منير شفيق: فصل من كتاب ” الدولة والثورة “، ردّ على ماركس وانجلز ولينين.
إصدار: المركز الثقافي العربي.بيروت.

لعل من المشاكل الأساسية التي نزعت عن الماركسية طموحها لتكون نظرية علمية في معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، أنها اتخذت منذ اللحظة الأولى طابع نظرية الحركة السياسية أو دخلت في خضم الصراع السياسي-الدولي، مما جعلها تخضع لمقتضيات هذا الصراع بكل ما يحمله ذلك من طابع دعاوي وتحريضي وانحيازي ومصلحي. فبينما أرادت أن تجعل السياسة علماً غلبتها السياسة، فحولتها من ميدان ((العلم)) الى ميدان الانحياز الأعمى إليها مما حرمها من أن تعامل بموضوعية صارمة كما تعامل بقية العلوم، وبهذا فقدت طموحها لتكون حتى محاولة لبناء نظرية علمية، لأن كل نقد موجه الى أساساتها النظرية أو الى أية مقولة من مقولاتها سوف يعتبر جزءاً من المعركة السياسية، مما يقتضي رفضه سلفاً، والدفاع بأي شكل من الأشكال حتى لا تُخسر المعركة السياسية، ولكن الثمن أو الضحية كان دائماً ذلك الشيء الذي إسمه: ((العلمية)) أو ((الموضوعية)).

أو، بكلمات أخرى، لو عومل ماركس كعالم في الاقتصاد والاجتماع والتاريخ كما عومل آدم سمث أو ريكاردو أو دوركايم أو سان فورييه لكان من الممكن أن يقول العلم كلمته بعيداً عن الحساسية السياسية المتوترة، ولكان من الممكن أن لا تقع الملايين من البشر، وعشرات الدول، في دوامة من الأخطاء والانحرافات والجرائم تحت راية النظرية العلمية، في الوقت الذي لا تعامل تلك النظرية بفرضياتها ومقولاتها كما تعامل العلوم بل بإعتبارها قضية سياسية، ومن ثم يجب أن يقمع كل نقد علمي لها بأساليب شتى ويُخلط بما يجري ضدها من صراعات سياسية.
يبدأ لينين كتابه (( الدولة والثورة )) بتقديم الأفكار الرئيسة التي طرحها ماركس وانجلز حول الدولة ويلخصها بالشكل التالي:
1- الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره. الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، وأنه انقسم الى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها.
(( تقوم الدولة حتى لا تقوم المتضادات المستعصية – الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة بالتهام بعضها بعض…)) لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الإصطدام وتبقيه ضمن حدود ((النظام)) مع ذلك، فوقه، وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة)). كتاب (( أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة ))، فردريك انجلز الطبعة الألمانية 1894 (ص177-178).
ويوضح لينين هذه المقولة، التي يعتبرها ((الفكرة الاساسية)) التي تنطلق منها الماركسية في مسألة دور الدولة التاريخي وشأنها… فالدولة هي نتاج ومظهر استعصاء التناقضات الطبقية.. فإن الدولة تنشأ حيث، ومتى، وبقدر، ما لا يمكن من التوفيق بينها. وبالعكس فإن وجود دولة يبرهن على أن التناقضات الطبقية لا يمكن التوفيق بينها. (ص8).
الخطأ هنا، كما يراه لينين، ينبع من اتجاهين: 1- يرى لينين أن بعض البرجوازيين الصغار يعترفون أن الدولة لا توجد إلا حين توجد التناقضات الطبقية، وبوجود النضال الطبقي. ولكنهم يصوبون ((ماركس)) بالقول: إن الدولة هيئة للتوفيق بين الطبقات. أما ماركس، كما يوضح لينين، فيرى أن الدولة لا يمكن ((أن تنشأ وأن تبقى إذا كان التوفيق بين الطبقات أمراً ممكناً)) ص8، فهم يرونها هيئة توفيق، وهو يراها هيئة للسيادة الطبقية، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى، هي: تكوين نظام يمسح هذا الظلم بمسحة القانون ويوطده، ملطفاً اصطدام الطبقات. ويرى الساسة صغار البرجوازيين أن النظام هو بالضبط: التوفيق بين الطبقات، لا ظلم طبقة لطبقة أخرى، وتلطيف الاصطدام يعني التوفيق لا حرمان الطبقات المظلومة من بعض وسائل وطرق النضال من أجل إسقاط الظالمين. (ص9).
الفكرة القاطعة التي يؤكدها لينين في كتاب ((الدولة والثورة))، هي: (( أن الدولة هيئة لسيادة طبقة معينة لا يمكن التوفيق بينها وبين قطبها الطبقة المضادة لها. (ص9).
2- الخطأ الثاني، وفقاً للينين، يمثله كاوتسكي الذي يعترف نظرياً بأن الدولة هي: هيئة للسيادة الطبقية، ويعترف أن التناقضات الطبقية لا يمكن التوفيق بينها، ولكنه يُغفل مقولة ماركس المكملة وهي: (( إذا كانت الدولة نتاج استعصاء التناقضات الطبقية، وإذا كانت قوة فوق قوة المجتمع و (( تنفصل عن المجتمع أكثر فأكثر )) فمن الواضح أن تحرير الطبقة المظلومة لا يمكن أن يتم بدون ثورة عنيفة. ليس هذا فحسب، بل أيضاً لا يتم بدون القضاء على جهاز سلطة الدولة، الذي انشأته الطبقة السائدة، والذي يتجسد فيه هذا الإنفصال. (ص9)…

استعصاء التناقضات الداخلية
الأساس الذي قامت عليه النظرية الماركسية حول الدولة هو استعصاء التناقضات الطبقية الداخلية، وهي نقطة انطلاق تحمل خللين رئيسين، الأول لا يرى علاقة نشوء الدولة بالصراعات فيما بين الشعوب والقبائل، أو الجماعات، أو العصبيات، أو المجتمعات، بإعتبار أن هذا النوع من الصراعات هو الذي طغى على التاريخ، لا الصراعات الطبقية داخل كل مجتمع أو جماعة، هذا دون التذكير بأن هذه الحروب كانت المصدر الأول للإستعباد، أي لنشوء الطبقات بالمعنى الماركسي للكلمة. إن إغفال وطمس هذه السمة سيترك بصماته على كامل النظرية؛ لأنها ستكون منذ البداية قد ولدت على رجل واحدة. ويصل هذا الاغفال الى حد ترداد لينين لقول ماركس: (( لا يمكن للدولة أن تنشأ وأن تبقى إذا كان التوفيق بين الطبقات أمراً ممكناً )) (ص11). إنه لا يرى النشأة مرتبطة بصراعات المجتمع مع خارجه، أو الطبقة المعنية الحاكمة مع الطبقات والمجتمعات الموازية والمنافسة لها ولمجتمعاتها، وذلك، على الأقل مرة أخرى، مع موضوع الصراعات الطبقية الداخلية المستعصية.
