علي حرب- مفكر يساري لبناني

1ـ قواعد اللعبة
ما يشهده العالم العربي، من حراك ثوري، في غير بلد، قد غير المعطيات وقلب المعادلات، بقدر ما فتح آفاقاً غير مسبوقة للتفكير والتعبير وللتخيل. ولا عودة إلى الوراء، إذ لا شيء، بعد الحدث، يعود كما كان قبله.
هذا ما فعله الناشطون والمدوّنون، من الأجيال الجديدة، ممن أطلقوا الحراك وفجروا الثورات في الميادين ومن على الشاشات. لقد غيّروا قواعد اللعبة وعلاقات القوة، بقدر ما فتحوا أفق التفكير الحي وأبواب الحرية أمام الجميع على اختلاف فئاتهم:
ـ رجل الشارع أو المواطن العادي الذي صار له رأي وموقف ودور.
ـ المرأة التي كسرت طوق الوصاية وشاركت في الحراك على قدم المساواة مع الرجل، وربما تسهم في تحريره من عقدته وخوفه وادّعائه.
ـ المثقفون الذين أخفقوا في مشاريعهم التحررية، فإذا بالثورة تأتي، من حيث لا يحتسبون، لتحرّرهم من سجونهم الإيديولوجية ومن كابوس النظام الأمني والغول السلطوي.
ـ وأخيراً، أسهمت الثورة في تحرير الإسلاميين وتغييرهم، على اختلاف فصائلهم، إخوانيين ونهضويين وسلفيين. إذ هي فتحت الفرصة أمامهم للوصول إلى السلطة عبر صندوقة الاقتراع، أي بالوسيلة الديموقراطية، لا بموجب مؤسسة الشورى؛ كما أنها نجحت في زحزحتهم عن ثوابتهم، اذ أجبرتهم على القبول بالدولة المدنية، والتخلّي عن إدراج الشريعة الإسلامية في بنود الدستور، كما فعل حزب النهضة في تونس، أو حملتهم على إنشاء حزب سياسي لا يعمل تحت يافطة دينية، كما فعل «الإخوان» الذين أسسوا حزب الحرية والعدالة في مصر.
ومع ذلك تثار التساؤلات والشكوك حول نيات الأحزاب الإسلامية واستراتيجيتها. هناك خوف، في داخل العالم العربي وفي خارجه، من أن تعمل على إقامة الدولة الدينية، لتطبيق الشريعة وأسلمة الحياة، تجسيداً لشعارهم القائل: الإسلام هو الحل. الأمر الذي أشعل النقاش والسجال، مجدداً، حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام السياسي في مسار الثورات وفي مصائر المجتمعات.
مقاربتي تقوم على ألا نؤخذ بالشعارات والتصريحات، التي هي مجرد ذرائع أو أقنعة لحجب الوقائع وتمويه المشكلات، أو لتبرير ممارسة الهيمنة والسيطرة.
من يتأمل مجريات الأمور وينظر في مآلات المشاريع والتجارب، يجد أن الإسلاميين لا مصداقية لهم، في ما يدّعونه أو يدعون إليه، سواء من حيث علاقتهم بالدين وقيمه، أو بالهوية وثوابتها، أو بالدولة وطبيعتها.
2 ـ الجوع إلى السلطة
لنتوقف عند القيم الدينية الجامعة، كالتقوى والتواصل والتعارف والتسامح والتآزر والتراحم، وسواها من القيم التي هي الأساس الذي تنبع منه الشرائع والأحكام المتعلقة بحفظ الحقوق وصون الحريات والكرامات. هذه القيم هي آخر ما يفكر فيه الإسلاميون، لأنهم يتصرّفون ككائنات سياسية يحرّكها الجوع الفتاك إلى السلطة من وراء الشعارات الدينية التي هي مجرد قشرة إيديولوجية يسهل تمزيقها وانتهاكها. هذا هو الهم الأصلي عندهم: الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها بأي ثمن كان، كما تشهد التجارب حيث حكم الإسلاميون أو هيمنوا. ولذا نراهم لا يحسنون سوى تقويض المبادئ ونسف الثوابت بالانتقال من النقيض إلى النقيض.
