السبعينات: الحلقات والشعلة
شكلت بداية السبعينات بروز مبادرات متعددة من أجل بلورة الفكر الماركسي اللينيني والمساهمة في نشره في صفوف الحركة الطلابية والتلمذية ومثلت هذه المبادرات ضربة ساحقة لليسراوية التي ظلت سائدة طوال الستينات والتي جاءت كردة فعل ضد الخيانة التحريفية-ما يسمى بالحزب الشيوعي التونسي- من جهة والهيمنة الامبريالية من جهة ثانية وساهم هذا الوضع في انتشار التيارات التروتسكية والفوضوية في العديد من البلدان.
وقد كان لليسراوية ولايزال أثرها السلبي على تطلعات الجماهير العربية حيث قامت بترويج العديد من الاطروحات التي لا تتلاءم مع المرحلة الوطنية الديمقراطية ولامع الظروف التاريخية لواقع مجتمعنا العربي وطبيعته فظهرت اطروحات الثورة الاشتراكية في تونس وديكتاتورية البروليتاريا ورجعية الفلاحين واطروحة الامة التونسية واللهجة “العامية” الخ… ومن اهم التنظيمات التي مثلت التيارات اليسراوية يمكن ذكر التجمع الماركسي المنشق عن الحزب “الشيوعي” التحريفي سنة 58 والذي اتخذ لنفسه اسم الكفاح منذ سنة 65 وتجمع الدراسات والعمل الاشتراكي المعروف باسم افاق والذي انبعث في نهاية 63.
اما الخط الماركسي اللينيني الماوي والذي لاعلاقة له بهذه الاطراف, فقد ساهمت في بروزه العديد من العوامل الموضوعية نذكر من بينها اولا الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في الصين وما تلاها من صراعات على مستوى عالمي-ونخص بالذكر الصراع ضد التحريفية الخروتشوفية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني- وثانيا حرب جوان 67 والمظاهرات الحاشدة والجماهيرية التي عمّت الساحة الشعبية وثالثا افلاس سياسة النظام البورقيبي على كل المستويات وتفاقم البطالة وتفشي ظاهرة الهجرة ،وفيما بعد حركة فيفري 72 الطلابية.
وفى بداية السبعينات، تجسّد الخطّ في انبعاث “الحلقات الماركسية اللينينية” و”التجمع الماركسي اللينيني”- اللذين لا علاقة لهما باطروحات العامل التونسي على عكس ما يدعيه محمد الكيلاني في كتابه “الحركة الشيوعية في تونس” والذي يريد ان يثبت من خلاله ان الجميع ينحدر من هذه المنظمة التروتسكية الام-كما عرفت نفس الفترة بروز الحركة الديمقراطية الجماهيرية المخضرمة والتي كانت تحتوي في نفس الوقت على عدد من الماركسيين اللينينيين وبعض العناصر التي راجعت مواقفها اليسراوية والتحريفية . وبفعل تبلور الخط الماركسي اللينيني الماوي , شهدت منظمة العامل التونسي تقهقرا واضحا اثر تصدع صفوفها من جراء المواقف التروتسكية القافزة والتوفيقية المتخاذلة.
وبالرغم من الخطوات الهامة التي حققتها الحلقات الماركسية اللينينية في تصحيح العديد من المواقف والدفاع عن الطرح الوطني الديمقراطي وفي تعرية حقيقة التروتسكية القافزة على الواقع العربي والتحريفية المتعاملة مع اعداء الشعب, فان الحركة ظلت منحصرة في اطار الشباب الطلابي والتلمذي تشكو من الضعف النظري وهو ما ادى الى ممارسة سياسة انعزالية لم تتخلص من الرواسب اليسراوية ولم تكن في علاقة مباشرة بالطبقة العاملة والجماهير الشعبية عامة.
