كلمة د. سناء أبو شقرا في تقديم المتحدثين
في ليل الأزمات ينحت كريم مروة مسارب للأمل وكوى” للحلم. انها لقدرة مذهلة على التفاؤل، يدفعها اجتهاد لا يتعب، وهمة شابة، مجنحة تتوسل حدود المعجزة – أقول المعجزة لأنني لا اؤمن بحدود للوهم .
لم يفارق مشروع تجديد اليسار، فكرا” وممارسة وتنظيما”، عقل كريم منذ كان أحد قادة هذا اليسار البارزين. كتب، وناضل، وثابر، محاولا” تقصي أسباب الفشل في مواجهة التحديات الجديدة دائما”. وها هو اليوم يضيىء، مع شمعة الثمانين، نجمة جديدة يضيفها الى كوكبة أعماله الفكرية.
لن أناقش في هذا التقديم السريع مضمون الكتاب وقضاياه. سيكون نقاش، ونأمل أن يساهم فيه كثيرون. هنا أكتفي فقط باشارتين:
الأولى هي أن تجديد اليسار أو بناء يسار جديد هما، بالنسبة لكريم، تعبيران عن معنى واحد في نهاية المطاف، حتى لو كان التعبير موضع جدل، وحتى لو كان الاختلاف يذهب أبعد من اللغة الأبجدية الى لغة الترميز الواسع. هو لا يحب أن يقطع بل ان يتجاوز، بالمعنى الجدلي الايجابي لفكرة التجاوز. ثم هناك امتلاء الذاكرة، وهناك الحنين الانساني، وهناك الأهم: التواضع. فتوليد الجديد أبوة تحمل تعسفا وادعاء بعيدين تماما” عن بنية كريم النفسية والذهنية. همه أن يحفز اليسار، قائما” أو آتيا” من الغد، لأن يكتشف في نفسه عناصر الحياة، والقدرة على ابداع نماذج اجتماعية وفكرية تستجيب لضرورات المواجهة في المرحلة الراهنة من تطور العالم والرأسمالية.
الثانية اشارة من بنية البحث: عندما يثقل المؤلف كتابه بنصوص مختارة من كلاسيكيات الفكر الماركسي – وهي بالمناسبة نصوص جميلة وحاضرة – فليس لأنه يقترحها مرجعية جديدة لمنظومة ايديولوجية ليسار ما، بل للتمثل بكون ماركس تعامل مع فكره – ودعا الآخرين لأن يفعلوا – ككتابة مفتوحة على الاحتمالات، ونقد مستمر من الفكر للفكر نفسه، حين يمتحن ذاته في تجارب الحياة.
أجمل وأرقى الأفكار لا تعدو كونها تأطيرا” باهتا” للحظات عابرة من الانساني، الحي، الباحث أبدا” عن العدالة والحرية في دروب التاريخ والمستقبل.
محاولات اصلاح كثيرة فشلت عبر التاريخ، لكنها تركت، كلها، معالم وبصمات. واذا كانت محاولات القرن العشرين التي أعلنت نفسها اشتراكية، قد قصرت عن أهدافها المعلنة، الا أن بصماتها على التاريخ كانت اكثر عمقا” وتأثيرا”، لأن منظومات القيم اكتسبت هذه المرة قدرة أعلى على التحقق عبر التصاقها المباشر والواعي بالصراع الاجتماعي،من جهة، وبارادة الناس في تقرير مصائرهم من جهة ثانية، بعيدا” عن اية قوى متعالية عن المجتمع، غامضة الأهداف، أو مجهولة الدوافع. مع ماركس الصراع بات مكشوفا” والتاريخ شفافا”.