ولهذا، فالخشية لا تتأتى من كون الإسلاميين يريدون تطبيق الشريعة، ليس فقط لأن الشريعة لا يمكن تطبيقها إلا بضدها، بل لأنهم لا يطيقون ذلك، وإنما الأمر مجرد وسيلة لدغدغة مشاعر الجمهور ونيل تأييده. ما يُخشى منه هو أن يحتكروا السلطة ويصادروا حريات التفكير والتعبير، كي يكرروا، بشكل أردأ تجارب الحكومات الاستبدادية.
3 ـ الزيف والتضليل
بالنسبة إلى الهوية الدينية، يتصرّف الإسلاميون بوصفهم حُماتها وحرّاسها، في مواجهة الثقافة الغربية الحديثة. وأعتقد أن هذه الدعوة تفتقر، هي أيضاً، إلى المصداقية، لأن أكثر الإسلاميين هم، في النهاية، نتاج العصر الحديث بألقابهم (دكاترة) وأزيائهم وربطات عنقهم، فضلاً عن معارفهم وعلومهم وأدواتهم، ليس فقط في مجالات العلوم الطبيعية والرياضية والتقنية، بل أيضاً في حقول الفلسفة وعلوم الإنسان.
ولو جرّدوا من مكتسبات الحداثة وآثارها، لما بقي سوى النماذج البائدة والتصرفات الكاريكاتورية أو الإرهابية التي يفاجئنا بها السلفيون الذين تخرجوا من المدرسة الأم، أي من جماعة «الاخوان المسلمين»، وإن خرجوا عليهم. ولا عجب، فالماضي يعود إما كمسخرة وإما بشكله الإرهابي.
فليستيقظ الإسلاميون من سباتهم العقائدي. السلفيون، الذين يصدمونهم بتصرفاتهم البربرية التي يعتبرونها «مسيئة للإسلام والمسلمين»، كما ينعتهم زعيم حزب النهضة التونسي الشيخ راشد الغنوشي، هم الثمرة السيئة لما لقّنوه وعلّموه ونشروه طوال عقود، إذا شاؤوا أن يعرفوا أساس دعوتهم ومبنى أفكارهم. لنعترف بالواقع: الإسلام الفقهي والشرعي لا يطبق إلا على نحو ما يطبقه السلفيون. ولا أنسى، هنا نماذج غارودي العربي، من المثقفين العلمانيين الذين هلّلوا لعودة الدين، أو ركبوا موجته، أو مشوا في ركاب دوله وقادته، فيما هو يعود عودته المرعبة وينتهي نهاياته الكارثية أو الكاريكاتورية.
فالأجدى أن نعترف بالتحوّلات، إذا لم نشأ ممارسة الزيف الوجودي، إذ كلنا أصبحنا ذوي هويّات هجينة محوّلة. والعاقل هو الذي يندرج في زمنه، كي يشارك في صنع عالمه، مستفيداً من إنجازات نظرائه في الإنسانية، بصرف النظر عن هوياتهم وجنسياتهم. فكيف ونحن ننخرط اليوم في واقع كوني سمته الاعتماد المتبادل والتشابك في المصالح والمصائر! من هنا أنا مع رئيس وزراء تونس الشيخ حمّادي الجبالي في ذهابه إلى مؤتمر دافوس للتباحث مع الأوروبيين والأميركيين في ما يخص مسألة التنمية في بلده. فالعلاقات بين الدول تبنى على قيم المداولة والشراكة والتبادل، وليس بمنطق الصدام السياسي أو التمترس العقائدي والديني. لكنّي لست معه بقوله بأنه لا يعوّل على الإمكانيات الذاتية لتونس. لأنّ ما يعوّل عليه أساساً في كل بلد هو إمكاناته وطاقاته عند من يحسن إطلاقها أو استثمارها أو اجتراحها. وهذا يحتاج إلى أفكار خصبة خارقة، تؤدي إلى تجاوز الحدود وخلق شروط جديدة لتحسين مستوى العيش ورفع نوعية الحياة.
4 ـ خُرافة الثوابت
من هنا فإن مقولة الثوابت كما يطرحها حراس الهويات الدينية، هي من أكثر المقولات خداعاً وتضليلاً. إنها حديث خُرافة لأن الواقع هو حراكه المتواصل بقدر ما أن الفكر هو توتره الدائم، مما يعني أن العلاقة بالثوابت، ليست ثابتة بل متحوّلة باستمرار. ولو توقفنا عند الإسلام، نجد بأنه خضع للتبدل والتغير، على مدى تاريخه. ولو استثنينا الفرائض والطقوس، كالصلاة والصوم والحج، نجد بأنه ما بقي شيء على حاله، إذ كل شيء كان يتحرك ويتغير، أو ينمو ويتجدّد، أو ينكفئ ويتراجع، أو ينكفئ، من حيث معناه ودلالاته، أو من حيث قيمته ونِسَبِه، سواء بصورة صامتة وبطيئة أو معلنة وصريحة أو مفاجئة وعاصفة.