أما الخلل الآخر فاعتبر الحاجة الى نشوء الدولة وبقائها نابعاً من حاجة الطبقة المسيطرة الى قهر الطبقة المُسَيطَر عليها، وهو بهذا يغفل وظيفة أساسية تقوم بها الدولة وشكلت دافعاً من دوافع نشوئها في التاريخ وهي: إيجاد صيغة لمعالجة التناقضات فيما بين أفراد وأحزاب وجماعات الطبقة أو الفئة المسيطرة نفسها؛ فالتاريخ السياسي، الذي عرفته المجتمعات في العالم، طغى عليه -في فترات تاريخية كثيرة- الصراع فيما بين الأقوياء المتنفذين على مستوى المجتمع الواحد كما على مستوى المجتمعات، أكثر مما طغى عليه الصراع بين مجموع هؤلاء الذين يعاملهم لينين في حديثه عن نشوء الدولة وسماتها في كتابه ((الدولة والثورة)) باعتبارهم هيئة واحدة موحدة، وبين الطبقات المقهورة من تحتهم.
وينقد لينين في هذا الصدد ما يعتبره تشويهين للماركسية قام بهما البرجوازيون الصغار والاشتراكيون الكاوتسكيون: الأول، وصفهم للدولة أنها هيئة توفيق بين الطبقات. وبرأي ماركس، لا يمكن للدولة أن تنشأ وان تبقى إذا كان التوفيق بين الطبقات أمراً ممكناً، فالدولة هي: هيئة للسيادة الطبقية، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى، هي: تكوين نظام ((يمسح هذا الظلم بمسحة القانون ويوطده ملطفاً اصطدام الطبقات)). والثاني، لإعتبارهم أن النظام ((هو بالضبط: التوفيق بين الطبقات)) (ص8).
بيد أن من الضروري الوقوف عند مقولة: (( لا يمكن التوفيق بين الطبقات ))، فإذا كان من المقصود بالتوفيق مصالحة أبدية فهذا طبعاً تحميل لكلمة التوفيق فوق ما تحتمل؛ أما إذا كان المقصود المساومة والمصالحة ضمن حدود معينة ولفترة معينة، فإن رفض فكرة التوفيق يشكل غلواً بعيداً. فالتاريخ يعج بمراحل تمتد لعشرات ومئات السنين تمت فيها ألوان من المصالحات بين الطبقات- تاريخ بريطانيا منذ القرن السادس عشر شاهد كبير على ذلك. ثم ماذا يسمى ما جرى في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة من مساومة رأسمالية-عمالية إن لم يكن توفيقاً، بل غلبت الشراكة بين الرأسماليين والعمال في مواجهة الكتلة السوفيتية وشعوب العالم الثالث!!
إن ما يراد إثباته هنا هو: ملاحظة روح الاطلاقية المغالية في إصدار أحكام لم تثبت أمام شواهد التاريخ، كما أن الرفض القاطع لمقولة: (( إن النظام هو بالضبط: التوفيق بين الطبقات )) حتى بلا أي تحفظ، لا تستطيع أن تثبت أمام الدساتير والقوانين، التي يعتمدها النظام الذي ترعاه الدولة في تجربة الرأسمالية الغربية المتقدمة، حيث كرست التوفيق والمصالحة التاريخية والمساومات، مما جعل تطبيق الدولة للنظام يحظى بحماسة وقبول من تلك المجتمعات بصورة عامة، ولا سيما الطبقات التي قال لينين بعدم إمكان التوفيق بينها.
إن وجود التناقض الطبقي والتعايش بين الطبقات في آن واحد سمة لازمت المجتمعات الرأسمالية، وكان من الضروري أن تُلحَظ بأدق ما يمكن من قبل الفكر الماركسي الذي نشأ بين ظهرانيها وترعرع في أكنافها بدلاً من المقولة الوهمية، التي تتحدث عن إستحالة التوفيق بين الطبقات إستحالة تامة . فكان من المفروض، عوضاً عن هذه الإطلاقية التي لا تدعمها وقائع التاريخ، ولا تؤكدها حالة العلاقة بين الرأسماليين والعمال في البلدان الرأسمالية، كان من الممكن أن تُرى العلاقة ضمن حركتها الواقعية حيث تتوفر ظروف تاريخية تلعب فيها الدولة، فيما تلعب من أدوار، حتى وهي أداة بيد الطبقة المسيطرة، دوراً توفيقياً بين الطبقات كما هو الحال في البلدان الرأسمالية الغربية طولاً وعرضاً، أو تلعب دوراً يتسم بالقمع بالنسبة الى المجتمع عموماً والى القوى المعارضة كما في دولة دكتاتورية البروليتاريا، أو تلعب دوراً ديكتاتورياً فوق كل الطبقات بعد أن سلبت الحريات السياسية من كل الطبقات الاجتماعية بدرجات متفاوتة، كما هو الحال في الدولة النازية والفاشية وكثير من دول العالم الثالث.
ولهذا، فإن رؤية الدولة ضمن سمة واحدة، وفي كل حالاتها، ينأى عن العلمية نأيه عن التاريخ وغنى الواقع وتعدده.