وجاء انبعاث “الشعلة” نتيجة تقييم لوضع الحركة الماركسية اللينينية في بداية السبعينات والذي كان يتسم بالحلقية والتشرذم الايديولوجي والسياسي وفي هذا الاطار اكد نص من اجل انطلاقة جديدة-15 جوان 73على “حداثة الحركة وتواجدها رئيسيا في الهجرة وعدم تمكنها من المبادئ الماركسية اللينينية وغياب الرؤية الواضحة وعدم فهم العلاقة بين النظري والعملي في علاقة بواقع الجماهير”. كما خاضت العناصر الماركسية اللينينية صراعا لا هوادة فيه ضد العناصر الانتهازية والطفيلية التي ما فتئت تبث سموم التفرقة من اجل الحيلولة دون بلورة برنامج ثوري يساهم في تجنيد الجماهير الشعبية والرفع من همتها.
وتوجت هذه المساعي والنقاشات التي خاضتها الحلقات الماركسية اللينينية باصدار نص من اجل انطلاقة جديدة-جوان 73 وقع مده لجميع اطراف اليسار مع التاكيد على ضرورة اصدار جريدة تلعب دور الداعي والمحرض والمنظم وتتجاوز الواقع الحلقي. وكلل هذا العمل في البداية بتوحيد الحلقات الماركسية اللينينية والتجمع الماركسي اللينيني وفي اطار تجميع المزيد من العناصر وقع الجلوس حول الموائد المستديرة طوال سنة 74 اتضح من خلالها ان الاطراف المقابلة تشكو من انحراف يميني توفيقي وهي تتعاطف مع الامبريالية الاشتراكية وتعتبر العنف الثوري ضربا من الفوضوية.
وعملت جريدة “الشعلة” في البداية على توحيد الماركسيين اللينينيين وحاولت ادار ة الصراع الايديولوجي والسياسي من اجل بلورة برنامج وطني ديمقراطي. غير ان التواجد رئيسا في الهجرة حال دون الالتحام الفعلي بالطبقات الشعبية . وفي محاولة لتجاوز الانعزالية وقع التوجه الى العمال المهاجرين في فرنسا وانشاء” اتحاد العمال المهاجرين التونسيين”((UTIT في صراع مع الوداديات-التابعة للحزب الحاكم- وجمعية التونسيين بفرنسا- لخضر لالا- احد الوجوه التحريفية انذاك. كما نشط المناضلون في اللجان النقابية “الس ف-د-ت”( (cfdt-المتكونة من فرنسيين ومهاجرين cfi-وقد ساهم هذا التوجه الى جانب العمل في”الهياكل الجامعية المؤقتة” في النضال ضد الانعزالية والارتباط نسبيا بالعمال من خلال المبيتات والاحياء والانشطة الثقافية المتنوعة مثل السينما والمسرح والموسيقى و دروس رفع الأمية . وادت الممارسة العملية وتطور الاوضاع في الداخل( افلاس سياسة التعاضد -قوانين افريل 72-سياسة الانفتاح-حركة فيفري…)ادت الى الوعي بضرورة التواجد في تونس وحتمية رجوع الكوادر الشيوعية الى الداخل من اجل صهر الفكر في قاعدته الاجتماعية . وفي هذا الاطار، تم اصدار قرار الرجوع في 74 الذي وقع تنفيذه من قبل العناصر الاكثر وعيا والتزاما في حين رفض البعض تنفيذ ذلك لأسباب ذاتية وقد تقاعدت بعض العناصر اما البقية فقد تحولت الى كوادر في صلب الجمعيات المهاجرة .
وتشكلت قيادة وقتية في الداخل وبقيت عناصر قيادية في الخارج تواصل اصدار جريدة “الشعلة “التي اصبحت تعبر اساسا عن افكار العناصر الموجودة في فرنسا ونظرا لتضارب الآراء بين الداخل والخارج فقد حصلت العديد من الصراعات افضت في النهاية الى القطيعة .