فالأجدى بالإسلاميين المعاصرين، من أصحاب المشاريع النهضوية والإصلاحية، أن يتحرروا من عقدة الشيخ محمد عبده،أي عقدة الهوية والمحافظة على الثوابت. هذا ما فعله شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي لم يقل ما حاجتنا إلى الديموقراطية ونحن نملك الشورى، بل أكد أن الديموقراطية، هي بديل عصري للشورى. من غير ذلك ننتهك الشرائع والمبادئ ونحمّل الاسلام ما لا يحمل، أو نسطو على إنجازات الغرب لنسبتها زوراً إلى القرآن.
5 ـ الاصطفاء والقصور
أصل من ذلك إلى عقدة تتحكم بفكر الإسلاميين وسلوكهم، هي الاصطفاء الذي هو سمة مشتركة بين الديانات التوحيدية التي لا تقدم نفسها، كمشاريع بشرية، هي ثمرة العقول والتجارب، بل بوصفها ذات مصدر إلهي، قدسي، متعالٍ… ومع أن هذه الديانات الإبراهيمية ذات مصدر واحد، فإنها تنفي بعضها البعض، لأن كل ديانة تعتقد بأنها وحدها من دون سواها تملك مفاتيح الإيمان والحقيقة والاستقامة. ويزيد المسلمون على ذلك كونهم يعتقدون بأن الله قد اختارهم واصطفاهم، كي يختم رسالته ويبلّغ إلى العالم آخر مقرراته.
ولكن، لا تأخذننا النرجسية الثقافية. فللاصطفاء وجهه الآخر. بمعنى أن الرسل والأنبياء، إذا شئنا تأويل الظاهرة، بعكسها، قد ظهروا في المجتمعات التي تحتاج إلى الوصاية، إما لقصور أهلها أو لأنهم لا يحسنون استخدام عقولهم في تدبير حياتهم وقَوْد مصائرهم. وبالعكس، فإذا كان ثمّة مجتمعات أو أقوام لم تعرف ظاهرة النبوّة أو لم تكن تحتاج إلى مثل هذه العقيدة أو الفكرة، فليس لأنها قد ضلّت السبيل، بل لأنها عرفت كيف تحمل المسؤولية عن نفسها وكيف تستخدم عقولها أو تشرّع لحياتها واجتماعها، من غير وصاية ربانية أو نبوية، كما كان من أمر اليونان والرومان. وهذا معنى ولادة الفلسفة والديموقراطية والشرائع الوضعية، كما تجسد ذلك في علمنة الرؤية إلى العالم وعقلنة الخطاب وتداول السلطة وإنشاء المجالس التمثيلية.
آن لنا أن نتحرّر من عقيدة الاصطفاء، التي ربما كانت ميزة في ما مضى (كالطائفية في لبنان)، ثم صارت علّة أو عُقدة، بل جرثومة، لأنها تلغّم العلاقات بين الطوائف والمذاهب، المتصارعة حول الأسماء والرموز والنصوص، وتشكّل عائقاً يشدّ المجتمعات العربية إلى الوراء، كي يحول دون تمكّنها من تحقيق تقدّمها ونموّها، لكي تشارك في صناعة الحضارة، على قدم المساواة مع بقية المجتمعات، وذلك من غير تهويم نرجسي أو تشبيح عقائدي، بحيث نتصرّف كسائر الناس، لا أشرف ولا أدْوَن، لا أفضل ولا أنقص.
6 ـ الدين مشكلة لأهله
من حيث علاقة الإسلاميين بالدولة بالدولة، لست لأبسّط المسائل وأزيّف الحقائق، كما يفعل علمانيون وليبراليون، يعتقدون أنهم بتأكيدهم على أن الإسلام دين لا دولة، يدحضون حجة الإسلاميين الذين يؤكدون على العكس، بأن الإسلام دين ودولة، من هنا سعيهم لإقامة دولة دينية أو خلافة إسلامية.