لا حظ ماركس، في مناسبة أخرى، نمط الإنتاج الآسيوي، وتحدث عن مجتمع لم يعرف الملكية الفردية، أي لم يعرف الطبقات بينما عرف الدولة المركزية التي كانت أولى مهماتها، وفق رأيه، تنظيم الري على ضفاف الأنهار الكبرى. وهذا النمط حين يسميه النمط الآسيوي، كأنه الإستثناء، هو نمط الحضارات الكبرى التاريخية من النيل حتى بلاد الهند والصين، أي النمط الذي يغطي الغالبية العظمى من المجتمعات الإنسانية والغالبية العظمى من التاريخ الإنساني، ويمثل التجارب الأولى في نشوء الدول وتشكلها.
فإذا كانت موضوعات ماركس وانجلز، التي اعتمدها لينين، قد عرّفت الدولة وحددت أسباب نشوئها بعيداً عن دراسة النمط الآسيوي للدولة عبر التاريخ، فهذا يعني أننا أمام نظرية لا تتسم بالعمومية والشمول، وإنما هي فكرة مجتزأة وحيدة الجانب وجزئية ومحدودة. بل حتى عندما تُسمى بالمركزية الأوربية تكون فهمت التاريخ والواقع الغربيين فهماً خاطئاً بسبب نهجها أحادي الجانب. وقد نبع جزء أساسي منه لتسويغ نظرية الثورة البروليتارية وإزالة الملكية الفردية والطبقات.
يأخذ لينين على كاوتسكي تشويهه للماركسية حين طمس الحقيقة القائلة: (( إن تحرير الطبقة المظلومة لا يمكن أن يتم إلا عبر الثورة العنيفة والقضاء على جهاز سلطة الدولة الذي أنشأته الطبقة السائدة )). هذا نموذج لطرح ماركسي يقدم مقولة بتقرير جامع مانع قاطع وواضح: (( لا تحرر للطبقة المظلومة إلا بالثورة العنيفة )). ثم عندما يقال إن هذا الإطلاق غير صحيح وإن هناك حالات تحتمل التحرير أو تسلم السلطة دون الثورة العنيفة، يُرد فوراً بأن هذا الرأي قال به ماركس وانجلز ولينين أيضاً، أي لم يستبعدوا طرقاً للتحرير غير الثورة العنيفة. ولكن، ما فائدة هذا الإستدراك بعد أن يكون لينين قد أجهز على رأي كاوتسكي بحكم إطلاقي: (( لا تحرر للطبقة المظلومة إلا بالثورة العنيفة ))؟! ثم يُصار الى التخلص من من الالتزام بهذا الاطلاق وتبعاته في مناسبة أخرى أو عند مواجهة نقد له؟! فيُستشهد بآراء لماركس وانجلز ولينين قيلت في رسالة أو هامش أو مناسبة أخرى، أي لابد من أن نجد في الماركسية اختلافاً وتناقضاً كبيراً.

هذا نموذج للزئبقية في معالجة مسائل يفترض أن تكون علمية ولا علاقة لها بالدعاية السياسية والأغراض التحريضية؛ لأن القبول بالاستدراك يفترض أن يعاد الاعتبار الى رأي كاوتسكي، ولو نسبياً، ويصحح نقد لينين له. أما أن يترك هذا النقد صحيحاً، ثم يعدل بمناسبة أخرى بعيداً عن هذه المناسبة، وبعد أن يكون الضحية قد انتهى أمرها من خلال ضربة سيعاد تصحيحها في مكان آخر، ومن دون أن يغير ذلك التصحيح منها شيئاً… فذلك لا يسمح بتقديم مقولات علمية.
إنه نموذج لإفتقار الفكر الماركسي الى منهجية دقيقة ومحددة في معاملة النص؛ فإذا كان هذا الحكم الإطلاقي قد نُسخ، فيجب أن يصبح معروفاً أنه منسوخ. ولكن ما من أحد يقول إن هذا الحكم قد نسخ بحكم آخر، حتى عندما يُصار الى عدم الاعتراف بحرفيته ويوضع الى جانبه نص آخر لا يوضح إن كان ناسخاً أو معدلاً أو مكملاً له، أو رأياً ارتبط بظرف معين وحالة معينة، كما أن تلك المنهجية لا تقدم نصاً قابلاً لأكثر من تأويل، أو نص حمّال أوجه، حتى تعتمد منهجية للتفسير والاجتهاد. فالمشكل أن النص واضح ومحكم لا لبس في تأويله، ولكنه في الوقت نفسه غير معتمد بالحدود والمناسبة التي قيل فيها، وإنما هو معتمد وغير معتمد!! أما النص الفرعي أو العرضي الذي وضع بجانبه فهو معتمد وغير معتمد أيضاً، وكلاهما معاً معتمدان وغير معتمدين، أي نحن أمام نص فوق النقد، وفوق وضعه على مشرحة التدقيق العلمي.

الثورة العنيفة واضمحلال الدولة

يذكر لينين في مطلع عرضه لهذه السمة استشهاداً طويلاً لانجلز منقولاً عن كتاب (( أنتي دوهرنغ )) ( ضد دوهرنغ ) فيقوم بتلخيصه بعد ذلك في خمس نقاط ، مركزاً على دحض اتجاه الفكر الاشتراكي في الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي لم تحتفظ بشيء من الافكار، التي حملها الاستشهاد المذكور، إلا موضوعة (( اضمحلال الدولة )). وقد اعتبر بتر الماركسية الى هذا الحد يعني (( الهبوط الى حضيض الإنتهازية، إذ أن كل ما يبقى بعد هذا التأويل هو تصور مبهم عن تغير بطيء، موزون، تدريجي، عن انعدام القفز والاعاصير، عن انعدام الثورة )) ( ص 18-19)، وهو يرى أن هذا التأويل هو تشويه فظ جداً للماركسية، مفيد للبرجوازية وحدها. (19).