لقد ساهمت تجربة الهجرة في :
– قليل من التكوين النظري وفي الاطلاع المباشر على تراث الحركة الماركسية اللينينية وعلى الاصدارات الجديدة والارتباط بكل التنظيمات الماركسية اللينينية وبالجمعيات بمختلف مشاربها .
– النشاط في صلب المنظمات والجمعيات والاحتكاك بالماركسيين اللينينيين عبر العالم والتسلح بمبادئ الاممية البروليتارية ونبذ التعصب والإنغلاق.
– التمتع بحرية النشر والتوزيع وترويج الفكر وإمكانية الاتصال بالعمال المهاجرين وبالطلبة في المبيتات ومن خلال الجمعيات المهنية والثقافية.
– إمكانية الدراسة والبحث والإعلام حول كل ما يحصل في الداخل-تونس- من خلال الاتصال بالمنظمات الحقوقية والجمعيات غير الحكومية والنقابات لفضح المماراسات المخالفة لأبسط حقوق الانسان.
– ورغم هذه الايجابيات، تظل الهجرة رافدا ثانويا للغاية وتظل الثورة مطروحة على ارض الواقع لا يمكن تصديرها او إسقاطها. كما لا يمكن التعويل على القوى الامبريالية مثلما تفعل بعض الأطراف الإصلاحية او الرجعية التي تعتمد على “الخارج”-أي تنخرط في الصراع الامبريالي على هذا البلد او ذاك- من اجل الضغط على العملاء في الأقطار العربية بهدف توسيع هامش التحرك وافتكاك قليل من المناصب في اطار اقتسام الكعكة.
اتسمت تجربة النصف الاول من السبعينات بالتركيز على النقاشات من اجل توحيد الحلقات واعتنت بالجانب الايديولوجي والسياسي في علاقة بالصراع ضد الطرح التحريفي من جهة والتروتسكي من جهة ثانية في مجال تحديد طبيعة المجتمع وطبيعة الثورة وخاضت في نفس الوقت صراعات اولية ضد الدغمائية والانعزالية. فتم اصدار دراسة اولية بالفرنسية ثم بالعربية حول طبيعة المجتمع كما تم كشف الطرح التروتسكي الخاطئ من خلال بعض اعداد “الشعلة” وفضح اطروحة إستكمال الإستقلال التحريفية وتمت بلورة نص حول اهمية المسالة القومية هذا فضلا عن متابعة النضال الوطني واحداث الصراع الطبقي التي تم من خلالها فضح السياسة “الليبرالية” لحكومة نويرة وللنظام ككل وكشف مواقف التيارات الإنتهازية في الحركة العمالية والحركة الطلابية وفيما يخص النضال في فلسطين والمواقف الرجعية التي اتخذتها التروتسكية انذاك-وخاصة منظمة العامل التونسي.
يرجع بروز الخط الشيوعي الماركسي اللينيني اساسا الى الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في الصين والحسم المعلن مع التحريفية وما تلا هذا الحسم من تكوين احزاب ومنظمات ماركسية لينينية او انسلاخ العناصر الماركسية اللينينية وتكوينها لتنظيمات متعارضة مع الخط التحريفي “الروسي” ومن سانده ومساندة لخط الحزب الشيوعي الصيني.ومن لم يقف انذاك الى جانب الحزب الشيوعي الصيني بقيادة الرفيق ماو لم يكن معتبرا جزءا من الحركة الشيوعية الماركسية اللينينية وهو اما مساند للتحريفية او متعاطف مع الاطروحات التروتسكية اليسراوية . ولا يمكن فهم النضال ضد التحريفية والتروتسكية قطريا بمعزل عن هذا الاطار العام وباعتراف الاحزاب الشيوعية الماركسية اللينينية انذاك مثلت “الشعلة” الخط الماركسي اللينيني في حين مثل “العامل التونسي”بكل مكوناته الخط التروتسكي . وساهمت “الشعلة” انذاك في بلورة الطرح الوطني الديمقراطي في تناقض تام مع الطرح التروتسكي من جهة والتحريفي من جهة ثانية.
