الـمــــوت بـــاعـــتـبــاره كـاتـبــــاً خـفــيـاً

 بقلم الياس خوري

في الثامن من تموز ،1972 اغتيل غسان كنفاني في الحازمية، ضاحية بيروت الشرقية، حيث كان يقيم. انفجرت سيارته بعدما استقلها والى جانبه ابنة  شقيقته لميس، وتطايرت اجزاؤها ومعها تحولت جثة الكاتب اشلاء وشظايا. ثلاثون عاماً مرت على الاغتيال ولا يزال الموت الفلسطيني هو الكاتب الخفي الذي يصوغ صورة المأساة المستمرة.

                        لم يكن كنفاني سوى حلقة من الموت الفلسطيني الكثير الذي غطى تاريخ المنطقة منذ بدء الغزوة الصهيونية واكتسابها شرعية دولية مع وعد بلفور الذي رسم سياسة الانتداب البريطاني على فلسطين.

هذا اللاجىء من عكا الى دمشق فالكويت فبيروت، لم يكن الكاتب الفلسطيني الأول الذي يسقط في المقاومة. فذكرى عبد الرحيم محمود، الشاعر الفارس الشهيد، كانت قد صارت جزءاً من ذاكرة فلسطينية تصنعها النكبة.

لكن اغتيال كنفاني اخذ شكل القتل الرمزي، وبه افتتحت اسرائيل سياستها المركزية مع الجسد الفلسطيني، فصار قتل القادة والمناضلين الفلسطينيين أشبه بطقس رمزي، يسعى ليس الى قتل الشخص المحدد فقط، بل الى قتل الفكرة الفلسطينية.

عندما اغتيل كنفاني في بيروت عام ،1972 اعتبر الكثيرون هذا العمل محض اغتيال سياسي، اما تحويل جسد الكاتب اشلاء فلم يكن مقصوداً في ذاته. اذ ان الهدف هو قتل الكاتب والمناضل الذي كان يترأس تحرير اسبوعية “الهدف” الناطقة باسم “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”.

لكن الشاعر الفلسطيني كمال ناصر كان له رأي آخر. روى محمود درويش ان كمال ناصر جاءه غاضباً، بعدما نشر درويش مقالاً في “الملحق” يرثي فيه كنفاني، وسأله: “ماذا ستكتب عن موتي، بعدما كتبت كل شيء عن غسان؟”.

ضحك محمود درويش يومذاك من “النرجسية” الفلسطينية المرتبطة بالموت، ونسي الحكاية، الى ان قُتل كمال ناصر بعد تسعة أشهر من اغتيال كنفاني. ففي العاشر من نيسان ،1973 تسللت وحدة كوماندوس اسرائيلية الى بيروت، واغتالت ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية، كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، عضوي اللجنة المركزية في حركة “فتح” وكمال ناصر الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية.

امام جسد كمال ناصر المدمّى، اصيب الناس بالذهول. اذ لم يكتفِ الاسرائيليون بقتل الشاعر الفلسطيني رمياً بالرصاص، بل القوه ارضاً على ظهره، يداه مصلوبتان، وهناك رصاصة في فمه.

يومذاك اتضحت دلالة الرمز في الموت الفلسطيني. كاتب “رجال في الشمس”، تمزق اشلاء وتطايرت أعضاؤه، والشاعر الناطق، أُخرس برصاصة في فمه، وصُلب على الأرض.

نشر محمود درويش رثاءه لكمال ناصر في قصيدة العرس الفلسطيني: “طوبى لشيء لم يصل”، ثم جاءت التقارير الاسرائيلية لتشير الى ان قائد عملية الاغتيال هو ضابط اسرائيلي يدعى ايهودا باراك، تسلل مع مجموعة كوماندوس في الجيش الاسرائيلي الى بيروت، متنكراً في زي امرأة تضع على رأسها باروكة شقراء.

