الشهيد القائد يوسف سلمان (فهد) أُعدم في 12 شباط/فبراير 1949

الإستعمار الحديث

تجابه الشعوب المستعمرة ، وشبه المستعمرة ومن ضمنها الشعوب العربية عدوا هو الإستعمار الحديث الذي يتميز عن جميع الأدوار التي خبرتها المجتمعات البشرية بصفات خاصة منها :

1 ـ إن الإستعمار في قطر واحد لا يمثل مصالح دولة إستعمارية واحدة بل المصالح الإستعمارية كافة وإن تولت احيانا دولة واحدة رعاية تلك المصالح .

2 ـ إن إس الإستعمار إقتصادي ولكنه يعنمد على القوة السياسية الغاشمة ـ عسكريا وإداريا ـ لإستثمار موارد البلاد المستعمرة وجهود الشعب وسوق ابناء ذلك القطر المستعبد الى الحروب دفاعا عن مصالحه وهذا بالطبع يؤول الى تحطيم الصناعة الوطنية وإفقار الشعب وجعله يعتمد في إموره على المستعمر.

3 ـ إن الدول الإستعمارية قد إقتسمت فيما بينها الأسواق ثم المستعمرات ،وكل إعادة تقسيم يجر حتما الى حرب تدفع ثمنه الشعوب المستعمرة وشعوب العالم ، انهرا من الدماء.

4 ـ إن الدول المستعمرة منظمة في المتربول ( وطنها الخاص ) ومنظمة في مستعمراتها ومجهزة باحدث وسائل القمع ومحمية بقواعدها الحربية وبجيوشها السريعة الإنتقال وبموظفيها الإداريين الذين يشغلون المراكز الحساسة في القطر وبقوة الدرك والشرطة ( المحلية ) التي يشرف عادة هؤلاء الإداريون عليها. وبشركاتها الإحتكارية ومصارفها التي تسيطر على الحياة الإقتصادية في القطر. وبمؤسساتها ومكاتب دعاياتها التي تعمل على تفريق صفوف الشعب بمفهوماتها الإستعمارية وبرتلها الخامس الذي يعمل لتثبيت النفوذ الإستعماري ، في القطر.

فالإستعمار الذي تجابهه الشعوب المكافحة في سبيل إنعتاقها ، عدو جبار عنيد يمثل ا لراسمالية العالمية المتشابكة مصالحها ومؤسساتها المالية ، عدو مسلح من اسفله الى قمته ، عدو لاتفيد معه أساليب النضال القديمة ولايفيد معه الصراخ والعويل والمطالبة بالحق، فعلى الشعب وعلى منظماته التي تضم طلائع الطبقات الشعبية التي تريد حقا، قولا وفعلا طرد هذا العدو الغاشم والتحرر والإنفلات من انيابه السياسية ومخالبه الإقتصادية ، عليها ان تقيم تنظيماتها بالشكل الذي تستطيع فيه من مقاومة هذا العدو العنيد بشكل يمكن هذه التنظيمات من ضم جميع الوطنيين الواعين وتوجيههم بشكل يمكنها من جذب الاكثرية الساحقة من الشعب وزجها في المعركة.

الكفاح باشكاله الثلاثة التي لاتقبل التجزئة

الكفاح السياسي

يجب تدريب الشعب على على جميع اشكال الكفاح السياسي وتهيئته لخوض معارك حاسمة مع العدو.