اما النصف الثاني من السبعينات والذي عرف رجوع بعض المناضلين الى تونس والتحاقهم بالرفاق في الداخل فقد شهد تحولات كمية ونوعية على مستوى الخط ويرجع ذلك الى تنامي الحركة الشعبية- تعدد الاضرابات في القطاعات الهامة مثل النقل والسكك الحديدية والتعليم…وقمع الحركة الطلابية مما ادى الى تجذر الحركة واعلان القطيعة مع النظام على كل المستويات وساهمت هذه العوامل الموضوعية في صهر الفكر في جزء من قاعدته الاجتماعية وتمكن الشيوعيون الماركسيون اللينينيون الم من الالتحام بالحركة الشعبية عن طريق الاتحاد العام التونسي للشغل ومن خلال النشاط التنظيمي في الاحياء والمؤسسات مثل توزيع المناشير والنصوص شبه العلنية كما ساهم هذا الوضع الاجتماعي في اعلان الصراع ضد الانعزالية من جهة والشرعوية من جهة ثانية وتجسد هذا الصراع في البداية بين الداخل والخارج-أي الهجرة- ثم بين طرح الانصهار والبلترة والحد الادنى المعيش الذي يجب على كل مناضل احترامه والعيش وفقه وبين طرح الحرية السياسية الذي نجح في ادخال الماركسية اللينينية في دوامة الصراعات الداخلية واهمال واقع النضال الوطني والصراع الطبقي .
لقد تطور طرح الانصهار والبلترة على اثر اختفاء احد العناصر القيادية عقب ما سمي بالحادث الأمني –اصلاح الة ناسخة وقع على اثرها جلب البوليس –وخلال فترة الإختفاء التي كانت صعبة ودامت ما يقارب السنتين تجذر طرح البلترة الذي يعكس في الحقيقة الظروف الصعبة والقاسية التي كان يعيشها العنصر المختفي وتقدم مشروع البلترة الى رفاق الهجرة وكانت القطرة التي افاضت الكاس واندلع الصراع بما ان هذا الحد الادنى المقترح لا ينطبق على العناصر الموجودة في الهجرة او في الجزائر والمشرق. اما الانصهار فقد انطلق منذ الالتحام بالنقابيين في الاتحاد العام التونسي للشغل والوعي بضرورة التواجد حيث توجد الجماهير الشعبية وهكذا شكل طرح الانصهار والبلترة انحرافا عمالتيا لم يصمد طويلا اذ عجز المناضلون عن تطبيق الحد الادنى المعيش وظلت قضية تحويل المسكن الى الحي الشعبي شكلية . وفي هذا الاطار طرحت قضية ندوة تأسيسية في الجنوب التونسي لم تر النور بسبب شكوك أمنية حامت حول مكان الندوة .
وتزامنت هذه الصراعات مع تصاعد النضال الشعبي وتفاقم ظاهرة صراع الكتل في السلطة-بين الحزب ووزارة الدفاع والداخلية- مما أدى الى اعلان الاضراب العام في جانفي 78 . وبفعل تدهور اوضاع الجماهير من جراء حركة التعاضد وسياسة الانفتاح وانكشاف طبيعة النظام فقد تنامى النضال الوطني خاصة بعد افتضاح القوانين المشرعة للنهب الامبريالي مثل قانون افريل 72 واوت 74 وجويلية 76 واحتد الصراع الطبقي في شكل حركة اضرابية تصاعدية بلغت اوجها في 77 فنسفت السلم الاجتماعية وميثاق الرقي وعجزت البيروقراطية النقابية الموقعة على هذه المواثيق عن التصدي للمد الجماهيري مما فجر تناقضات الرجعية الحاكمة . وأفرز هذا الوضع الاضراب العام والعمليات القمعية الدموية التي ارتكبها النظام لضرب الحركة النقابية بعد ان افلتت جماهيريا من يده ولتصفية حساباته الكتلوية المرتبطة بقضية الخلافة.