“هذا هو العرس الذي لا ينتهي

في ساحة لا تنتهي

في ليلة لا تنتهي

هذا هو العرس الفلسطيني

لا يصل الحبيب الى الحبيب

الا شهيداً أو شريداً”.

قرأ محمود درويش اغتيال الشاعر الفلسطيني ورفيقيه، في سياق “عرس الدم” الفلسطيني الذي يجعل العاشق شهيداً، متابعاً بذلك تراث شعر الحب عند العرب الذي أوصله الشاعر الاموي جميل بثينة الى الشهادة: “لكل لقاء نلتقيه بشاشة/ وكل قتيل عندهن شهيد”.

غير ان الصور الفوتوغرافية التي نشرتها صحف بيروت لكمال ناصر شهيداً، قدمت قراءة رمزية اخرى للاغتيال. فالشاعر الذي عمل ناطقاً رسمياً باسم منظمة التحرير اخرسته رصاصة في فمه. والفلسطيني المسيحي صُلب على الارض وليس على الخشبة، والرسالة الاسرائيلية تبحث ليس عن القتل فقط بل عن القتل الرمزي.

اتخذت الاغتيالات ومحاولات الاغتيال طابعاً رمزياً صارخاً، بعد هذين الاغتيالين الكبيرين: انيس صايغ، مدير مركز الابحاث الفلسطيني، انفجرت عبوة ناسفة في يده وعينيه. الكاتب والباحث يجب ان تُشلّ يداه ويفقد البصر. والرجل الذي خلف كنفاني في رئاسة تحرير “الهدف”، بسام ابو شريف، انفجرت فيه عبوة مشابهة. وائل زعيتر قُتل في روما. ومحمود الهمشري وعز الدين القلق قُتلا في باريس. واللائحة تطول لتتوَّج في النهاية بخليل الوزير (أبو جهاد)، ثم تتخذ ابعاداً جديدة عبر سياسة القتل العمد التي اتبعها الجيش الاسرائيلي في مواجهة انتفاضة الأقصى، حيث استخدمت الصواريخ التي ترميها المروحيات في الاغتيال بدءاً بالأمين العام لـ”الجبهة الشعبية” أبو علي مصطفى، الى ما لا نهاية له من المناضلين.

كأن اسرائيل تخوض مع الشعب الفلسطيني معركة رمزية، الى جانب معركتها السياسية – العسكرية. الهدف هو محو الرمز الفلسطيني، واحلال رمز مكان رمز. لكن السياسة الاسرائيلية صنعت من دون ان تدري ربما، مخزوناً رمزياً فلسطينياً جديداً، فصار الرمز اكبر من وعائه الأدبي، ولم ينحصر بالموت وحده، بل امتد الى حقول متنوعة، ربما كان مشهد الاسرى والمعتقلين هو الأكثر دلالة: العيون المعصوبة، الأيدي والأرجل المكبلة، الاجساد التي تُجبَر على التعري، الركوع… وهنا تأتي صورة مروان البرغوثي، أمين سر حركة “فتح” في الضفة الغربية، لتحتل مكانها الرمزي، في وصفها تجسيداً للفلسطيني المقاوم.

كان اغتيال غسان كنفاني، بداية الموت الفلسطيني الرمزي، اذ صار جسد الكاتب استعارة لأرضه، وصارت اشلاؤه صورة عن اشلاء شعب ممزق، وصار قبره صورة عن المنفى، حيث لا يستطيع الفلسطيني ان يجد لنفسه قبراً!

في حقل الموت تخوض الدولة العبرية اكثر معاركها الرمزية شراسة ضد الوجود الفلسطيني، فالمعركة التي قادت الحركة الصهيونية الى الاستيلاء على التاريخ والارض والفولكلور والمطبخ والعمارة، لن يُكتب لها النصر الا في حقل الموت الرمزي، عبر فرض المنفى الكامل على السكان الاصليين الذين يعيشون في بلادهم.