ذلك هو كريم في كتابه الجديد. حامل القيم عينها التي تخاطب عقل ونضال الملايين من البشر للخروج من غابة الاستغلال، والتخلف، والجشع ، وشهوات السلطة الى مجتمع جدير باسم الانسانية

كلمة كريم مروة
اليسار في عالمنا العربي وفي العالم يعاني من أزمة، أزمة عميقة بالتأكيد. هذا أمر لا جدال فيه. لكن الأزمة في هذه المسألة بالذات لا تلغي الضرورة. وأنا من المؤمنين بأن اليسار اليوم، وغداً، وفي أزمنة قادمة، هو حاجة موضوعية لبلداننا ولجميع بلدان العالم. وفي يقيني، استناداً إلى تجربتي الطويلة في العمل السياسي باسم اليسار في صيغته الإشتراكية، وفي ضوء ما تقدمه لنا وقائع العصر حتى قبل الأزمة المالية الحالية للرأسمال امعولم، هو أن العالم المعاصر المليء بالفوضى وبالتناقضات، والحافل، على وجه الخصوص، بكل أنواع القهر والظلم والإستبداد والظلام والظلامية، الموجهة جميعها ضد الإنسان الفرد وضد الإنسان الجماعة، هذا العالم لا يمكن أن تستقيم فيه الحياة من دون دور كبير وفعال لليسار. لكن اليسار الذي أدعو إلى النهوض به هو يسار جديد، يسار ينتمي واقعياً إلى العصر وإلى تحولاته في الإيجابي منها وفي السلبي. وهو يسار يفترض به أن يمتلك القدرة على مراجعة تاريخ حركة اليسار القديمة بنماذجها المختلفة، ليعرف الخلل فيها الذي أدى إلى انهيار تجربتها ووقوعها في أزمتها العميقة الراهنة. لكن للمراجعة وظيفة أساسية يتمثل القسم الأول منها برؤية الإيجابي والصحيح في التجربة فكراً ومشروعاً كبيراً للتغيير، ويتمثل القسم الآخر منها بالتحرر من ذلك الخلل، قبل كل شيء، التحرر منه بكل أنواعه وأشكاله ومصادره، وسلوك الطريق إلى مستقبل جديد مختلف. ومن بديهيات الأمور أن حركة التاريخ هي في تواصل دائم من دون انقطاع. وهي تمر في مراحل وحقبات، فيها تقدم وفيها تراجعاً. لكن التقدم مقروناً بالحرية هو الوجهة الدائمة لهذه الحركة. ومن بديهيات الأمور أيضاً أن لكل مرحلة ولكل حقبة في التاريخ خصوصياتها وشروطها، ولها أفكارها، ولها قواها في جبهتي التناقض الأساسية. الوقائع تتغير في اتجاهات وفي شروط مختلفة. والناس يتغيرون. تتغير مواقعهم ارتقاءاً واتساعاً، تقدماً وتراجعاً. وذلك في عملية لا نهاية لها. والجديد إنما يولد دائماً من القديم. لكنه يتخذ له بعد الولادة شخصيته المستقلة، من دون أن يفقد صلة الوصل والقربى بالقديم الذي يولد منه.
ثمة ظاهرة خطيرة يشهدها عالمنا المعاصر، تحدث عن مثيل لها كارل ماركس منذ ما يزيد عن قرن ونصف القرن. تتمثل هذه الظاهرة بالتناقض المذهل بين التقدم الهائل للعلوم وللمعارف وللتقنيات وللإتصالات، وهي إنجازات كبرى يصنعها البشر، وبين الإستخدام المفرط في السوء لهذه الإنجازات من قبل البشر ذاتهم الذين يصنعونها، الأمر الذي يعبر عن تدن خطير في مستوى وعيهم. وإذا كان عتاة الرأسمال المعولم المتوحش هم الأصل في هذ الإستخدام السيء للمنجزات الكبرى فإن لهم شركاء من القوى الظلامية، التي تمارس القتل العبثي لناس باسم الدفاع المزيف عن حقوقهم. والإستبداد في بلداننا، بصيغه المختلفة، هو شريك حقيقي لأولئك الذين يمارسون القهر والظلم والإستعباد للبشر، الإستبداد بأسمائه وصيغه وطرائق حكمه المختلفة.
إن أهمية اليسار الجديد، بمكوناته المختلفة، الذي ينتمي إلى لاعصر، أهميته الأساسية، إنما تكمن في قدرته على امتلاك الإرادة والجرأة لمواجهة واقعية وعقلانية لهذه الظاهرة المشار إليها، وذلك دفاعاً عن الحياة بعامة، ودفاعاً عن الإنسان، بالمفرد وبالجمع، من خلال الربط الدائم والواقعي بين الحرية والتقدم والعدالة الإجتماعية.