وطرح الماركسيون اللينينيون التكتيك النقابي الذي عرف ب”لجان المبادرة” وهو تكتيك يرتكز اساسا على مقاطعة النقابة المنصبة من قبل السلطة والتمسك بالشرعية مع محاولة تطوير العمل النقابي باتجاه المزيد من الاستقلالية والديمقراطية وتناقض هذا التكتيك مع تكتيك الإفتكاك الذي طرحته الأطراف الانتهازية والإصلاحية . وقد تعاطفت الجماهير مع الطرح الوطني الديمقراطي الذي عرف بداية انصهاره في الحركة النقابية وبالرغم من النواقص والأخطاء التي تخللت تجربة لجان المبادرة وتكتيك المقاطعة ، فقد اثبتت الأيام صحة التكتيك ودحضت مقولة الافتكاك التي حاولت عبثا إضفاء الشرعية على النقابة البوليسية المنصبة.
وسمح هذا التكتيك النقابي بالانفتاح على الطاقات العمالية الشابة واخرج الفكر الشيوعي من دائرة البرجوازية الصغيرة وفتح افاقا رحبة امام المناضلين على كل المستويات لكنه حمل معه كل امراض البرجوازية الصغيرة وطرح بحدة الصراع ضد النقابوية والشرعوية والحياد النقابي وظلت العناصر الشيوعية في صراع يومي ودائم ضد الطرح الحيادي والعمل النقابي الفوقي او الاداري وتحول البعض الى سكرتير تريديونيوني.
وفي إطار النضال ضد النقابوية, تمت ترجمة العديد من النصوص الشيوعية حول كيفية النشاط في الحقل النقابي وانجاز دراسة حول تاريخ العمل النقابي في تونس وقع اصدارها في جريدة الشعب لسان حال الاتحاد العام التونسي للشغل واشتملت هذه الدراسة على تجربة محمد على الحامي ,تجربة القناوي(جامعة عموم العملة الاولى والثانية وتجربة الاتحاد العام التونسي للشغل مع فرحات حشاد وتم توقيعها باسم “ابن الشعب” وتحول هذا العنصر الى عنصر تصفوي بعد 1987 ) .
والى جانب الصراع ضد الاقتصادوية في شكل الحياد النقابي او الشرعوي القانوني فان الضربة الأمنية في 78-79 التي طالت الشيوعيين الماركسيين اللينينيين والنقابيين الوطنيين طرحت صراعات اخرى بين الداخل والخارج في علاقة بتقييم تكتيك المقاطعة النشيطة وتقييم اسباب الضربة الأمنية وصراعات في الداخل حول تقويم الضربة من جهة والتوجهات الشرعوية و القومجية من جهة اخرى.(لقد التحقت العديد من العناصر القومية والبعثية بتكتيك المقاطعة ثم بالطرح الوطني الديمقراطي وحملت هذه العناصر النزعة القومجية الاسلاموية التي لاعلاقة لها بمفهوم الطبقة العاملة للمسألة القومية في مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي) ان فهم فترة السبعينات هام جدا لأنه يفسر في الواقع ما يحصل حاليا في حركة ما يسمى باليسار التونسي , غير ان البعض قرأ هذه التجربة قراءة ذاتية وتوظيفية فمحمد الكيلاني في كتابه “الحركة الشيوعية في تونس” اراد تبيان ان تاريخ الحركة الماركسية اللينينية هو تاريخ التروتسكية والماوية حسب مفهومه ولم توجد الشيوعية الا مع حزب العمال “الشيوعي” بل ولدت الشيوعية مع حزب العمال “الشيوعي”. وكل ما سبق من طرح هو انتهازي لاعلاقة له بالشيوعية حسب محمد الكيلاني.. هذا الزعيم الذي انشق عن حزب العمال وتنكر لكل ما كان يردده من مبادئ وان كانت تروتسكية وانحرف الى اليمين أكثر ليعلن عن تأسيس حزب اشتراكي يساري في قطيعة تامة مع مكاسب الحركة الماركسية اللينينية في تونس بل ان حزبه هو تواصل موضوعي ومنطقي للخط الاصلاحي الذي اتبعه منذ البداية فالتروتسكية الجديدة التي طبعت خط حزب العمال ومن قبله العامل التونسي ثم الدغماتحريفية التي جاء بها انور خوجة المتنكر لمكاسب الثورة الصينية, جرّت بكل رقصاتها هذه حتما الى الارتماء في الشرعوية والقانونية الرجعية بتعلة الدفاع عن الديمقراطية وعن الجمهورية.