المقاومة بالرمز

لم تكتفِ “حرب الاستقلال”، وهذا هو الاسم الذي يطلقه الاسرائيليون على النكبة الفلسطينية، بطرد سكان فلسطين بالقوة، بل قامت بإحداث تغييرات جذرية على المشهد الريفي الفلسطيني، عبر تدمير القرى الفارغة من سكانها، وعبر زراعة ملايين أشجار السرو من أجل حجب الجريمة، وتغيير معالم البلاد، التي حوّلت الزيتون رمزاً. اضافة الى ذلك، فقد شهدت الأعوام الاولى لتأسيس دولة اسرائيل حمّى اركيولوجية، حولت مواطني الدولة علماء آثار، بحثاً عن مبررات “تاريخية” تدعم اسطورة أرض الميعاد التوراتية. واذا كانت الحمّى الاركيولوجية لم تصل الى أي نتائج، بحسب المؤرخ كمال الصليبي، فإن عملية الاستيلاء على الرموز الفلسطينية اتخذت حجماً كبيراً في ميادين الفولكلور والعمارة والمطبخ، فتمّ تسويق هذه العناصر الثلاثة في العالم بأسره، في وصفها خصوصيات اسرائيلية. ولقد اوضح الكاتب الفلسطيني انطون شماس في بحثه عن الفلافل، المدى الذي يمكن ان يصل اليه الاستيلاء الاسرائيلي على تاريخ الآخرين وانماط عيشهم. وفي المقابل، أتت شهادة عين حوض التي حوّلها المعماري الاسرائيلي مارسيل يانكو قرية للفنانين الاسرائيليين، بعد طرد سكانها منها، لتقدم العمارة الريفية الفلسطينية كأنها خصيصة معمارية اسرائيلية، مثلما تحولت البيوت العربية في احياء الطالبية والقطمون في القدس الغربية كيتشاً ثقافياً اسرائيلياً. المنفى الذي صنعته اسرائيل للشعب الفلسطيني، يحمل هذه السمة. اذ لم يكتف الاسرائيليون بتدمير القرى واحتلال البيوت واقتلاع الاشجار من أجل بناء الغابات، بل قاموا ايضاً بنفي الوجود المادي للشعب الفلسطيني، واستولوا على عناصر كثيرة من تراثه.

يقدّم الأدب الاسرائيلي لجيل الدولة، وخصوصاً في اعمال كل من عاموس عوز، “ميخائيل وحنة”، وأ. ب. يهوشع، “في مواجهة الغابات” و”العاشق”، نماذج من هذا النفي. ففي حين ترسم تهويمات حنة في رواية عوز عن التوأمين العربيين المغتصبين، صورة الفلسطيني في وصفه بدوياً، تقدّم حكاية الطالب الاسرائيلي الذي يذهب الى الغابة من أجل دراسة الحروب الصليبية، في قصة يهوشع، صورة الفلسطيني الأخرس، الذي يحرق غابة زُرعت من أجل محو قريته.

الفلسطيني غائب، ليس في السياسة فقط بل وفي الخيال الأدبي أيضاً. ولن تظهر صورة الفلسطيني إلا بعد احتلال فلسطين كلها عام ،1967 في اعمال روائيين مثل ديفيد غروسمان، وخصوصاً في روايته “ابتسامة الحمل”.

لن نقدّم في المقال قراءة أدبية لاعمال غسان كنفاني، بل سنقتصر على تحليل مسألة المقاومة الرمزية، التي افتتحها هذا الكاتب الذي قُتل شاباً في السادسة والثلاثين، والذي جعل من حياته اشبه بالحمّى الأدبية والصحافية والنضالية. كأنه كان يعي دوره التأسيسي في صوغ مجموعة الرموز المضادة، أي في رسم مبنى رمزي – ثقافي، يشكل مرجعاً لمقاومة ثقافية.