ويذكر تقريظ ماركس وانجلز للثورة العنيفة (ص21-22)، ليصل الى القول…(( إن تعاليم ماركس وانجلز بصدد حتمية الثورات العنيفة تتعلق بالدولة البرجوازية، فهذه لا يمكن الاستعاضة عنها بدولة البروليتاريا (ديكتاتورية البروليتاريا) عن طريق الاضمحلال. لا يمكن، كقاعدة عامة، إلا بالثورة العنيفة. (ص23). ويقول: (( إن ضرورة تربية الجماهير، بصورة دائمة، بروح هذه النظرة، وهذه النظرة بالذات للثورة العنيفة، هي أساس تعاليم ماركس وانجلز بأكملها، وخيانة تعاليمهما، من قبل التيارين، الاشتراكي الشوفيني والكاوتسكي السائدين اليوم، تتجلى بوضوح خاص في نسيان هؤلاء لهذه الدعاية، لهذا التحريض )) (ص23).
يجب أن يلاحظ هنا أن أساس تعاليم ماركس وانجلز بأكملها ( وتأمل عبارتي: ((أساس)) و ((بأكملها)) ) هي تربية الجماهير بروح الثورة العنيفة، أو يركز على الموضوعة القائلة: (( إن الاستعاضة عن الدولة البرجوازية بدولة بروليتارية لا يمكن أن تتم بدون ثورة عنيفة )).. (ص23). وتتجلى خيانة تعاليم ماركس وانجلز من قبل التيارين الاشتراكي-الشوفيني والكاوتسكي، أي الغالبية العظمى من الأممية الثانية ( أو الغالبية من ماركسيي ذلك العصر) في نسيانهم هذه الموضوعة. إذن نحن هنا أمام طرح واضح، لا لبس فيه، حول مفهوم لينين لتعاليم ماركس وانجلز بخصوص حتمية الثورة العنيفة للإطاحة بالدولة البرجوازية، وهو خطاب معني أساساً بالدولة البرجوازية الحديثة في أوربا والولايات المتحدة.
لقد أثبتت الوقائع التاريخية أن تلك الدول عموماً، أو كقاعدة عامة، لم تكن حبلى بذلك التغيير العنيف، وأن المطالبة بطرح شعار الثورة العنيفة في تحريض التيار الاشتراكي الماركسي لا أرضية له في تلك البلدان ولا آذان هنالك تسمعه لدى جماهير الغرب المتقدم. ومن ثم كان استبعاد التيار الاشتراكي (الأممية الثانية) له أقرب الى فهم ذلك الواقع الخاص المحدد، وذلك بالرغم من دوافعه الانتهازية، لو سلمنا مع لينين بأنهم: (( أنذال وانتهازيون وخانوا تعاليم ماركس بأكملها ))، فالبديل الذي يطرحه ماركس وانجلز ولينين، كما يشدد لينين، بديل غير واقعي أو غير مستجيب للوضع المحدد، أو بعبارة أخرى، إنه موضوعة نابعة من وهم غير علمي، أو من فرضية لا علاقة لها بالفهم الدقيق لواقع التناقضات داخل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، أي أن نقطة الخلل آتية أساساً من وهمية ولا علمية هذه المقولة الماركسية التي تشكل أساساً لتعاليم ماركس وانجلز.
طبعاً كان يمكن للينين أن يستشف بعمق حقيقة تلك المجتمعات وما يتحكم في تناقضاتها الطبقية من قوانين فلا يصل الى جعل التحريض بحتمية الثورة العنيفة شرطاً أولياً وأساسياً لدعايتها؛ لأنه تحريض سيذهب هباءً مادام ضربه على حديد بارد، ناهيك عما يمكن أن يؤدي إليه من عزلة أو من صدمات موجعة وربما قاصمة لحركة الطليعة. ومن ثم يمكن ادراك هذه المسألة لأنها حقيقة، بغض النظر عن الموقف من أولئك الاشتراكيين أو على حد تعبير لينين من ((انتهازية هؤلاء الماركسيين من اشتراكيي الأممية الثانية)). فكونهم أفادوا من هذه الحقيقة لتغذية انتهازية معينة أو خيانة تعاليم ماركس، كما يتهمهم لينين، فهذا ليس مدعاة لنكران الحقيقة بسبب رفض الانتهازية، فالحق الذي يراد به باطل لا يصبح باطلاً إذا حمله المنافقون، وإنما يظل حقاً فيسحب من يدي الباطل، وعندئذ ينجع تشديد النكير على الانتهازيين!!
مهما حاول الذين يلجأون لاختلاق الذرائع، من أجل إنقاذ وهمية الفكر الماركسي من منابعه الأولى في فهم الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، لا يستطيعون أن ينكروا أن الواقع التاريخي الملموس أثبت أن النظرة في أساسها قامت على تقدير خاطئ للوضع والتناقضات في تلك المجتمعات.
أما من الجهة الأخرى فإن طرح لينين آنف الذكر أصبح النظرية المعتمدة من قبل أحزاب الأممية الثالثة، وقد تعززت بأنتصار ثورة أكتوبر العنيفة في دولة روسيا المتخلفة التي لم تكن قد أنجزت بعد ثورتها البرجوازية الديمقراطية وفق التحديد الماركسي، فماذا كانت محصلة هذه النظرية في التطبيق العملي في البلدان الرأسمالية المتقدمة؟ لقد أثبت الواقع التاريخي مرة أخرى في تلك البلاد، وبعيداً عن انتهازية الاشتراكية الشوفينية والكاوتسكية، أنك تضرب على حديد بارد (الطبقة العاملة الأوربية والأمريكية) حين تدعو الى الثورة العنيفة في تلك المجتمعات لإقامة دولة البروليتاريا، أي أثبتت مقولات لينين تلك أن نتائجها تحت الصفر على أرض الواقع فيما يتعلق بمعالجتها للتناقض الطبقي بين الرأسمالية والبروليتارية في تلك البلدان.