إن الكفاح السياسي ضد العدو باشكاله البسيطة والعالية، السلبية والإيجابية، من الأمور المحتم خوضها على كل شعب يريد الإنعتاق والتحرر من العبودية وخصوصا في عصرنا هذا ،عصر النهضات الوطنية التحررية ضد الإستعمار. فعلى الشعوب العربية التي تريد التحرر ان تكون قد خبرت اشكال الكفاح السياسي اذ لايصح الإعتماد على قوى خارجية وعلى معجزات خارقة للتخلص من الإستعمار.ولا على الظروف العالمية الملائمة والشعب غير متهئ للإستفادة منها فتذهب الفرص بعد الأخرى. فاشكال الكفاح السياسي هي عرائض الإحتجاج والخطب في الإجتماعات العامة والخاصة والإضرابات السياسية الجزئية والعامة والمظاهرات والإنتفاضات الوطنية ، ولا يجوز الإستهانة باي شكل من هذه الأشكال مهما كانت فائدته الظاهرة.اذ إن هذه الأشكال ترتبط بعضها مع البعض الأخر وهي كالسلم يرتقيه الشعب لبلوغ اهدافه . ومن الجائز ، واحينا من المحتم اللجوء الى إستعمال بضعة اشكال منها في آن واحد لإرتباط بعضها ببعض. فعرائض الإحتجاج تظهر سخط الجماهير وتهيؤها للإضرابات السياسية والمظاهرات وغيرها وكذلك تفعل الإجتماعات العامة والإضرابات العامة في مراحل النضال الأولى فهي عدا شعور التضامن الذي تخلقه ، تعبئ الجماهير لحضور الإجتماعات العامة وتنظيم مواكب المظاهرات او تنظبم الدفاع ضد ا جراءات ينوي إتخاذها المقابل وهي في مراحل الكفاح العليا ، تعبئ الجماهير للمقاومة والإنتفاض الوطني وتشل مقاومة العدو بتعطيل وسائله المهمة للتعبئة والنقل والتموين وغيرها.

من هذا يتبين لنا خطل القول بان تقديم العرائض ((يجب ان لايشوه قدسيتها)) إعلان إضراب او القيام بمظاهرة او إن الإضراب العام يجب ان لايشوه قدسيته تنظيم مواكب المظاهرات السلمية ،فالإضراب العام او اي شكل من اشكال الكفاح لايمكن ان يكون غاية بذاته بل وسيلة من وسائل الكفاح مرتبطة بالوسائل الأخرى كارتباط اجزاء الجهاز العسكري الواحد بالأخر. فقذف الطائرات لتحشدات العدو وتجهيزاته لا ((يشوه قدسيته)) قذف المدافع الثقيلة او الدبابات ، وقد رأينا في الحرب الأخيرة اسلحة متنوعة كانت تستخدم ، من الجانبين ولم تشوه إحداهما ((قدسية)) الأخرى بل إستلزمتها وضمنت الفوز، وراينا فشل هجمات موفقة لم تنجح بسبب عدم تعزيزها باقسام اخرى من اسلحة ، فاضطر المتقدمون على التراجع وهذا ما حصل فعلاً للإضراب الأخير الذي خشي البعض ان((تشوه قدسيته)) المظاهرات فشوهت((قدسيته))اشياء اخرى يعلمها الجميع ، حتى كأن الدعوة الى الإضراب العام صدرت عن السلطات لا عن منظمات شعبية وكأن الكفيل بصيانة قدسية هذا اليوم هو إفساح المجال للشعب في إستعمال حقوقه الدستورية في اوقات المظاهرات والإجتماعات وعدم التعرض لحرية الأشخاص . فالدعوة الى عدم ((تشويه قدسية)) الإضراب العام خدمت عمليا على تشويهه تحت شعارات خاطئة وحجج واهية.

إن إهمال شان تدريب الجماهير الشعبية على اشكال الكفاح السياسي اضاع ويضيع علينا فرصا مؤاتية،فكم من هجوم غادر قام به المستعمرون ضدنا وكم من ظروف كان بإستطاعة شعبنا إستغلالها لكن عدم تهيئة الشعب نتيجة عدم ممارسته اشكال الكفاح اضاعت علينا الفرص ومكنت المستعمرين من فرض سيطرتهم السياسية والإقتصادية وغيرها بهجومات متتالية كان باستطاعتنا ردها في حينها قبل ان تتثبت وتقوى.