تسمح لنا قراءة أدب كنفاني، وجهده النقدي في اطلاق الشعر الآتي من الجليل، أي من التجربة الأدبية التي صنعها المنفى المزدوج للفلسطينيين في اسرائيل، بأن نرسم ملامح الصراع الرمزي الذي خاضه هذا الكاتب من أجل تأسيس البنىة الأولية التي اتسعت بعد ذلك، وخصوصاً في شعر محمود درويش وروايات اميل حبيبي وجبرا ابرهيم جبرا، لتقدم اطاراً مرجعياً لسؤال كبير: من هو الفلسطيني؟

لقد تشكل الجواب عن هذا السؤال في مستويين:

المستوى الأول، هو الارتباط بالأرض، والانطلاق من هذا المعطى، لتأسيس علاقة بالمكان.

المستوى الثاني، هو الرد على النفي بالتأكيد، أي الرد على النفي الاسرائيلي لوجود الشعب الفلسطيني، بالانطلاق من المنفى كمعطى لتأكيد الهوية. ولعل ادوارد سعيد كان أول من بلور آليات المنفى كمعطى في تكوين وعي الفلسطيني لذاته. الفلسطيني المنفي، هو المقابل لصورة اليهودي التائه.

يقدّم لنا أدب كنفاني، النمذجة الأولية لسؤال الرمز الفلسطيني. وهي نمذجة سوف يوسّع محمود درويش دائرتها لاحقاً، الى درجة تسمح لنا بالقول ان الجواب الرمزي الفلسطيني تبلور في منفيين:

المنفى الأول، هو بيروت الستينات، التي استقبلت الطليعة الأدبية العربية، وكانت تحمل علامات النهضة الأدبية الثانية، في الشعر الحديث والرواية الوجودية والنقد الجديد والفن التشكيلي.

المنفى الثاني، هو الجليل الذي نجحت تجربة الحزب الشيوعي في اسرائيل، في التحوّل ملجأ قومياً للأقلية الفلسطينية الريفية. ففي حيفا والناصرة، انطلقت حركة ادبية – شعرية اضطلعت بدور أساسي في بلورة الوعي بالذات، ضمن مقتربات غنائية – حديثة، وخصوصاً في الشعر.

كنفاني في بيروت، صار اشبه بالحالة الادبية الكبرى. ففي انتاجه الأدبي الغزير واكب الوعي الفلسطيني عبر صوغه أعمالاً سردية حديثة، أخذت على نفسها مهمة كتابة فجوات الذاكرة، ليس من أجل الذاكرة نفسها، بل من أجل بلورة صورة الذات.

هكذا نجد في هذا الادب الملامح الاولى لمن هو الفلسطيني. ان نمذجتنا لهذه الملامح هي اقتراح أولي، في حاجة الى اعادة نظر من أجل ان يتم استكماله. لكننا سوف نغامر في هذا المقال، ونقدم طرحاً يتألف من سبعة عناصر:

الارض: نجد الكيفية التي ستتحول من خلالها الارض استعارة للمرأة: الأم والحبيبة، كما ستتحول المرأة استعارة للأرض، في أولى روايات كنفاني، “رجال في الشمس”، حيث سنقرأ في البداية وصف ابو قيس للأرض في اعتبارها امرأة، ولرائحتها التي تشبه رائحة امرأة تخرج من الحمّام، ولنبضها الذي يشبه نبض العصفور.

الأرض كاستعارة مزدوجة: الارض – المرأة، الارض – الرحم، سوف تحتل مساحة كبرى في الأدب الفلسطيني، من وديع عساف بطل “السفينة” لجبرا، الى “قصيدة الارض” التي كتبها محمود درويش في ذكرى انتفاضة يوم الارض.

كلمة الارض، سوف تأخذ بعداً سياسياً وأدبياً. في السياسة ستصير اسماً لانتفاضة الفلسطينيين في اسرائيل ضد مصادرة الاراضي، وفي الادب ستحتل مكانة مقدسة، وستمتزج بالمرأة، فتحتل الاستعارة والكناية حجماً كبيراً في وعي الذات لنفسها.