إن محاولتي في كتابي الجديد الذي يتمحور هذا اللقاء حوله وحول موضوعه إنما هي استممرار لمحاولاتي التي لن أدع اليأس يحد من استمراري فيها، برغم الثمانين من العمر. فالأعوام التي تجاوزت الستين من انتمائي إلى الإشتراكية لم تزدني إلا صلابة وتفاؤلاً. لكن تفاؤلي هذا، لا سيما في هذه المرحلة المتقدمة من العمر، ليس تفاؤلاً ساذجاً. إنه تفاؤل مبني على الواقعية في قراءة الأحداث ووقائعها، ومبني على معرفة الشروط التاريخية التي تتم وتتكون فيها هذه الأحداث والوقائع. وهو تفاؤل مبني في الوقت عينه على الحلم بمستقبل جميل لشعوبنا ولشعوب العالم، الحلم من دون أوهام. والحلم هو ضرورة الحياة. وقد بدأت شبابي حالماً بالمستقبل. وما زلت، برغم الثمانين، أعيش بين الواقع القائم والحلم بتغييره في اتجاه الحرية والتقدم والعدالة الإجتماعية لإنسان بلادي، بالمفرد وبالجمع.
ليس لديّ ما أقوله أمامكم أكثر من هذ ه الكلمات. فكتابي هذا يعبر بصدق عن أفكاري. وهو، بالنسبة إليّ، قد خرج من مملكتي وصار ملكاً لأهل اليسار. والأفكار فيه والآراء والتصورات حول المستقبل هي مطروحة للنقاش.
وإني لسعيد بهذا الإهتمام الذي لقيه الكتاب، بصفته حامل دعوة إلى النهوض من جديد باليسار في العالم العربي، والعمل على تجديده. وسأكون أكثر سعادة عندما تتحول الدعوة إلى نهضة جديدة لليسار في العالم العربي إلى عمل حقيقي قائم على تجديد هذا اليسار بمكوناته المختلفة، اليسار ذو القاعدة الإجتماعية والسياسية والفكرية والإنسانية الواسعة التي تجعل منه ، عندما يتأسس من جديد، قوة كبيرة قادرة على إحداث التغيير.

كلمة د. الطاهر لبيب
اليسار العربي: ملابسات النقد الذاتي
يجمعنا، اليوم، حول كريم مروّة، كتابُه عن نهضة جديدة لليسار العربي، كتَبه ? “اشتراكي مخضرم، من موقعه المستقِل راهنا”، على حد تعبيره. في الكتاب معرفةٌ وتجربة ومشروع تغيير، باسم اليسار، وفيه، فوق كل هذا، هدوءٌ مستفِزّ بعدم استفزازه: فأنت لا تصل إلى رأي قد تخالفه فيه إلاّ وقد هدّأتْ من رأيك مفاهيمُ العقلانيّة والموضوعيّة والنسبيّة وما جرى مجراها… في الكتاب، إذاً، حِنكة وحكمة. ومهما يكن، فمزيّة الكتاب الأولى هي في سعة ما يتّسع له النقاش. وممّا يتسع له، ضِمناً، إذ تحاشى الخوضَ فيه، قديمُ اليسار الذي ساد نقدهُ ونقده الذاتي، باسم الجديد أو من دون جديد. ملاحظاتي هي، إذاً، في اتجاه ماضٍ، من الظلم أن يتخلّى عنه حاضرٌ ليس هو، بالضرورة، أفضلَ منه.
***
إن كان لليسار أن يعرَّف فالتجاوز من أكثر الكلمات شمولاً وكثافة. لها مُلحقاتها، طبعاً: أن تكون الحركة تقدّماً وأن لا تحمل وعياً زائفاً، وأن تكون غير ذلك مما ألِفت قولَه نُصوصُ اليسار. وإذا ذهبنا بالاستعارة بعيداً، قُلنا، على وجه الكناية: إذا كان في الواقع القائم “جنّةٌ” فوجهة اليسار جنّةٌ أفضل. وللجنّة الفضلى أسماءٌ كثيرة وسبلٌ متوازية أو متقاطعة، أكثرها جذباً وسراباً تسمَّى إيتيوبيا. ويبدو – وهذه مفارقة – أن سبلاً ومسارب كثيرة امًّحتْ، وبقيت الايتوبيا يترجرج سرابها، صوراً وحنيناً. السبب، في ما أرى، أن للإيتوبيا، وللسراب أيضاً، وجهاً تراجيديّاً لم تُمحَ ملامحُه، منذ بداية الأساطير. من هذه الملامح ما يوحي ? “البطولة الإشكاليّة”، كما رآها لوكاتش: بطولةِ من يصرّ على مواجهة المستحيل، وهو يعلم أنه مستحيل. لنختم التعريف، إذاً، بأن التجاوز قد يكون نحو المستحيل: مستحيلِ اللحظة، إذ لا مستحيلَ، تاريخيّاً، في المطلق.