وعندما جاء المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي كانت مقولات لينين، التي قامت الأممية الثالثة رسمياً على أساسها، قد بلغت درجة من الإنكشاف الى حد الفضيحة، مما جعل المؤتمر يستعيد مقولات الأممية الثانية (مقولات الإشتراكيين الكاوتسكيين الأنذال) حول الطريق السلمي للإشتراكية أو الطريق البرلماني، دون أن يمتلك الجرأة الأدبية لنقد مقولة لينين المذكورة، بل حاول التسلل الى الموضوع بقلب المسألة رأساً على عقب باستشهاد لرأي قاله ماركس حول إمكانية الانتقال السلمي في بلد مثل بريطانيا، وكان لينين قد ذكر هذا المثال ولكن كحالة إستثنائية في ظروف معينة في بلد محدد، أي القاعدة غير العامة، بينما كان الوجه الرئيس لموقف ماركس وانجلز، أو (( القاعدة العامة))، هو: الثورة العنيفة. فجاء المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي ليحول الثانوي ، الإستثناء الى قاعدة عامة في كل البلدان، الرأسمالية وبلدان العالم الثالث، أي : الانتقال السلمي والطريق البرلماني والتطور اللارأسمالي، ولتصبح الثورة العنيفة الإستثناء والاحتمال الضروري، أو الذي يترك للظروف. ولتغيب تماماً ((ضرورة تربية الجماهير، بصورة دائمة، بروح النظرة للثورة العنيفة)) (ص23).
والأنكى من هذا وذاك، هو أن تستعار كل العبارات التي قيلت بحق كاوتسكي والاشتراكية الشوفينية، يوم لم يقيموا سياساتهم على أساس تربية الجماهير بروح الثورة العنيفة، لتقذف بعد ذلك على رأس ماوتسي تونغ وتيار الثورة الثقافية في الصين حين رفضوا تبني نظرية التحول السلمي الى الإشتراكية ((كقاعدة عامة لنضال البروليتاريا))، وطالبوا باستمرار تبني مقولات ماركس وانجلز ولينين، وجعلوا من الفقرات الآنفة الذكر من كتاب ((الدولة والثورة)) مرجعهم الأساسي. وإذا بمن يتبنون مقولات لينين تلك يسمون باليساريين المنحرفين والمغامرين، خونة تعاليم ماركس وانجلز ولينين، بينما الموضوعات التي استندوا إليها من ماركس وانجلز ولينين لا ينبس حولها ببنت شفة.
ولكن، بماذا سيدافع الآن بعض الماركسيين أمام كل هذا؟ سنراهم يلجئون الى المنهج الزئبقي، فتارة سيقولون: لقد تغيرت الظروف فكان لابد من أن تتغير الموضوعات، أي بمعنى أن موضوعات لينين كانت صحيحة في إطار الظرف التاريخي الذي قيلت به، ومن ثم عندما يُصار الى تبني عكسها لا يكون في الأمر أي خلل نظري. ثم، هل حقاً من يقرأ تلك المقولات والأحكام التي جاء بها لينين يلحظ أنها قيلت لتجيب عن وضع ظرفي معين، أم أنها طرحت كقوانين تحدد سمات الثورة على النظام الرأسمالي وإقامة دكتاتورية البروليتاريا؟ هذا من جهة التحجج كل مرة ((بوضع سياسي محدد)) لتخبئة أخطاء نظرية لا علاقة لها بالمنهجية العلمية وإنما لها علاقة بمنهجية الدفاع عن النظرية، إنها عصبية الدفاع عن النظرية. ولكن حتى إذا قيلت ضمن ذلك الظرف التاريخي ويجب أن تعامل ضمن حدوده، فإنها ستواجه، في المقابل، النقد الصارم بسبب عدم إنطباقها أيضاً على ذلك الظرف التاريخي، من جهة أخرى. ولعل من المفيد، مرة أخرى، تذكر كلمات لينين ذاتها في هذا الصدد: (( إن الاستعاضة عن الدولة البرجوازية بدولة بروليتارية لا تمكن بدون ثورة عنيفة )). إنه تقرير يقدم نفسه كقانون موضوعي لا كتقدير لحالة مرتبطة بظرف سياسي معين وميزان قوى محدد.
أما الحجة الأخرى، التي يلجأ إليها البعض، فمستندة الى تسويغات لها علاقة بتطورات سياسية واقتصادية راهنة حدثت في ظرف عالمي، كأن يقال: لم يعد من الممكن تحقيق الثورة العنيفة بأوربا بسبب إنتقال الرأسمالية من الرأسمالية الحرة الى الرأسمالية الاحتكارية، أي الى الامبريالية. ولكن ينسى هؤلاء هنا أن كتاب لينين كتب بالضبط في الظروف التي قامت فيها اللينينية لتكون ماركسية المرحلة الامبريالية. ومن ثم تكون هذه الحجة غير مقنعة أيضاً، لأن صاحب نظرية الانتقال من الرأسمالية الحرة الى الرأسمالية الاحتكارية هو الذي أعاد الحياة الى كل مقولات ماركس وانجلز تلك كما لاحظنا.

ينبغي ألا يفهم من هذا النقد أن هناك محاولة لتغليب موضوعة على موضوعة في هذا التقلب النظري، وإنما المقصود هنا إظهار هشاشة الفكر الماركسي في معالجته لقوانين الثورة في النظام الرأسمالي المتقدم. وهذه الهشاشة لا تنطبق على ماركس وانجلز ولينين حين وضعوا الثورة العنيفة في جوهر النظرية فحسب، وإنما تنطبق، أيضاً، وبالقدر نفسه على الذين وضعوا أطروحة التحول السلمي نحو الاشتراكية في جوهر نظرية الثورة. فالمشكل هنا أبعد من مثل هذا الجوهر أو ذاك، وإنما المنطلقات النظرية من أساسها يشوبها خلل خطير، أي إبتداءً بتحليل نشوء النظام الرأسمالي وطبيعة تناقضاته، مروراً بفهم طبيعة التناقضات العالمية في ظل السيطرة الرأسمالية العالمية، وإنتهاءً بمختلف موضوعات ((الاشتراكية العلمية)) نفسها. ولهذا كانت الأغصان والثمرات التي تتغذى من تلك الجذور تخرج في حالة هشاشة أي في حالة أخطاء مستمرة في مواجهتها للواقع ولقوانين الحياة والمجتمعات، ولمعالجة مسائل الثورة وغيرها من المسائل.