الطبيعة: يتخذ هذا العنصر نقطة تمركزه في شجرتين هما البرتقال والزيتون. أولى مجموعة كنفاني القصصية تحمل اسم “ارض البرتقال الحزين”. رمز البرتقال هو أحد الرموز الأساسية التي استولت عليها اسرائيل، لكنه يحتل في ادب كنفاني موقع استعادة الرمز من جديد. وفي المقابل يأتي الأدب الريفي من الجليل، ليتمسك بالزيتون في وصفه رمزاً حياتياً – ثقافياً. حول هاتين الشجرتين، بنى الأدب الفلسطيني تصوراً كاملاً عن معنى الهوية المرتبط بالارض. فإذا كان الفلسطيني قد نزح من الارض، فإن الاشجار لا تنزح، وهي تشكل في ذلك علامة ثابتة على الوجود.

الفدائي: اللاجىء يتحول فدائياً. أليست هذه هي الرسالة التي لم يكتبها سعيد س. بطل “عائد الى حيفا”، الى ابنه خالد؟ صورة اللاجىء التي احتلت المدى الشعري والأدبي بعد النكبة، وخصوصاً في أعمال راشد حسين، وفي الكثير من قصص كنفاني، تخلي الساحة لصورة جديدة هي صورة الفدائي المقاتل التي سوف تفتتح “العرس” الفلسطيني، أي فكرة الشهيد، وتفرد لها مساحة كبيرة في الأدب الفلسطيني.

الأم: صحيح ان الارض صارت استعارة للمرأة، لكن رواية “أم سعد” بتأثيراتها الواقعية الاشتراكية (ام غوركي)، ستقدم صورة جديدة للأم الفلسطينية. فالأم التي تعيش في مخيم لاجئين قرب بيروت، ستتخذ شكلاً جديداً، وتظهر على الفدائيين الذين تسللوا من الجنوب اللبناني الى فلسطين وتقدّم لهم الطعام. هذه الأم نفسها ستكون رفيقة الشاعر في سجنه (قصيدة “أمي” لدرويش، والأم التي تلتحق بمغارة ابنها في الطنطورة، كما في رواية “المتشائل” لحبيبي).

الآخر – الاسرائيلي: في روايته الثانية، “ما تبقى لكم”، تكون العلاقة بالاسرائيلي – الآخر، مستحيلة. الحوار الوحيد بين الجلاد والضحية هو القتال. غير ان كنفاني سيجري تعديلاً جذرياً على هذا المقترب في رواية “عائد الى حيفا”، حيث يدور حوار حقيقي بين سعيد س. والمرأة الاسرائيلية التي تحتل منزله في حيفا، ثم يصل هذا الحوار الى ذروته التراجيدية حين يلتقي الفلسطيني بابنه خلدون، الذي نسيه في البيت لدى نزوحه من حيفا. خلدون صار جندياً اسرائيلياً يحمل اسم دوف، والحوار بين الأب وابنـ(ـه) يتخذ شكل مواجهة حول المعنى.

هذا الاسرائيلي الغائب عن الأدب الفلسطيني، وعن صورة الذات لنفسها، يظهر ايضاً، في أدب الارض المحتلة. فهو في رواية حبيبي يتخذ شكل رجل الشرطة والمخابرات، لكنه سيعرف انقلاباً جذرياً في شعر محمود درويش، “جندي يحلم بالزنابق البيضاء”، أو في صورة المعشوقة المستحيلة التي اسمها ريتا، وأخيراً في صورة الفتاة السمراء التي تسرق مرآة الشاعر في ديوان “لماذا تركت الحصان وحيداً”.