إن نظرية الذاتية التي يقول بها بعض القادة الوطنيين نظرية ترك الجماهير تتعلم بدون تدخل العناصر الوطنية الواعية المنظمة يؤدي الأخذ بها الى تجريد شعبنا من سلاحه وتركه اعزل لا يستطيع دفع إعتداء ، لايستطيع إسترجاع ما فقده وإسترجاع حريته وسيادته الوطنية وخيرات بلاده . فالجماهير الشعبية لاتتدرب على النضال السياسي بدون توجيه من الواعين المنتظمين وبدون كسب الخبر من ممارسة النضال الفعلي، فالإنسان لايتعلم السباحة دون النزول الى الماء،فمنع الجماهير من الكفاح السياسي باشكاله المتنوعة بحجة وجود عناصر دس وشغب في الشعب وبحجة إستفزاز العدو وبحجج اخرى شبيهه معناه الوقوف في وجه تدريب الشعب وتهيئته للمعارك الحاسمة. معناه بقاء الوضع القائم ، إذ لايعني تجريد جماهير الشعب من سلاح النضال غير الدفاع عن الأوضاع السائدة في البلاد العربية اليوم.

إن العناصر الوطنية الواعية المنظمة مسؤولة امام التاريخ, مسؤولة امام الجماهير الشعبية عن إفهام الجماهير اساليب النضال ، مسؤولة عن السير امام الجماهير،مسؤولة عن جعل الجماهير تتجنب اخطاءها من تجاربها في النضال ، مسؤولة عن ربح المعارك باقل تضحية دون ان تخيفها التضحية التي لابد منها. هذا هو دور العناصر الواعية من الشعب وإلاّ ستنعدم الحدود بين العناصر الواعية وغير الواعية وتسود الفوضى والإندحارية صفوف الشعب وتفقد الحركة ميزتها وطابعها الجماهيري وتصبح حركة اشخاص تقودهم اهواء ومصالح طبقية وشخصية.

إن الشعوب لن تموت وقد نهضت اليوم تريد التحرر من العبودية السياسية والإقتصادية والإجتماعية وجميع الدلائل تشير الى ان الشعوب لن تتراجع عن اهدافها ولن تتهاون وتشير الى ان عناصر الوعي قد إنبثقت من اوساط الجماهير الشعبية وهي آخذة في النمو في النوع والكمية وإنها ستتغلب على جميع النظريات الخاطئة والقيادات المثبطة التي تريد تجريد الشعب من وسائل الكفاح والمهادنة مع اعدائه فكل محاولة للوقوف ضد تقدم الشعب ونضاله محاولة فاشلة بعد ان انتقل الوعي الوطني الى صفوف الجماهير الشعبية الكادحة.

والكفاح السياسي يجب ان يخضع للخطة السياسية الوطنية العامة ـ لمرحلة التحرر الوطني ـ كأن يعين العدو الرئيسي ( الإستعمار طبعا) الذي يجـب ان توجه القوى الرئيسية ضده وان يعين احلاف الإستعمار الطبيـعيـون منهم والعملاء المعروفون (( بالرتل الخامس)) والذين يعتمدون للمحافظة على كيانهم على الإستعمار، وان يحاربوا ويبعد تأثيرهم عن الجماهير.

وان يعين احلاف الإستعمار غير الطبيعيين اولئك الذين تهادنوا معه بدافع المصلحة الوقتية او خوفا على تأثر مصالحهم نتيجة جبروت الإستعمار وهيمنته على حياة القطر السياسية والإقتصادية كأن يشل نشاط هؤلاء السياسي ويعزلوا عن قيادة الحركة الوطنية.