تهافت فرضية الطبقة العاملة
من الضروري في هذا الصدد البدء بملاحظة خلل النظرية الماركسية في طرحها الأساسي لموضوعة البروليتارية مقابل الرأسمالية، بإعتبار ذلك هو التناقض الأساسي في الثورة العالمية وعلى مستوى المجتمعات الرأسمالية، بينما هو تناقض في مرتبة ثانوية كما أثبتت وقائع التاريخ المعاصر، حيث طغى عليه بإستمرار التناقضات بين الأمم الرأسمالية الغربية، أو بين هذه وشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. فالذي يجب مناقشته لاحقاً هو خطأ اعتبار الثورة البروليتارية هي الحالة التي ستخرج من رحم النظام الرأسمالي، فقد أثبت الواقع أن البروليتارية كطبقة ليست في هذا الوارد، موضوعياً وذاتياً، و لا توجد حتى الآن، على الأقل، دلائل لقيام دولة بروليتارية بمعنى: دولة تحكمها الطبقة العاملة فعلاً؛ فالنظام الرأسمالي لم يخرج من أحشائه غير ألوان من الدولة الرأسمالية بإعتبارها البديل لهذه الحالة الرأسمالية أو تلك وليست الطبقة البروليتارية هي البديل، فهذه الدولة: إما الفاشية والنازية وإما الدولة البيروقراطية الاحتكارية، وهذه كلها اشكال من اشكال الدولة الرأسمالية. والطبقة العاملة كطبقة هي مغيّبة في تلك الدولة أكثر منها في النظام الرأسمالي نفسه، فالبديل هو فئات من المثقفين وخليط من أذكياء العمال الذين يتحولون الى مثقفين يؤسسون أنفسهم في حزب ماركسي-لينيني، ثم يتمكنون من الاستيلاء على السلطة من خلال ثورة مسلحة أو إنقلاب عسكري أو إجتياح عسكري من الخارج (أو حتى من خلال البرلمان والطريق السلمي)، فيعيدون تأسيس أنفسهم في الدولة ليقيموا نظام الدولة الاشتراكية، أي الدولة البديل للرأسماليين في استغلال المجتمع ونهبه بما فيه الطبقة البروليتارية كطبقة. هذه هي ((المرحلة)) التي خرجت من رحم النظام الرأسمالي، وقد بقى حل التناقضات في النظام الرأسمالي يدور في ملعب الفكر الليبرالي والاشتراكي الديمقراطي والماركسي، والآن العولمي.
لذلك، إن فرضية الطبقة العاملة التي طرحها ماركس وانجلز ولينين مجرد فرضية لا أساس لها من واقع فعلي وسائد،لا في الماضي في زمنهم ولا في الحاضر، ولا بوادر لذلك في المستقبل المنظور؛ لأنهم لم يلحظوا أن هذه الطبقة ولدت في إطار السيطرة الرأسمالية العالمية وشاركت فيها، وهذه مسألة لم تحظ بالدرس الذي تستحقه لا من قبل الماركسيين ولا من قبل غيرهم، أعني أشكال الشراكة والمشاركة، ومنذ البداية، لم تدرس جيداً.
إن فرضية البروليتاريا المضادة للرأسمالية، أو حافرة قبر الرأسمالية، تصلح لتتحرك فئات من المثقفين وبعض العمال الطموحين للاستيلاء على الدولة من خلالها أو بإسمها، ثم تشيد نفسها طبقة حاكمة ومالكة لوسائل الانتاج وقادرة على التمتع بكل ما يتمتع به الرأسماليون، مع قدرة أكبر على قمع التناقضات الداخلية، أو بكلمة أخرى، قمع العمال والفلاحين والمثقفين المعارضين، ناهيك عن البرجوازيين القدامى الذين انتهى أمرهم منذ زمن!! إنها فرضية لم تمش على الأرض؛ فالعمال كطبقة كما هم في الواقع العملي، سواء أكانوا في البدان الرأسمالية أم الاشتراكية، لا علاقة لهم بما خلعت عليهم الماركسية من أوصاف، ولا يمارسون كما إفترضت النظرية، ولا يستمعون الى كل ما نفحته الماركسية من تحريض في آذانهم لكي يصبحوا كما تفترض، أو لكي يقبلوا شعاراتها، فالمحرضون الطليعيون في واد والطبقة في واد آخر، فالماركسية كانت دائماً متغربة عن العمال، فلم يلتقيا أو تخف هذه الغربة إلا في حالات استثانئية كان العمال يتحركون فيها ضمن إطار تحرك الأمة العام، مثل حالات الدفاع عن الوطن أو مواجهة هزيمة عسكرية، ولكن ما أن ينتهي ذلك الظرف حتى تعود لغة الخطاب الماركسية في واد والطبقة العاملة في واد آخر.
وعندما استطاعت بعض الاحزاب (إثنين لا أكثر) في البلدان الرأسمالية أن تكسب جزءاً من تأييد طبقة العمال فكان ذلك نتيجة مرحلة سابقة من نضال وطني عام، كما حدث مع الحزبين الشيوعيين الفرنسي والايطالي أثر المقاومة المسلحة ضد الفاشية والنازية. ولكن، في جميع الأحوال، كان التأييد جزئياً ولم يصل الى النصف أو الثلث. وكان من سمة أغلبية من ينخرط في الأحزاب من أفراد الطبقة العاملة أن يتحولوا الى كوادر سياسية مثقفة تنسلخ في نهاية المطاف عن طبقتها. ولهذا، لا عجب حين تجد أفكار الماركسية رواجاً بين فئات من الموظفين، أو المثقفين المتطلعين الى السلطة، أو الفئات العليا من العمال، أو أنصاف المثقفين والمتعلمين في المدينة والريف، أكثر مما تجده في الطبقة العاملة في وجودها الواقعي.