اليسار العربي الذي كان، هذا الذي نصرّفه في الماضي حديثُ عهدٍ، ولحظته قصيرة. قد يعود به بعض العرب إلى أوائل أجدادهم، ولكنّ المواربة، مهما كانت حيلتُها، يصاحبها شؤم اليسار في حقول الدلالات القديمة: إنه شؤم الخروج من وعلى، شؤم الفتنة، وقبل ذلك شؤم من أُوتيَ الكتابَ بشِماله. شِمال الجزيرة نفسُه بحرٌ وهلاك.
معلومٌ ما تناثر وتباعد، عبر العصور، من بؤر التنوير والاحتجاج، ولكنّ اليسار العربي، في اصطلاح اليوم، لا امتداد له في التاريخ. قد تكون ارهاصاته في ما تداخل بين النهضة والاستعمار، ولكنّ الدفع كان بعد النّكبة والقوّةَ بعد النكسة أو الهزيمة: 67 منعطفٌ حاسم. استخلاصٌ أوّل: نشأ اليسار العربي من أزمة، وأزمة النشوء هذه تحوّلت سريعاً، خلال عقدين على الأكثر، إلى أزمة وجود. هذا هو عُمر اليسار العربي الذي يُنتقد ويُنتقد ذاتياً.
قد يتهوّر البعض في المقارنة بيساراتٍ أخرى. لنتّخذ مثلاً يسار فرنسا: وراءه “الأنوار”، وهو ابن الثورة الفرنسية (التي أكلت منه ما أكلت). بدأ توبوغرافيّاً: عنى اليسارُ، أوّلَ ما عنى، جلوسَ الليبيراليين أو “الحرّيين” يسار المجلس، في حين جلس المحافظون جهة اليمين. وكان لا بد من مرور قرن من الزّمن، تقريباً، قبل أن تتحوّل المقابلةُ إلى يمين ويسار، أي أن يكتسب اليسار معناه المتداول اليوم. هذا المدى الزمني أتاح للفكر أن ينبني وأن يتراكم، وللحركات أن تمتد وأن تتصارع، ولمستويات الواقع أن تتمفصل.
لا مقارنة إذاً: فلا عمر اليسار العربي امتدّ إلى توالي مراحله وتراكم تجاربه ولا الزمن الاجتماعي العربي اتّسع لنضج حركته. استخلاصٌ ثانٍ قد يكون ضدّ التيار الغالب: ما انجزه اليسار العربي، في حدود العمر الذي افتكّه من قبضة الزمن العربي كان أرقى ما وصل إليه الفكر والفكر السياسي العربي في تاريخه الحديث والمعاصر. هذا الانجاز الكثيف، المضغوطُ في ضيق العمر والزمن ليس أقلّ قيمةً ولا أثراً مما أنجز آخرون، في ظروف أخرى.
لهذا يبدو غريباً تنكيلُ بعض اليسار العربي بماضيهم، ويبدو أغربَ منه اعتذارُهم عن وعي سابق: وعيِ مرحلةٍ بنى البعض فيها البدائلَ وناضلوا واضطُهدوا وقُتلوا من أجلها. ممَّ يعتذرون؟ من واقعٍ لم يتحمّلهم؟ من جدليّةٍ زيّفها أن اليمين كان أجهزةً لا فكر لها يجادله اليسار فيه؟ يقول بعض اليسار الناقدِ ذاتَه إنه لم يفهم الواقع الموضوعي: هذا صحيح، ولكن هل ساد في مرحلته، في الكون كلّه، غيرُ ما كان له من آليات الفهم والتحليل والتفسير؟
ما حدود النقد الذاتي إن لم تكن حدودَ المرحلة؟ أن تبنيَ جديداً أو أن تعيد بناءً أو أن تستخلص الدروس، كما يقال، فهذا من صلب التجاوز، من تعريف اليسار، لكنّه ليس فرصةً للاعتذار عن لحظةٍ مؤسِّسةٍ كان فيها الجهد والإصرار وكان لها، ككلّ لحظةٍ، أخطاؤها. اختصاراً، ليس المطلوب تطهيرَ لحظةٍ ماضية وإنما المطلوب الدفاع عن استثنائيّتها وعما بذل جيلها من أجلها.