الكفاح الإقتصادي

إذا ما عرفنا إن شهوه المستعمرين لغزو بلاد الغير واستعباد شعوبها هي شهوة شركاتهم ومصارفهم الإحتكارية للإستيلاء على مصادر مواد الخام والحصول على قوى عاملة رخيصة بالدرجى الأولى واتخاذها رأس جسر لإنزال جديد، عرفنا ما للكفاح الإقتصادي من اثر فعال مساعد للنضال السياسي فاضعاف الأس الإقتصادي للإستعمار يضعف حتما قواه السياسية ـ العسكرية ـ ويقوي في الوقت نفسه القوى الوطنية فتغلغل الإستعمار الإقتصادي عميق جدا وشامل ولا يمكن تقديره وتبيان نسبته المئوية، ولكن الظاهر يدلنا على إن بضعة إحتكارات اجنبية هي كل شئ في قطرنا وملايين المنتجين العراقيين والتجار والمزارعين هم لاشئ فالإحتكارات تهيمن على فروع الإقتصاد الأساسية بصورة مباشرة وتهيمن بصورة غير مباشرة على الفروع الثانوية وحتى على التجارة الداخلية، ونفوذهم الإقتصادي لا يعتمد على المنافسة الحرة وعلى تفوق إقتصادهم على الإقتصاد الوطني بل يعتمد على قواهم العسكرية ونفوذهم السياسي وعلى الإتفاقيات التي ابرمت بتاثير ضغطهم السياسي والعسكري خلال عهد الإنتداب وبعده.

يجب ان نوحد نضالنا للخروج من كماشة المنطقة الإسترلينية التي يسبب إرتباطنا بها عجزنا عن بناء صناعة وطنية حديثة وتجميد رساميـلنـا ثم إنفاقها في إستيراد بضاعة إستهلاكية وكمالية على الأكثر وإعتماد تجارة الصادرات على اسواق ضيقة إحتكارية في المنطقة الإسترلينية ، يـجـب ان نكافح من اجل تحويل صندوق ( إحتياطي) العملة العراقية الى العراق إذ لايجوز بقاء صندوق عملتنا في لندن ولو إن مفتاحه بايدينا . فـقـدنفقد هذا الصندوق يوما ما وسوف لا يفيدنا مفتاحه الذي لا قيمة له بدون الصندوق.

وعلينا ان نكافح ضد إعطاء إمتيازات إقتصادية لشركات اجنبية وان نعمل جهدنا لالغاء ما يمكن الغاؤه من الإحتكارات وان نضع الموجود منها تحت رقابة فعالة تخضعها لشروط مناسبة وتفرض عليها ضرائب ثقيلة.

علينا أن نكافح ضد إغراق اسواقنا بالبضاعة الأجنبية ونكافح ضد العراقيل الموضوعة لعرقلة تطور صناعتنا الوطنية. علينا ـ وهذا مهم ـ ان نهتم بتقوية التنظبم النقابي لعمال المشاريع الأجنبية والتي يهيمنون عليها وان نساعد النقابات باعتبارها في مثل هذه المشاريع اداة وطنية للكفاح الإقتصادي.

إن نضال العمال النقابي ضد الإحتكارات الأجنبية الإستعمارية يكسب الحركة الوطنية قوة عظيمة لايستهان بها، قوة تنمو وتتعاظم على مر الأيام، تسطيع ان تجابه هذه الإحتكارات الجبارة او ترغمها على التنازل لها عن مطاليبها. وقد ادركت هذه الإحنكارات خطر تعاظم النضال النقابي فعمدت منذ اول تأسيس النقابات الى محاربتها بشتى الوسائل لغرض تحطيمها او السيطرة عليها وشلها . وقد كان على الجماعات الوطنية ان تدرك هذه الأهمية الوطنية لنضال العمال النقابي ضد الشركات والمشاريع الإستعمارية وان تسرع الى معاونة العمال في إشتباكاتهم مع اصحاب تلك المشاريع لا ان تقف بعضها موقف اللامبالاة او المعادي من نضال العمال فيعطي الفرصة للمستعمرين لضرب النقابات وهي لاتزال في بدء عهدها.

إن قوى النضال الوطني الرئيسية ضد التغلغل الإستعماري الإقتصادي اربع وهي :ـ

النضال النقابي- النضال التشريعي – نضال المنتجين والوسطاء- ونضال المستهلكين.