الأجدى الاعتراف بالواقع. الإسلام لم يكن مجرّد عقائد أو طقوس وفرائض، وإنما هو أيضاً أحكام وشرائع، أي قوانين استندت إليها الدولة في العالم الإسلامي، وعملت بها، على اختلاف أشكالها وأنظمتها وأطوارها، من خلافة الراشدين إلى السلطنة العثمانية. ولا مجال لنفي ذلك بحجب الواقع وتمويه المشكلة. ومن يفعل ذلك يبقى على أرض الأصولية والسلفية، ويخسر معركته معها قبل أن تبدأ.
غير أن الإسلاميين إذ يطــرحون شعار الدولة الإسلامية أو الحاكمية الإلهية أو ولاية الفقيه، لا يتماهون مع السـلف كما يدعون، لأن الدول في الإسلام، وإن استندت إلى الشريعة الدينية وأحكامها، لم تسمِّ يومئذٍ دولاً إسلامية، بل سمّـيت باسم القــائمين بها، فقيل الخلافة العباسية أو الدولة السلجوقية، إذ الدولة قد تخطئ. وعندها ينسب الخطأ إلى صاحبه، لا إلى المرجعية الدينية التي يعتبرونها مقــدسة. والأهم أنهم فصــلوا بين الحــكّام والعلــماء، أي بين السلطتين السياسية والرمزية للحدّ من الجور والاستبداد. اما المعاصرون فإنهم يريدون الجمع بين هاتين السلطتين، لكي يمارسوا بذلك استكباراً مضاعفاً دينياً وسياسياً.
على كل حال، لقد بدأ الإسلام ديناً ودولة، ولكن هذه الصيغة لم تعد صالحة، في هذا العصر، إذ من المستحيل أن تدار الدول وتبنى المجتمعات بتصورات الماضين للعالم ونماذجهم في العيش وأنساقهم الفقهية. من هنا فإن طرح الشعارات الدينية، أو السعي لأسلمة الحياة، إنما هو مشروع يعمل ضد الدولة والمجتمع والحياة.
أكثر من ذلك. بات الدين مشكلة لأهله، بالدرجة الأولى، لأن تنظيم الحياة وبناء الأوطان، على أساس العقائد والشرائع الدينية، ولكل عقائده ورموزه، إنما يوقظ الذاكرة الموتورة ويحرك الفتن النائمة ليغلب منطق العصبيات المغلقة والهويات الفرعية على المنطق الوطني الجامع، فاتحاً بذلك نفق الحروب الأهلية، سيما في البلدان ذات التركيب المجتمعي المتعدد، الطائفي أو المذهبي.
من هنا فإن قيام الدولة المدنية، العلمانية، المحايدة، والتي تبنى على أساس المساواة في المواطنة الجامعة، والتي لا تتبنى عقيدة طائفة معينة، قد بات مطلباً لا مهرب منه واستحقاقاً لا يمكن إرجاؤه، لأنه يردع الطوائف عن بعضها البعض، بقدر ما يتيح لها أن تمارس خصوصياتها الثقافية بحرية، ولكن تحت سقف القانون لا فوقه ولا ضده.
7 ـ جنّة السلطة أم جحيمها؟
لا يعني هذا النقد للدين، بالكشف عما يمكن له أن يفعله وعما لا يقدر عليه، إعطاء المصداقية للخائفين من وصول الإسلاميين إلى السلطة لكي يبرروا دعم الأنظمة القائمة المسماة علمانية.
فإخفاق الدول والمشاريع تحت يافطة العلمانية والتقدم والحداثة، معناه أننا تجاوزنا ثنائية الدين والدولة. ثمة دولة علمانية أنتجت أنظمة شمولية، بقدر ما تحولت إلى ديانات حديثة، فمارست بذلك أسوأ أنواع الاستبداد.
المهم كيف تمارس السلطات، أيا كان العنوان والشعار. قد تدار الدول بعقل مدني، تعددي، ديموقراطي، مبناه التوسط والتداول والشراكة، وبالعكس. قد تدار بعقل أصولي، اصطفائي، أحادي، لكي تنتج أشكالاً جديدة من العبودية، هي الأسوأ والأخطر، بقدر ما تجمع صنمية الزعيم الأوحد إلى قدسية المعتقد.