لقد دأبت تفسيرات كثير من الماركسيين لهذه الظاهرة، ظاهرة العزلة عن الطبقة العاملة، على إعادتها الى امتلاك الرأسمالية لأجهزة الاعلام والدولة ووسائل غسل الدماغ، اي إعادتها الى أسباب عرضية (عرضية بالقياس الى ما اعتبر قانون موضوعي) لا الى جوهر المشكلة الكامن في النظرية نفسها، في الخلل الذي يعتور المقولة من أساسها، حين وضعت الطبقة العاملة كطبقة في موضع قيادة الثورة وفي موضع تحديد سمات المرحلة التالية أو المرحلة ((الأرقى)) أو البديل للنظام الرأسمالي. كما راحت تخلع عليها أوصافاً، وترشحها للعب أدوار أثبتت كل الوقائع أنها غير مؤهلة لها بسبب وضعها الطبقي الواقعي لا المفترض من قبل ماركس.
ثم كان لابد من أن ينتهي أمر تلك التفسيرات التبسيطية والسطحية عندما جاءت وقائع تاريخية ملموسة، ازدادت فيها عزلة الحزب الماركسي عن الطبقة العاملة بعد تسلمه للسلطة وامتلاكه كل تلك الوسائل والاجهزة، التي اعتبرت سبباً في غسل دماغ الطبقة العاملة من قبل الرأسماليين. لقد راحت تلك العزلة تزداد مع مرور الزمن، وراحت تزداد بالنسبة الى الجيل الصاعد من الطبقة العاملة الذي ولد وترعرع في أحضان ما سمي بدولة البروليتاريا. بعبارة أوضح، ثمة فصام واضح بين النظرية وما تقوله عن الطبقة العاملة والثورة البروليتارية والدولة البروليتارية من جهة، والواقع العياني من جهة أخرى، ليس في مكان وظرف محدّدين فحسب، وإنما أيضاً عموماً وكقاعدة عامة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أدّت تجربة ((دولة البروليتاريا)) الى تشكل فئات من المثقفين والعسكريين والسياسيين، المنخرطين في أجهزة الحزب أو أجهزة الدولة، يقيمون نظامهم الخاص بهم بعيداً عن الطبقة العاملة وضدها، ولكن تحت مظلة الادعاء، أو بالاستناد الى التعريف النظري بأنهم يحكمون بإسم الطبقة العاملة وبالنيابة عنها، إنها وصاية عن قاصر تستمر أجيالاً وراء أجيال دون أن يبلغ ذلك القاصر رشده.
على أن ثمة عدد آخر من الموضوعات يطرحها لينين في هذه السمة استناداً الى الاقتباس الآنف ذكره عن انجلز، إما تمهيداً لموضوعة الثورة العنيفة، وإما توضيحاً لموضوعة ((اضمحلال)) الدولة. وبعضها يجب التوقف عنده وتذكره لأنه يشكل جذراً في الخلل النظري الماركسي. ينقل لينين عن انجلز قوله: (( تأخذ البروليتاريا سلطة الدولة، وتحول وسائل الانتاج قبل كل شيء الى ملك للدولة، ولكنها بذلك تقضي على نفسها بوصفها بروليتاريا، تقضي على كل الفوارق الطبقية وجميع المتضادات الطبقية، وعلى الدولة في الوقت نفسه بوصفها دولة )).
يلاحظ هنا أن استيلاء البروليتاريا على سلطة الدولة طرح باعتباره عملية مباشرة تقوم بها البروليتاريا، لا من خلال من ينوب عنها. إنها عملية مباشرة بلا وصاية وبلا انتداب ولا نيابة، وهذا ما لا علاقة له بما حدث في الواقع، حيث جرت العملية عبر الحزب الطليعي لا مباشرة. ثم إن عدم رؤية الفارق الأساسي بين الاستيلاء على الدولة من خلال الطبقة مباشرة، أي الطبقة في ذاتها من جهة، والاستيلاء بالفرضية من خلال الإنابة، والتي لم تعطها الطبقة العاملة لأحد أصلاً، إن عدم رؤية ذلك ولّد خللاً خطيراً في التطبيق العملي كما في النظرية نفسها؛ لأن كل ما سيبنيه انجلز ولينين من فرضيات أو نظريات فيما بعد على فرضية (( استيلاء البروليتاريا على سلطة الدولة )) سيصبح باطلاً ما دام هنالك واقع جديد تشكل على غير مثال هذه الفرضية، واقع يتمثل بوجود فئة من المثقفين والموظفين والعسكريين وبعض العمال الحزبيين الذين انسلخوا عن ((الطبقة))، قد استولوا على الدولة وحكموا باسم البروليتاريا وبالنيابة عنها، بينما الطبقة العاملة بقيت في ذاتها خارج الدولة والحزب تقوم بالعمل المأجور، أما القرار في العملية الانتاجية، وفي السياسة، وفي التخطيط، فهو بيد تلك الفئة الممتازة. إن عدم مواجهة هذا الواقع الجديد وما يترتب عليه من تناقضات ومترتبات وحالات، واعتباره حالة أخرى أو اعتباره كما تفترض النظرية: (( البروليتاريا تحكم )) أو (( البروليتاريا هي الدولة والدولة هي البروليتاريا ))، سوف يؤدي الى تغطية كل ما يمكن أن تفعله الفئات الحاكمة الجديدة، والتي أصبحت تملك وسائل الانتاج من خلال امتلاكها لسلطة الدولة التي قررت النظرية، كما طرحها ماركس وانجلز ولينين، أن تملك وسائل الانتاج: (( تأخذ البروليتاريا سلطة الدولة وتحول وسائل الانتاج )).