وقد وصف الكيلاني تجربة “الشعلة ” بالدغمائية والانعزالية والحرفية والشعبوية الفلاحية الخ… ومهما كانت اخطاء “الشعلة” باعتبارها جريدة كانت تطمح الى توحيد الماركسيين اللينينيين فانها طورت جوهريا خطا متناقضا تماما والخط التروتسكي الذي كان محمد الكيلاني يسير وفقه وقد التزمت انذاك رغم الاخطاء ومحدودية التكوين بجوهر الخط الذي طورته الحركة الشيوعية الماركسية اللينينية المتمثلة في الحزب الشيوعي الصيني وحزب العمل الالباني-قبل الارتداد الخوجي- وكل الاحزاب الماركسية اللينينية المنشقة عن الاحزاب التحرييفية وبذلك فان الصراع الذي عرفته الحركة الماركسية اللينينية الماوية في السبعينات هو صراع شق الحركة الشيوعية العالمية فوقفت”الشعلة ” في صف النضال ضد التحريفية والتروتسكية ووقف”العامل التونسي” الى جانب الاطراف الاصلاحية وعمل على تكوين الجبهات معها.
ودون الدخول في تفاصيل هذا الصراع-علما وان هذا الصراع تجاوز مستوى الدعاية الضيقة ليطرح في الصحف العلنية في بداية الثمانينات (مجلة اطروحات، جريدة الاعلان، جريدة الايام، الموقف والمغرب..) فانه كان من الواضح ان منظمة “العامل التونسي” دافعت انذاك عن جوهر الاطروحات التروتسكية في القطر فطورت مفهوم الثورة الاشتراكية في القطر وفي المستعمرات واشباهها واستعملت اللهجة العامية ونظرت للأمة التونسية وللبروليتاريا الصهيونية وطمست دور الفلاحين وسخرت من العنف الثوري ومن حرب الشعب الخ… ومقابل هذه الاطروحات الخاطئة برز الطرح الوطني الديمقراطي في تناقض تام مع الطرح الاصلاحي يمينيا كان ام يسراويا واعاد طرح “الشعلة” الاعتبار لطبيعة المجتمع في اشباه المستعمرات انطلاقا من تراث الحركة الشيوعية العالمية ومن واقع هذه المجتمعات- وليس انطلاقا من واقع جهة الكاف فقط كما يدعي الكيلاني في كتابه- واندلع الصراع منذ بداية السبعينات حول محاور مثلت نقطة خلاف بين الطرفين ومن اهم تلك المحاور نذكر ما يلي :
– طبيعة المجتمع في تونس وفي الوطن العربي وفي اشباه المستعمرات عامة.
– طبيعة الثورة الوطنية الديمقراطية والفهم المغلوط للمسالة الوطنية ولقضية تحرير الفلاحين من قبل التروتسكية الجديدة.
– المسالة القومية ومفهوم الأمة المضطهدة من المنظور الماركسي اللينيني.
– مسالة العنف الثوري وتحديدا حرب الشعب كأسلوب أساسي لإفتكاك السلطة.