وفي ما يخصّ الإسلاميين، الذين فتحت أمامهم الآن جنّة السلطة، فإذا شاؤوا، أن يحكموا بالاستناد إلى الشريعة، فإنهم سيشهدون على جهلهم وادعائهم وعجزهم، بقدر ما يفشلون ويفتضح أمرهم، إذ من المستحيل، في هذا العصر، بناء دولة أو تنمية مجتمع أو تقدم بلد بأفكار الماضيين وشرائعهم ومعاييرهم وأدواتهم.
من هنا، هم الآن أمام التحدي. إما أن يتمترسوا وراء الثوابت لانتهاكها وتحويلها إلى عوائق أو مساوئ أو كوارث، وإما أن يتغيروا، في ضوء المتغيرات، بابتكار ما تحتاج إليه المجتمعات العربية، لكي تنمو وتتقدم وتشارك في ادارة الشأن الكوكبي من العناوين والمفاهيم أو الصيغ والنماذج أو النظم والوسائل… وذلك يقتضي إتقان لغة الخلق والإبداع، وبما يتيح إطلاق الطاقات الحية وتشغيل العقول المعطلة، لاستغلال الموارد أو لخلقها إن لم توجد، بتحويلها إلى نماذج للتنمية أو مراكز لإنتاج المعرفة أو صيغ لتداول السلطة وتطوير الديموقراطية…
8 ـ العين النقدية
أخلص من ذلك إلى القول: من السذاجة والغفلة الركون إلى الشعارات والتصريحات أياً كان أصحاب الدعوات والسلطات. فالإنسان لا يولد حرّاً كما توهّم روسو. ولا هو يحب الحرّية والعدالة والحقيقة، كما توهّم الكثيرون ممن ترجموا الشعارات بأضدادها، إذ تعاملوا معها كبداهات أو حقائق مسبقة، بينما هي وقائع يتم خلقها وإنتاجها، بقدر ما هي صناعة وتحويل، أو بناء وتركيب.
قد يقول الواحد، صادقاً، انه يحب الحرية أو الحقيقة. ولكن المرء ليس هو سيد نفسه أو مالك حرية سيما اليوم، حيث يفقد الكثير من سيادته على نفسه وعلى أشيائه. في أي حال ليس المرء ما يتصوّره أو ينطق به. الأهم والأخطر هو ما يحاول حجبه والتستّر عليه أو التهرّب من مواجهته، أو ما يستعصي على فهمه ممّا هو خارج عن نطاق التفكير وسيطرة العقل. هذا الجانب المنسوج من الأهواء والنزوات والحساسيات والعقد والأحقاد، هو ما يفاجئ ويصدم بالأعمال المسيئة أو الانتهاكات الفظيعة أو الإخفاقات الذريعة.
هذا ما يفسر لنا كيف أن السلطة لا تكف عن إنتاج التفاوت أو الاستبداد أو الاستبعاد أو الانتهاك، أياً كانت طبيعتها، ولو كان أصحابها دعاة حرية أو يؤمنون بالديموقراطية. تشهد بذلك أزمة الديموقراطية في المجتمعات الغربية، وتشهد به في العالم العربي، بنوع خاص، المآلات البائسة للمشاريع الحضارية المتعلقة بالنهوض والاصلاح والتقدم، سواء على جبهة الحداثة أو في معسكر الدين.
من هنا لا ديموقراطية من دون «عين نقدية» يمارسها المجتمع على نفسه، في أمكنة الفضاء العمومي ومؤسساته، عبر المعارضة السياسية، أو هيئات المجتمع المدني، أو انتقادات المواطن العادي، فضلاً عن الدور النقدي، التحليلي والتنويري، الذي يلعبه المثقفون على اختلاف اختصاصاتهم ومجالات عملهم.
بذلك نتجاوز ديموقراطية «البرلمان» التمثيلية الموسمية، نحو أشكال أخرى، قد تمارس، بصورة مباشرة، لكن استثنائية، كما في «الميدان»، أو بصورة يومية وحيّة، عبر «الشاشة والصحافة»، وتلك هي «الديموقراطية الفعّالة» المركّبة، المتعدّدة الأشكال والمستويات. انها عمل يومي لا يتوقف عن أعمال الرقابة والنقد والتدخّل… بقدر ما هي سيرورة متواصلة تغتني وتتجدد بتوسيع مساحاتها وأطرها وآلياتها.

Advertisements