الفكر المطروح استنفذ نفسه- هل تصبح هذه المهمة الملحة منطلقاَ للتحول والتحديث؟!
عندما إنضم ابناء جيلي ، لمعسكر الفكر الماركسي.المتمثل اساساً بأحزابه الشيوعية، كنا نتفجر بالطاقات الفكرية والنضاليه، والثقه التي لا تتزعزع بصحة نهجنا ، وبأننا قادرون ، رغم ضعفنا الواضح في مناطق ما من العالم، على تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً ، بالانتصار على الاعداء الطبقيين ، والانضمام الى العالم الحضاري المتنور ، عالم العدالة الاجتماعية والحريه البعيد عن الاستغلال . الا وهو العالم الاشتراكي ، وكنا مؤمنين بنهجنا ، متعصبين له بشكل مطلق ولكن اتضح فيما بعد ان ما كان يبدو قريب التحقيق ، اصبح مستحيلاً ، وأقرب الى معجزات السيد المسيح وكنا قد تجاوزنا جيل الحماسة والاندفاع ، وبدأنا ننظر للقضايا الفكرية والاجتماعية ، بواقعية ومنطق مختلفين عن أساليب التلقين الحزبية التي واصلت،(والمرعب انها لم تتغير حتى اليوم) التمسك بنفس النهج والتصرف وكأن ما جرى في النظرية والتطبيق مجرد خطأ مطبعي ، سيجري تجاوزه ، وتعود الثوابت الايمانيه الى مكانها الطبيعي ، فالحديث ليس عن نظرية ، أو فلسفة تتعارك مع الواقع الفكري والاجتماعي ، انما عن دين له كهنته وبطاركته ونصوصه المقدسة بل وله حرمته الدينيه ، وكأن المعسكر الاشتراكي لم ينته ، ونموذجه الاشتراكي هو النموذج الوحيد القادر على انقاذ البشريه … رغم ما تبين من فساد بعد الانهيار المدوي ، ومن انحرافات ، وتجاوزات للفكر العظيم لمؤسس الماركسيه-كارل ماركس ، وقزمت فلسفته ، وحولتها الى ستالينيه ضيقه الافق ، مارست أبشع اشكال القهر والاستبداد ضد شعوب الإتحاد السوفياتي والمجموعة الخاضعة لها في اوروبا الشرقية.
ما زلت ارى في الحركة الشيوعية ، رغم كل الكوارث ، الحركة المؤهلة (فكرياً على الاقل ) لإنقاذ العالم من العولمة المتوحشة للرأسمالية.غير أن هذا الأمر يحتاج الى شروط متعددة ، لا أرى ان الاحزاب الشيوعية جاهزة لها، خاصة في العالم العربي ، حيث نشهد غياب الدور الرائد للأحزاب الشيوعية، وتحولها الى تنظيمات للثرثرة والتخبط الفكري ، عاجزة عن النهوض بمهامها النضالية .
إن عدم قدرة الأحزاب الشيوعية الفكرية ، وعدم رغبتها ، وربما خوفها ، من اعادة تقييم المرحلة التاريخية لتجربتها ، بدءاَ من أول تنظيم شيوعي عرفه التاريخ ، في أواسط القرن التاسع عشر ، على يد أباء الفلسفة الماركسية –ماركس وانجلز … ووصولا لثورة أكتوبر وتجربتها التاريخية وإنهيار هذه التجربة ، هو من دلائل مواصلة الانهيار في البنى التنظيمية للأحزاب الشيوعية ، وفقدانها لطليعتها الفكرية ، واحيانا التنظيمية في مجتمعاتها.
إن تجاهل نقد التجربة الذاتيه، ونقد التجربة الاشتراكيه ، سيبقى هذه الاحزاب عاجزة عن إعادة تكوين نفسها وفكرها ونضالها من جديد ، والأهم عجزها عن صياغة مشروعها الاشتراكي الجديد ، في ظروف عصر العولمة المتوحشة .
لا شك أن النظام السوفياتي ، عبر مؤسساته الداخليه والدولية ، استطاع ان يفرض على الحركة الشيوعية العالمية مواقف غير قابلة للنقاش ، لا تتماشى أحيانا مع الواقع الاجتماعي والتاريخي والسياسي للعديد من البلدان ، وخاصة في الشرق العربي ، ويبدو واضحا ان فقدان الاحزاب الشيوعية العربية لمكانتها السياسية الطليعية كانت نتيجة تلقائيه للفرض الفكري والسياسي السوفييتي.