ولكل من هذه القوى إسلوبها ووسائلها في النضال فالمهم هو توحيد الجهود وتنسيق النضال بحيث لا يقوم صنف واحد من هذه الأصناف بمفرده يتحمل اعباء النضال لوحده ، دون ان تخف الى نصرته الأصناف الأخرى بحيث يضطر العدو على التراجع امام القوى المتجمعة خصوصا إذا ما إستطاعت الحركة ان تجتذب الى النضال الإقتصادي جماهير المستهلكين الغفيرة.

إن جذب هذه الجماهير الى المعركة الوطنية امر حيوي للحركة فكل تجاهل لمصالحها الإقتصادية الآنية يفقد الحركة التفاف الجماهير حولها وخسرانها لا في النضال الإقتصادي فحسب بل وفي النضال السياسي فالواجب يقضي درس المشاكل الإقتصادية مهما تراءت بسيطة والنضال في سبيلها.

هذه هي موجز الخطوط العامة للكفاح الإقتصادي ضد تغلغل الإستعمار الإقتصادي.

الكفاح الفكري

إن النضال الفكري يسبق عادة النضال السياسي والإقتصادي ويرافقهما في جميع مراحلهما حتى النصر وحتى تثبيت الكيان الجديد وبناء المجتمع الحر.فكانت المفاهيم الإستعمارية الصريحة قبل عقدين او اكثر من السنين تلقى تصديقا في اوساط الجماهير الشعبية وحتى بين المثقفين والمشتغلين بالسياسة من الطبقات الممتلكة. فقد كانت الدوائر الإستعمارية تروج مفاهيم تتناقلها المطبوعات والأفواه وتسري بين الناس سريان النار في الهشيم يتلقونها بدون قصد وبدون مناقشة او تمحيص(الا ما ندر) كأنها من الأمور الثابتة التي لايشك بصحتها وكان معارضوتلك المفاهيم قلة ضئيلة تحاول صد التيار الجارف ومن تلك المفاهيم.

” إن يريطانيا دولة معظمة تملك اعظم إسطول حربي وجيوشا جرارة واسلحة فتاكة..الخ..

وإتها فتحت البلاد بالسيف” و ” بريطانيا دولة متمدنة و(بريطانيا) دولة غنية صناعية وتجارية” و”بريطانية دولة ديمقراطية يتصف حكمها بالعدل والإنصاف”…الخ.

وكانت الإستنتاجات الحاصلة المتممة لهذه المفاهيم إن لبريطانيا حق الفتح وهو حق طبيعي لحكم البلاد والتصرف بشؤنها ولا يمكن الوقوف ضد هذا الحق الاّ عندما يكون لنا اساطيل وجيوش واسلحة وثروة كالتي لبريطانيا.. وان بلادنا متأخرة وهي بحاجة الى دولة متمدنة لتمدن شعبنا وتنشر الثقافة.. وإن بلادنا فقيرة متاخرة في الصناعة والزراعة والتجارة ولابد من تقدم صناعتنا وزراعتنا على ايديها ومساعدة رساميلها وفنييها ـ وإن العدل والإنصاف مفقود عند حكامنا وزعمائنا ولا بد للإنكليز الذين مارسوا الديمقراطية في بلادهم من تطبيقها عندنا. اما الآن فشعبنا (وشعوب العالم) كافة ايضا لم يصدق تلك الحجج المبررة للحكم الإستعماري ولم يعد يعترف ـولن يعترف ـ بالرغم من تاثير تلك المفاهيم على النفوس بحق الفتح ولا يرى ضرورة الإنتظار حتى يكون له اساطيل وجيوش واسلحة كالتي لبريطانيا حتى يدحض ” حق الفتح ” هذا وهو لايرى في وجود دولة إستعمارية ” متمدنة ” الا ابتغاء تاخره ونهبا لخيراته وإضعاف النهضة السياسية والعمرانية والإجتماعية.