الاسم: لم يغب الاسم الفلسطيني عن أدب كنفاني، رغم ان قضية الاسم ستتخذ بعداً كبيراً في الشعر. فالاسم الفلسطيني لم يتعرض للنفي في اسرائيل وحدها، بل تمّ تغييبه عربياً بفعل مجموعة من العوامل المتشابكة: إلحاق الضفة الغربية بالاردن، تخوّف الانظمة من التسلل الفلسطيني،  وغلبة الخطاب القومي العربي. ولم يتخذ الاسم دلالاته الرمزية إلا في الشعر. من قصيدة “سجّل أنا عربي”، التي أعلنت التمسك بالهوية الفلسطينية في فلسطين، والتي اتخذت ببعدها الديموغرافي شكل التحدي (“وأولادي ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف، فهل تغضب”؟)، الى “عاشق من فلسطين”، حيث صار لفظ الاسم الفلسطيني اشبه بتعويذة سحرية من أجل توكيد الهوية.

العاشق: “العاشق” هو اسم رواية لم يستطع كنفاني انهاءها، فبقيت ناقصة مثل حياة مؤلفها، لكنها اشارت الى حالة تساهم في تحديد الوعي الفلسطيني. عاشق كنفاني، مجنون او ثائر او هو ابن “زمن الاشتباك”. موضوع العشق هو الارض – المرأة، ومساحته هي الرفض والعمل على التغيير. شخصية العاشق سيقوم جبرا ابرهيم جبرا ببلورتها في روايتيه: “السفينة” و”البحث عن وليد مسعود”، فتتم اسطرة الفلسطيني “القائد”، ويصير هو المغيّر والمثقف في العالم العربي. كأن جبرا، من دون وعي ربما، يستعيد صورة اليهودي التائه، المثقف الغني، ويسقطها على بطله الفلسطيني.

هذه العناصر السبعة، لا تغطي الرمز في الأدب الفلسطيني، بل قد لا تغطي جميع العناصر الرمزية في ادب كنفاني نفسه. فأدب كنفاني، تميّز بسمتين بارزتين:

السمة الأولى، هي بنيته الرمزية المختصرة، التي جعلت من رواياته، أشبه بقصص قصيرة – طويلة. أي أنها تحافظ على بنية القصة القصيرة من حيث وحدة الحدث فيها (“رجال في الشمس” و”عائد الى حيفا”)، أو تتشكل في متواليات قصصية (أم سعد).

لم تكتفِ هذه السمة ببناء المرجعيات الرمزية للهوية، بل استنبطت أيضاً وعاء رمزياً محكماً لهذه المرجعيات. فالرمز يفترس المقدمة. كأن كنفاني كان يبحث عن مقترب لكسر البديهية الفلسطينية، وتحويلها رموزاً مكتوبة. البديهة لا تحتاج الى كتابة لأنها موجودة في الشفهي، أما الرمز فلا يتأسس إلا في بنية سردية أو شعرية.

السمة الثانية، هي الصرخة.

كنفاني كان يصرخ بالألم والحلم. أذكر اني حين قرأت “رجال في الشمس” للمرة الاولى بعيد صدورها، أحسست ان حرارة الشمس والقيظ لا تقتل الفلسطينيين الثلاثة فقط، بل تنتشر في مسامي، وتدفعني الى ما يشبه الصراخ. ربما كان قدر المؤسسين في الثقافة المقاومة، ان يبقوا في حدور الرمز، ويجمعوا بدايات الحكايات وليس الحكايات نفسها. اذ اننا لا نكاد نعثر من تجربة النكبة سوى على صفحات قليلة من روايات كنفاني وقصصه. كان الكاتب معنياً ببلورة الكلمات في وصفها سلاحاً للبقاء والفعل في آن واحد. لذا اكتفى من الادب بالتقاط الملامح الاولى.

الموت الرمزي والموت الواقعي

لم يستطع أدب كنفاني تجاوز عتبة الرمز، لأن المؤلف نفسه صار رمزاً، ولم يترك له قاتله فسحة من الزمن تسمح له بأن يقترب من عملية بناء الرمز وتفكيكه، وهي عملية نجد بذرتها في رواية “الأعمى والأطرش” التي بقيت ناقصة أيضاً.