كم هو مثير للإستهجان اليوم ، التمسك بالصيغة القديمة لمفهوم الطبقة العاملة ، وكأننا ما زلنا نعيش في عصر الثورة الصناعية الاوروبية في أواسط القرن التاسع عشر ..بل وما زلنا نتحدث عن البروليتاريا ، دون وعي منا ، بأن البروليتاريا ظاهرة اوروبية لم تتكرر في أي بقعة أخرى من العالم… ولم تنشأ هذه الظاهرة في دولة احتلت مقدمة دول العالم في التطور الصناعي مثل الولايات المتحدة ، فكيف الحال بالشرق . الذي لم يعرف حتى التطور الصناعي… وما تزال بعض دوله تعيش في ظروف سياسية واجتماعية وفكرية شبيهة بعصر القرون الوسطى الأوروبية… وربما اسوأ.
طرأت على بنية الطبقة العاملة تغييرات عميقة ، ألغت كل الفكرة السابقة عن طبقية المجتمع ، لست الأن في مجال الخوض في هذا النقاش ، ولكني على استعداد للعودة له ، إنما أريد أن احدد بعض الأمور الأساسية ، فيما أظنه ضرورة لإحياء التنظيمات الماركسية ، وعلى رأسها اعادة صياغة المشروع الاشتراكي لهذة الأحزاب في الظروف التاريخية الجديدة . هذا يفترض ان تتخلص الأحزاب الشيوعية في اسرائيل والعالم العربي ، من فكرها الديني ، أو سلفيتها الشيوعية ،وأن تخرج من انعزاليتها الفكرية ومن العصبية الحزبية التي تميز كوادرها القديمة … وان تقوم بمهامها الفكرية والاجتماعية الجديدة ، بالتصدي الفكري للموجة التي اخرجت الدين من روحه الانسانيه العامة ، وحولته الى جهاز كهنوتي استبدادي .
أن التصدي لأنظمة الفساد العربية بات مهمة لا تقبل التأجيل للأحزاب الشيوعية في الشرق ، وهذا يفترض صياغة فهم واضح بأن مهمة التغير في العالم العربي لم تعد مهمة طبقية واصلا لم تكن مهمة طبقية ، انما مهمة كل المجتمع بكل فئاته واتجاهاته الفكرية .
لا بد من الإعتراف اولاً بالفشل على الصعيد الداخلي وبفشل التجربة الاشتراكية العالمية التي نشطت الأحزاب الشيوعية في ظلها . إن التهرب من عدم مواجهة الحقيقة هو أشبه بدفن النعامة لرأسها في الرمال حتى لا ترى ما لا يسرها .
لا شك لدي أن للأحزاب الشيوعية ، إذا نجحت في نقد تجربتها الخاصة والتجربة العامة ، امامها مهمات بالغة الاهمية ، على الصعيد الاجتماعي والسياسي الداخلي والدولي .
وعلى رأس هذه المهمات طرح فكرة الدولة الديمقراطيه ، دولة صيانة حقوق الأنسان وحماية حقوق المواطن ، ولا ضرورة لأضيف ان ما أعنيه بالانسان هو الرجل والمرأة بنفس الوقت وبنفس المستوى من الحقوق والواجبات .
لا أعني ان كل التجربة سلبية بل هناك انجازات عظيمة في مجالات ومستويات مختلفة ، خاصة الدور الذي قام به جيل الطلائعيين ، وجرأتهم في طرح الأفكار الثورية والنشاط الخلاق ، وقدرتهم على التثقيف الفكري للكوادر ولأوساط اجتماعية واسعة . اليوم ننظر الى التنظيمات الشيوعية كيف تتحول الى تنظيمات مجردة من الفكر الطلائعي ، تفتقر لأهم ما ميز الطلائعين ، القدرة على الإبداع ، القدرة على التثقيف ، والقدرة على تجنيد الجماهير وكسب ثقتها .