للنقد الذاتي، إذا، حدود مرحلته، وله أيضاً حدود شرعيته: هناك من تغيّرت أفكاره ومواقعه، متحرّكاً داخل اليسار، وهذا ملمح حياةٍ وتطوّر، ولكنّ كُثراً من قدامى اليسار نقدوا يسارَهم من مواقع لم تعد لها صلة باليسار ولا بتخومه. النقد، في هذه الحالة، تبريرٌ للانزياح ولتغيير الموقع. وهو لذلك لا يُقنع، وقلّما يرتقي إلى ما ينتقده من فكر وتجربة.
ماذا بقي من اليسار العربي؟ لا ندري، على وجه الدقّة. ما نعلمه أن قلّة متحركة أو ثابتة حيث كانت، لا يزال التجاوزُ حاملَ فكرها وحاملَ بدائلها ومواجهاتها. ما نعلمه أيضاً أن أغلب من ساروا باليسار أو سار بهم غيّروا مساراتهم إلى ضفاف أخرى. توزّعوا في فضاءات أوسعُها ثلاثة: السياسةُ التي لها قدرة الاحتواء بالإغراء، استيعاب الخبرةِ مسلوبةً من فكرها، والدينُ الذي عرف هجرةً إليه، هجرةً بلا عودة، طلباً للغفران، ثم الإعلامُ الذي يجيد صنعَ مثقفين عابرين في ثقافة عابرة.
الحيرة هنا والآن، لا في أمرِ ما مضى. لِيجبْ قدامى اليسار عن سؤال أوّل: أين كانوا وأين أصبحوا؟ وعن أسئلة أخرى، منها: هل، حقّاً، أخذتهم حيويّةُ الفكر إلى حيث هم أم أخذتهم رياح أخرى؟ في الإجابة، مهما كانت وكانت ذرائعُها، ما يجعل من نقد اليسار لحاضره ضرورةً أخلاقية. الماضي أنجز وخاب ظنُّه ومضى.
نعم، لا نعرف، على وجه الدقّة، ما بقي من اليسار العربي. هذا إذا نُظر إليه، كما هي العادة، من منظور الفكر السياسي والتجربة السياسيّة. أما إذا نُظر إليه من منظور فكري أو معرفي فما ظهر منه، في لحظته، وما بقي منه، واسع التأثير إلى اليوم. بعضه لم يكن مسبوقاً، في إبداعه، وبعضه لم يأت، بعدَه، ما يرتقي إليه. لِنتذكّر، من الستينيات وأوائل السبعينيات، نصوصاً مؤسِّسةً في الشعر والرواية، وأعمالاً كبرى في المسرح والسينما، وفي الموسيقى والفن التشكيلي، وكذلك في البحث والتحليل. إنها، إلى اليوم، معالمُ كبرى، وهي ما كان لها أن تكون لولا حركة اليسار وما ارتبط بها من طلائعيّة عالميّة وعربيّة. لا يعني هذا أن كلَّ من أبدع في مرحلة اليسار كان منه، ولكنه يعني أن تلك المرحلة كانت محفّزةً ليسارها ولغيره.
مثقفو تلك المرحلة، شئنا أم أبينا، هم كبار مثقفي العرب في تاريخ الفكر العربي المعاصر: لقد أبدعوا في صياغة أحلامٍ لم يستفق واقعُ العرب لتحقيقها. لقد تراجعت المرجعيات الفكرية الكبرى وتراجعت معها الحركات التغييريّة والاحتجاجيّة، ولكنها تركت خيوطاً لها في النسيج الفكري، في التمثّلات وفي اللّغة، بعضها امتدّ إلى وريثٍ غير شرعي، إلى الخطاب الرسمي العربي.
لقد أردت ردّ اعتبارٍ إلى جيل يسهل نقدُه على مقاعد الورشة الجديدة. أما المستقبل فله مستشرفوه، ولا قدرةَ لي على المجازفة فيه.

Advertisements