ثم يتابع انجلز سلسلة نتائج تترتب على هذه الفرضية الخطأ منذ الانطلاق فيقول: (( ولكنها تقضي بذلك على نفسها بوصفها بروليتاريا، وتقضي بذلك على كل الفوارق الطبقية وجميع المتضادات الطبقية، وعلى الدولة في الوقت نفسه بوصفها دولة )). ولماذا لايكون الأمر كذلك ما دام المنتجون هم الدولة والدولة هي مالكة وسائل الانتاج؟ ولكن، ماذا يحدث إن بقي المنتجون في مواقعهم السابقة في العملية الانتاجية وحل مكان موظفي الدولة ومكان الرأسماليين السابقين فئات جديدة، وجاء أفراد من الطبقات الوسطى أو الأدنى على حد التعبير الماركسي، جاء (( البرجوازيون الصغار )) الذين كانوا مبعدين عن فتات موائد الرأسماليين والدولة البائدة، وأصبحوا الآن يملكون الدولة ووسائل الانتاج، ويملكون القرار السياسي بينما تعتصرهم الشهوة الى السلطة ويمتلكهم الجوع الى الجاه والرفاه؟ ماذا يحدث عندما يتحقق ذلك على الأرض بينما الوعي أو النظرية والفرضية في وادٍ آخر، أي الوادي الذي يفترض البروليتاريا في الحكم؟
أما ما هو أنكى فواقع على البروليتاريا نفسها، وذلك حين تصبح البروليتاريا الواقعية في وضع أشد سوءاً مما كانت عليه في الحالة السابقة، والتي كانت معترفاً لها فيها، على الأقل، بوجود واقعي خارج الدولة وملكية وسائل الانتاج، ولها حق الاحتجاج والإضراب والسعي لتحسين أوضاعها المعيشية. أما الآن فهذا الاعتراف قضي عليه ليصبح كل صوت يخرج منها باعتبارها طبقة في ذاتها هو صوت ضد البروليتاريا، أي ضد نفسها، فكيف يمكنها أن تحتج على سلطة الدولة البروليتارية، التي تتحكم بالأجهزة وموازنة الدولة وسائر القرارات، بينما هي نفسها،أي البروليتاريا، هي تلك السلطة وفق التعريف؟!
هذا من الناحية العملية، أما من الناحية النظرية فكان على النظرية أن تنطلق من فرضيتها في رؤية واقع لا علاقة له بنظريتها، مما يعني أن على الواقع الخضوع لها. وإذ تبين خلل ما، فالمشكل في الناس وفي الواقع لا في النظرية، وبهذا تبقى نظرية علمية لا تخضع للواقع، وكيف تخضع له وتنقض نفسها إذا كانت بعيدة عنه بعد الوهم؟!
هذا هو الفصام الذي حملته النظرية الماركسية، منذ اليوم الأول، حين افترضت نمطاً لا علاقة له بواقع الطبقة العاملة ولا بواقع التناقضات لا في النظام الرأسمالي ولا في الدولة المسماة بدولة البروليتاريا، بل كيف يمكن أن يجري تقويم لدولة ستالين ما دامت النظرية تعتبر الدولة هي هيئة أركان الطبقة المالكة (الطبقة الإقتصادية الأقوى والمُسيطِرة) أو هي أداتها أو ممثلها؟ ومن ثم لا يمكن أن تكون دولة ستالين غير دولة البروليتاريا، وإلا ستكون دولة الرأسماليين أو دولة البرجوازية الصغيرة. ولكن هذه الطبقات انتهت أو في طريق الاضمحلال، فالرأسماليون تمت تصفيتهم، وكذلك النبلاء وكبار ملاك الأرض. أما البرجوازية فإصطلاح فضفاض لا يمثل طبقة اقتصادية محددة تملك وسائل الانتاج.
ومن هنا نلحظ أن التعريف الأساسي للدولة لم يسمح برؤية حالات الدول التي تنتصب فوق المجتمع والطبقات الاجتماعية، وتصبح هي ((الطبقة)) السائدة المالكة والحاكمة في آن واحد… ولكن هذه الحالة تحرج النظرية الماركسية حول الدولة إذا عدنا واستعدنا التعريف الماركسي في بداية هذا الفصل.
وهكذا، تكون ظاهرة ستالين لم تفعل غير أنها طبقت عملية إخضاع الواقع للنظرية، حين اعتبر ستالين وحزبه ودولته أنه هو البروليتاريا والبروليتاريا هو، ومن ثم تكون الفوارق الطبقية قد قضي عليها أو هي في طريق الزوال الآن، وما تبقى فبقايا برجوازية أو عملاء برجوازية صغيرة… وينبغي له القضاء على ((جميع المتضادات الطبقية))، أي: سحق كل ما هو خارج الحزب، خارج الدولة، سحقاً.
وهكذا أيضاً، كانت النظرية في أساسها، عند ماركس وانجلز ولينين، هي المسؤولة عن ظاهرة ستالين وغيرها من الظواهر المشابهة، ومن دون أي تبرير لما أرتكب من جرائم وأخطاء.
وإذا كان هنالك من يريد أن ينقد ستالين فيجب أن يبدأ بكتاب ((الدولة والثورة)) وما لعبته موضوعاته من أدوار مباشرة وغير مباشرة أو ما قامت بطمسه واخفائه تحت فرضيات نظرية مستعارة من ماركس وانجلز حالت دون رؤية الواقع الملموس، أي تحديد السمات التي تنطبق على حقيقة البروليتاريا والحزب والدولة وسائر الطبقات والفئات كما هم في الواقع نفسه وكما يمشون على الارض لا كما هم بفرضية: (( الطبقة العاملة هي الطليعة، وهي القائد، وهي التي تحكم مباشرة ))، بينما في الواقع لا هي الطليعة، ولا هي القائد، ولا هي التي تحكم. والحزب هو طليعة البروليتاريا وهيئة أركانها تعريفاً أو وفقاً للنظرية، بينما هو كتلة من فئات من المثقفين والمحترفين السياسيين، كتلة سرعان ما تحولت الى حزباً لذاته لا حزب طبقة أو حزباً للطبقة. و ((الدولة بيد البروليتاريا)) و البروليتاريا لا تملك حق الكلام ولا تملك أن تكون إلا عاملة بالأجرة في تشغيل وسائل الانتاج. ووسائل الانتاج بالفرضية ملك المنتجين أو ملك الدولة التي يسيطر عليها المنتجون مباشرة، نظرياً بالطبع، بينما هي يحكمها الحزب والبيروقراطيون.

Advertisements