هل حقاً لم يهز فشل التجربة واقع الاحزاب الشيوعية ، بما فيها الحزب الشيوعي في اسرائيل؟…
هل من الطبيعي ان لا تجري محاولات لإعادة صياغة فكرية برؤية جديدة ، وبالتخلص من شوائب الماضي ؟! هل بلغ التحجر في هذه الأحزاب ، لدرجة يبدو أنها لم تستوعب التحولات التي عصفت بعالمنا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي وحتى اليوم؟!ألا يشير مواصلة الانغلاق في هذه الأحزاب الى عمق أزمتها الفكرية والتنظيميه ؟! هل يظنون ان النجاح في المحافظه على تمثيل برلماني ( في اسرائيل مثلا ) يعني “انتصاراً عظيما” متجاهلين ان مواصلة التصويت يعتبر اخلاقاً تاريخية ترسخت بنشاط الطليعة الشيوعية ، وأن لا يتوهموا بأن هذا الميراث دائم حتى لو ظلوا متحجرين؟!
مالي لا أرى فكرهم الجدلي في التطبيق ؟!مالي لا ارى أي خطوة نحو التحدث وتنشيط الدورة الدموية ، بدماء جديدة ، وطرح طرق للخروج من هذا الواقع ، الى انطلاقه جديدة ، لا تكرر ما صار مملاً وغير قابل للتنفيذ ، انما تطرح رؤيا ورؤية واقعية للتحديث الفكري والتنظيمي ، وصياغة خطاب تشكل فيه الحرية والديمقراطيه والتعددية الثقافية والاثنية ومباديء العدالة الاجتماعية الابعاد الأساسية.
لا أظن (مع الأسف) أن ما طرحته سيقبل لدى القيادات المتنفذة ، واقول هذا بناء على تجربتي مع الحزب الذي تشكلت شخصيتي الثقافية والفكرية والسياسية والأخلاقية داخل صفوفه ، وتؤلمني الحالة التي تسود صفوفه اليوم ، وما يثلج صدري ان ما اكتبه من نقد حاد جدا احيانا حول ظواهر مستهجنة عديدة تتعلق بالممارسات والطروحات الفكرية والاعلام الحزبي تجد آذانا صاغية لدى اوساط واسعة من رفاقي السابقين ورفاقي في الهم دائما ، رغم ان بعض القيادات ترد بعصبية وتشنج ودون فهم لمصداقية منطلقاتي .. وانها موضوع لفتح الحوار نحو احداث انطلاقة قد تساهم ،بقدر ما ، مهما بدى صغيرا ، الا انه ضروريا لاعادة الزخم لهذه الحركة التاريخية ولدورها الذي لم ينجح اي تنظيم في سد الفراغ الناشيء من تضعضع اوضاعها . الحوار لن يخسر منه الا الذين حولوا التنظيم لمؤسسة تخدم تطلعاتهم الشخصية في عصر تختلط فيه كل الاوراق . لست متفائلا من مستقبل هذه التنظيمات وما اطرحه هو من باب قناعتي بوجود طريق أخرى غير الطريق المأزوم والمتشنج السائد اليوم ، وبوجود نهج يمكن ان يعود بالمكاسب على الجماهير العربية ، للأسف الشديد، لا أرى ما أظنه صحيحا وقابلا للتنفيذ ، يملك فرصة ما لدى اصحاب المناصب الحزبية المنتفعين من مناصبهم ، وبالاخص في الوضع الشيوعي المحلي ( داخل اسرائيل ). واتوقع ان الوضع ليس افضل في الاحزاب الشيوعية العربية ، إن بقاء الفكر الشيوعي السلفي سيجعل من الصعب مجرد التصور بقدرة الأحزاب الشيوعية على الاضطلاع بدورها السياسي والاجتماعي والتثقيفي .
مجتمعنا يزداد تخلفاً … وخاصة في الجبهة الفكرية ، شللنا السياسي والإبداعي يتعمق ، الانفصام بين القول والفعل يتسع . الشخصانية تتبوأ الطليعة واصبحت هي المعيار ، الشعار القومي الزائف بات نقيضا للحلم القومي وللحلم الاجتماعي وللمنطق السياسي وللمنطق الانساني البسيط.
في هذه المرحلة لا أرى قوة سياسية قادرة على احداث التحول إلا بالتنظيم الشيوعي …ومع الأسف هذه القدرة هي نظرية فقط ، وتفتقد للكوادر القيادية القادرة على جعلها نظرية عملية .. ومع ذلك لعل وعسى!!

Advertisements