إن شعبنا قد خبر هذه الحقائق في تجاربه خلال ثلاثة عقود كابد فيها جميع صنوف الحرمان وتحطمت هذه المفاهيم على صخرة الواقع واظهر زيفها وإفلاسها.

لكن إفلاس هذه المفاهيم الإستعمارية الرئيسية لايعني إن المستعمرين عدموا الحيلة وقبلوانهائيا باندحارهم فكريا. ولا يعني إنهم حرموا العملاء والأنصار الذين يروجون نفس تلك المفاهيم باثواب جديدة كلما وجدوا الى ذلك سبيلاً. ولا يعني إنهم فقدوا الإستفادة من شعارات ومواقف الإندحاريين التي تخدم تلك المفهومات.

إن المستعمرين تبنوا المفاهيم الفاشية وعملوا على ترويجها في كل مكان ولا يزالون حتى يومنا هذا ،وساعدوا دعاتها ولم ينس المستعمرون ان يستغلوا او يشجعوا الشعور بالمصالح الطبقية ـ دون المصلحة العامة عند الطبقتين البرجوازية والإقطاعية وبما ينتج عن ذلك من مفاهيم إندحارية تضعف قوة المقاومة عند شعبنا ولم ينسوا إثارة العنعنات والكراهية والعنصرية والطائفية ويخلقوا دعاة لهم بين مختلف الطوائف لنشر مفاهيم تخدم اغراض الإستعمار.

ولم ينسوا ان يفيدوا الى ابعد حدود الإستفادة من وسائل النشروالدعاية فيغرقوا الأسواق بنشراتهم ويؤجروا الصحف والكتاب ويحتكروا مواد الطباعة ويضيقوا الخناق على اصحاب الفكر الحر.هذا عدا ما يملكونه من وسائل الدعايةالأخرى كشركات الأخبار ومحطات الإذاعة ومكاتب إرشاد ومؤسسات ثقافية وجيش من المعلمين الأجانب والأذناب في المعاهد الثقافية الوطنية.

إن التهاون في النضال الفكري يضعف قوى التحرر الوطني في الميدان السياسي والإقتصادي إذ لا حركة وطنية صحيحة بدون نظرية علمية وطنية ولا جهاد وطني صادق بدون عقيدة وطنية تلهب نفوس جماهير شعبنا.

فالواجب الوطني يقضي على الحركة الوطنية ، على كل من يريد فعلاً وقولا محاربة الإستعمار والتخلص من إمتيازاته السياسية والإقتصادية ان يتصدى لمحاربة المفاهيم الإستعمارية ومشتقاتها انى كان مصدرها وحيثما وجدت.

على الصحافة الوطنية ان تنتقد جميع المفاهيم الإستعمارية والإندحارية لكي لا تعلق باذهان البسطاء واحيانا غير البسطاء وان لا تكون هي ( الصحافة الوطنية ) واسطة لنقل تلك المفاهيم عن طريق نقل الأخبار والتصريحات ونشر الإعلانات كالإعلان عن مجلة المختار مثلا.

وعلى الجماعات الوطنية ان تتقبل النقد النزيه لا ان تغضب ـ كما غضبت الأحزاب علينا وتتهم الناقد بالخروج على الجبهة الوطنية وتقويض الجبهة الوطنية الموحدة ( غير الموجودة) إلا إن الحركة الوطنية الصحيحة والدعوة للجبهة الوطنية تستلزمان النقد الصريح للأخطاء لكي لا تقوم حركتنا الوطنية على اسس وخطط خاطئة وعلى شعارات سلبية غير صحيحة .

وعلى الحركة الوطنية ـ احزابها السياسية وجميع منظماتها وصحافتها ـ ان تعلم الجماهير خصائص الإستعمار واهدافه السياسية والإقتصادية وتشكيلاتها وإرتباطات اجزائها وان تفضح خططه وعملاءه مهما كانت منزلتهم الإجتماعية.

Advertisements