصحف، في جميع التظاهرات، أما التنظيمات الأخرى التي انشقت عن العامل التونسي، والتي لم تعد تعلن عن نفسها، فإن مجال نشاطها اقتصر على العمل داخل النقابات وفي أوساط الطلبة. أما نحن- العامل التونسي- فإنه إضافة لنشاطنا داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وفي أوساط الطلبة، ومشاركتنا في جميع التظاهرات السياسية والثقافية بالبلاد، فإننا أصبحنا نركز اهتمامنا أكثر فأكثر على الجانب الفكري، لأننا نعتقد، أن ابتعاد العديد من المناضلين عن منظمتنا مرده إلى إهمالنا للجانب الفكري في السبعينات، مع ملاحظة أن الحركة الشيوعية العالمية تمر بفترة دقيقة تتطلب منا مجهوداً فكرياً مضاعفاً لمعالجة أهم القضايا الحساسة لتقويم التجربة السوفيتية والتجربة الصينية” (17) .‏

(1)مجلة الكفاح العربي 6/8/1979 ص 22).‏

(2)مجلة النهار العربي والدولي 13/7/1981 لقاء مع أحد قادة منظمة العامل التونسي، وكذلك أيضاً صحيفة الوطن الكويتية 31/10/1981 .‏

(3)من حوار معه في مجلة “الموقف ” الناطقة باسم التجمع الاشتراكي التقدمي قبل أن تتحول إلى صحيفة) عدد 64 تاريخ 10/8/1985 .‏

(4)مجلة ” الموقف ” عد د 63 تاريخ 3/ 8/ 1985.‏

(5)وهو كراس من الحجم الصغير يضم 22 صفحة، دار النشر مجهولة، وكان من المفروض أن تسهم فيه المجموعة وتلقيه في ندوة الجزائر حولالاشتراكية في العالم العربي ” في 22 أيار مايو) 1967، ولم يتسن لها ذلك حيث وقع قبولها كملاحظ فقط ص 5 – 19)‏

Les Caracteristiques du peuple

(6)المصدر السابق ص 6 ).‏

(7)المصدر السابق.‏

(8) – Alya Cherif ch) : L’itineraire Politique De L’opposition Progressiste Dans La Tunisie Independante 1955 – 1970 ) Memoire Inedite) Presentee Pour l’obtention Du diplome D’Etude Superieure De Science ,U, Paris 1975 , P122 – 123 )

(9)وهو الكراس الثاني للمجموعة وعرف بالكراس الأصفر نسبة للون غلاف الكراس، أوردت عليا الشماري جزءاً كبيراً منه في المصدر السابق، كما أورد الدكتور أنور عبد الملك مقتطفات منه في كتابه “الفكر السياسي العربي المعاصر”.‏

(10)مجلة الدستور العدد 299) تاريخ 15/8/1983، قصة التنظيمات السرية في تونس ص 26).‏

(11)فايز سارة الأحزاب والحركات السياسية في تونس 1932 – 1984 مجهولة دار النشر الطبعة الأولى 1986 ص 172).‏

(12)أصدرت هذه المجموعة 5 أعداد من مجلة “النضال، آخرها كان في شهري تشرين الثاني نوفمبر) وكانون أول 1970، ثم توقفت عن الصدور. و قد أوردت عليا الشريف في أطروحتها السابقة الذكر اغلب أجزاء هذا الكراس، واعتمدنا على ذلك في دراستنا هذه.‏

(13)مجلة النشرة “قبرص ” العدد (16) تاريخ 12/3/1984، مقابلة مع أحد قياديي العامل التونسي.‏

(14)المصدر السابق.‏

(15) – ملف القمع في تونس ملحق “القاعدة” الصحيفة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ” القيادة العامة ” “بيروت” العدد (15)النصف الأول من كانون الثاني 1976 ص 14).‏

(16)مجلة الدستور 15/8/1983 – مصدر سابق.‏

(17)مجلة النشرة- قبرص العدد (46) مصدر سابق.‏

Advertisements