من كنفاني الى حبيبي وجبرا ودرويش وشماس، استطاع الادب الفلسطيني تأسيس صورة لوطن من الكلمات والرؤى والأحلام والذاكرة. ولقد تشكلت هذه الصورة في المنفى المزدوج، أي في العالم العربي والجليل. والصورة محكومة بصراع رمزي على الوجود. من يكتب الحكاية؟ هذا هو السؤال الذي يهيمن على الصراع المستمر في فلسطين منذ اكثر من نصف قرن؟

غير ان الموت الفلسطيني بدأ يتخذ شكلاً آخر في الانتفاضتين. فالرموز هنا صارت مكوِّناً للهوية ولم تعد بحثاً عنها، وبذلك اتخذت صورة أخرى، فأجبرت الرمز على التخلي عن دلالاته البدائلية، أي عن بنيته الكنائية. الكوفية أو الحجر أو الشهيد، صارت جزءاً من حياة يومية، يعيشها السكان الأصليون على أرض بلادهم، وليس في المنافي. حتى المخيم الفلسطيني في جنين او غزة او بيت لحم، اتخذ بعداً يتجاوز القرى التي طُرد منها السكان، كي يصير وحدة في ذاتها، ذاكرتها جزء من حاضرها، وليست بديلاً منه. وهذا ينعكس في شكل واضح على الخطابين السياسي والادبي، ويعلن ولادة لحظة تغيّر، لا تزال ملامحها غير واضحة، لكنها تقود الى بناء رؤية لفلسطين – الوطن، تضم في داخلها مقولة فلسطين الشتات لكنها تتحرر منها في الآن نفسه.

غير ان هذا التطور الكبير لن يتبلور إلا اذا استطاع الشعب الفلسطيني نيل استقلال دولته وسيادته. وهذه مسألة دونها الأهوال. فالسياسة الاسرائيلية التي تجسدها حكومة الوحدة الوطنية الشارونية، لا تزال تدور في حلقة “حرب الاستقلال”، أي لا تزال تسعى الى احداث نكبة فلسطينية جديدة، يجسّدها نظام فصل عنصري يطلق عليه الرئيس الاميركي اسم الدولة الموقتة. الممارسات الاسرائيلية اليوم، تعيد لغة الرمز الى بداياتها، والترميز هنا هو محاولة لاستبدال الكلمات بالمعاني، فالكلمة تحجب المعنى ولا تشير اليه، والصورة تشوّه الحقيقة ولا تسعى الى اكتشافها. عادت مصطلحات الارهاب والتخريب لتحتل اللغة العبرية في وصفها للفلسطينيين، بل دخل مصطلحان جديدان لوصف الاحتلال: المكبس واللحاف، وهما كنايتان بذيئتان عن قرار اعادة احتلال المدن الفلسطينية، ويستخدمهما كبار الضباط الاسرائيليين الآن كمصطلحين عسكريين. وتم تحطيم كل الحرمات: منع تجول دائم، اصطياد سيارات الاسعاف، تدمير البيوت على سكانها، جرف الأشجار المثمرة وأخيراً بناء سياج او جدار الفصل، الذي سيحوّل المناطق المأهولة بالسكان الى اقفاص.

الشعب الفلسطيني هو اليوم امام امتحان نهاية مرحلة كاملة من تاريخه، أي انه امام امتحان بداية جديدة.

لكن البداية هذه المرة لن تكون في فراغ. فلقد سال دم كثير وحبر كثير، ومن مزيج الدم والحبر وُلدت حكاية ورُسمت صورة وتشكلت هوية. البداية الجديدة ستُبنى على البداية الاولى التي صنعها جيل غسان كنفاني. فالنص الفلسطيني صار اليوم ارضاً ثانية تحمي الارض التي يدور حولها الصراع، وتعطيها تاريخاً وشخصية واحتمالات نمو.

عندما قتلت المخابرات الاسرائيلية غسان كنفاني في بيروت، وتمزق جسده أشلاء متناثرة، تحوّل الموت كاتباً خفياً يشاركنا مائدة الكلمات وأفق البحث عن الحرية.

Advertisements