– قضية حزب الطبقة العاملة
لكن بفعل تنامي تأثير الطرح الوطني الديمقراطي من جهة والوجهة التي اتخذها النضال الوطني والصراع الطبقي في المستعمرات واشباهها وفي الوطن العربي تحديدا والتي اثبتت صحة مواقف “الشعلة” رغم النواقص والأخطاء من جهة ثانية فقد اجبر الخط الاصلاحي على ادخال تعديلات قدمها في شكل نقد ذاتي سنة 74 لم يقف بتاتا على جوهر طرحه الاصلاحي.
وفي حين شهد الخط الاصلاحي بعض التقهقر عالميا وقطريا في تلك الفترة فقد إنتعش من جديد إثر إغتصاب التحريفية السلطة في الصين وإرتداد حزب العمل الالباني الذي طور خطا دغمائيا تحريفيا قدّمه على انه الماركسية اللينينية النقية لمغالطة الجماهير.. وهكذا وبفعل تغير الأوضاع شهد الصراع تحولات مختلفة في الشكل والمضمون وهي تحولات مرتبطة طبعا بواقع الحركة الشيوعية الماركسية اللينينية العالمية وقد وجد حزب العمال في الاطروحات الدغمائية التحريفية لانور خوجة ما يتناسب وخطه.غير ان محمد الكيلاني حاول في كتابه المذكور اعلاه أن يبيّن ان حزب العمال لا علاقة له ب”العامل التونسي” وبطرحه الايديولوجي والسياسي في حين ان برنامج الحزب وتكتيكاته لم تكن في قطيعة مع جوهر الاطروحات التروتسكية..
ان ضربة 76-77 ثم 78-79 طرحت العديد من التقييمات المختلفة في النضال ضد الانعزالية من جهة والتوجهات الشرعوية والقومجية من جهة ثانية فقد حملت تجربة السجن بذور الشرعوية من جهة والقومجية من جهة ثانية. و ركزت تجربة السجن على النضال من اجل تحسين ظروف الإعتقال وحقوق المساجين السياسيين عامة وتركزت التحركات داخل السجن وخارجه بما في ذلك حركة العائلات على التنديد بالظروف داخل السجن والمطالبة باطلاق سراح المساجين وسن العفو التشريعي العام وتزامن هذا النضال المطلبي مع النشاط اساسا في اطار استعادة الشرعية النقابية من خلال تكتيك المقاطعة الذي جمع بين الشيوعيين والوطنيين والنقابيين الرافضين لنقابة التيجاني عبيد البوليسية المنصبة وبفعل وجود العديد من الكوادر الشيوعية في السجن فان” لجان المبادرة “-المتكونة اساسا من وطنيين ديمقراطيين ونقابيين نزهاء رافضين النقابة البوليسية المنصبة- اصبحت هذه اللجان تتحرك اساسا وفق ارضية نقابية تقتصر تقريبا على الشرعية النقابية واهملت النقاط الاخرى الواردة في ارضية اللجان مثل مواصلة اصدار جريدة “الشعب ” وتكوين المعارضات الثورية وأدى هذا التوجه الى استفحال ظاهرة الحياد النقابي خلال فترة الإعتقال و بعدها.
و يعزى فشل تجربة تأسيس الحزب في السبعينات اساسا الى الطرح الانعزالي الذي اتخذ شكلا ثورجيا اطلق عليه مصطلح الانصهار والبلترة واجلت الضربة قضية الحزب بما انها طرحت اعادة البناء واقترنت اعادة البناء بالنضال ضد تكتيك “الحرية السياسية” من جهة والطرح الاسلاموي العروبي من جهة ثانية وظلت هذه الازدواجية تطبع جوهر الصراع الداخلي للخط والتحركات مما ادخل بعض البلبلة على طبيعة الحزب المراد تاسيسه . لكن الحسم في تكتيك الحرية السياسية اعاد للخط العديد من العناصر مثل “مجموعة الصحافة” التي انخرطت من جديد في العمل المشترك وساهمت ايجابا في تجاوز “الحس” و في طرح الوحدة من جديد.

Advertisements