دلال البزري

تفسيران يلوحان لإعطاء شيء من المعنى لما حصل يوم الاربعاء الأسود الماضي، عندما حلّ على لبنان شبح السلاح والأقنعة والخطف وقطع الطرق بقيادة عشيرة آل المقداد، والتي يُفترض انها من صميم البيئة الحاضنة لـ”حزب الله”:
التفسير الأول يقول ان هذه الزوبعة إنما هي من صنع الأيادي الحزبلهية؛ ولها من التراث بما يكفي في تقاليد الحزب “الشعبية”؛ مثل هجوم “الأهالي” على القوات الدولية في الجنوب، أو هجوم متظاهري “شباب الضاحية” على الجيش في مار مخائيل من أجل الكهرباء، أو “الهجمة” النسائية على محقّق دولي في عيادة طب نسائي في الضاحية الجنوبية، أو “غزوة كشافة حزب الله” لبيروت الغربية من “أمل” وحزب “قومي” في 7 أيار 2008… وغيرها مما يستحق التدوين من ضمن حوليات تاريخ هذا الحزب بعلاقته مع “الأهل”.
اذا كان هذا التفسير صحيحاً، فهذا يعني ان شيئا لم يتغير من حولنا وبالقرب منا، وبأن الحزب على الدرجة السابقة نفسها من الإعتداد بسطوته، بما يسمح له بالدفاع عن كل هذه “الانجازات” الأهلية؛ بالخطب الرنانة والتصريحات العنترية، التي أقنعت القاصي والداني بـ”إنتصاره التاريخي الاستراتيجي الإلهي” على اسرائيل في تموز 2006.
والحال، أن حسن نصر الله نفسه تملص من قيادة أركان هذا الشبح العشائري، اذ قال ان لا حزبه ولا “أمل” كانوا مسيطرين على “مجلسه العسكري”، ورمى الكرة، (لأول مرة؟) في ملعب غيره: “يجب ان تتصرفوا على هذا الأساس”، “على الكل تحمل مسؤولياته”. (من هم هؤلاء “الغير”؟ أو أولئك “الكل”؟ الدولة على الأرجح، التي دُمّرت بسلاح الحزب نفسه، وصار الآن مطلوب منها ان تستفيق…).
التفسير الثاني القائل بانفلات الأمر من أيادي الحزب، هو، جزئياً، الأقرب إلى الواقع، من غير إعفاء الحزب من مسؤولياته المباشرة وغير المباشرة عن هذا الانفلات. لماذا؟ ولماذا جزئياً؟
جزئياً أولا: لأن كل الممارسات وكل المعاني التي خرج بها أبطال يوم الاربعاء الأسود، أي عشيرة آل المقداد، هي من صميم التنشئة السياسية للحزب: كلها تشي برفض صميمي للقوانين والأعراف الناظمة لحياة المجتمع والناس، من خطف وتخويف وعرض سلاح وقطع طرق وحرق دواليب، وتهديد بالمزيد…. الذين نطقوا كلاًما على الشاشات شرحاً وإنذراً وتخويفاً وعروضاً، كانوا يستخدمون المفردات نفسها، السلاح نفسه، الأقنعة المخيفة نفسها… واللوم نفسه على الأطراف السياسية الخصمة، المحلية والاقليمية، وعلى الدولة ورئيسها ورئيس وزرائها، اللذين لم “يهتما” بالمخطوفين اللبنانيين في سوريا (إبن المقداد والأحد عشر زائراً، المخطوفين كلهم في سوريا).
كل هذا عهدناه: خروج عن منطق الدولة، نخرها من الداخل والخارج، وكسر لهيبتها القصوى، القائمة على احتكارها للسلاح… ثم بعد ذلك اعتماد وضعية المواطن المظلوم السائل عن دولة تحفظ حقوقه، تدافع عنه، تحميه الخ.
جزئياً أيضاً: لأن العلاقة التي أقامها الحزب مع العائلات والعشائر، كانت ملتبسة على الدوام. يضمها الحزب إلى بيئته الحاضنة، رغبة بالتوسع والجماهيرية وسط أبناء الطائفة الشيعية، ولكنه يحفظ لها “حقوقها” كعصبية قوية، تقوم على العدد والتضامن بين أفرادها؛ وذلك خوفاً من خسارة أصواتها انتخابياً. تتربى هذه الكتل “الأهلية”، ذات الاستعدادات السوسيولوجية على خرق القانون والدولة، تتعزز شوكتها بذلك، وتكون مهيأة في لحظة قدر على التفلت من سلطة الحزب، العاجز، في هذه اللحظة عن تلبية حاجاتها، وهي هنا استعادة مخطوف، فتخرج بعديدها ورجالها عن سلطتة الحزب فضلا سلطة عن الدولة، ويكون يوم الأربعاء الاسود، وما يتبقى منه فصولا.
على منوال مشابه، تقوم علاقة الحزب بالدولة وأطرها: قمصانه السود في العاصمة بثوا ذعراً لا يقل سواداً، منذ ما يقارب العامين، فتمكن من “الإمساك” بالحكومة والسيطرة على مكوناتها من وزراء، بحلف أو تفاهم، لم ينجح أحدهما يوما، لا في حل المشكلات المستعصية ولا باتخاذ الموقف الصارم من أي إجراء يتم التصويت عليه. لا مع حلفاء اللحظة ولا حلفاء “وثيقة التفاهم” تمكن الحزب من السير بما يلزم للبلاد.
الحكومة التي “أنجزها” الحزب باتت مثل صراعات امعاءات دقيقة مع بعضها البعض. صراعات مزمنة تفوح منها رائحة العفن. ونتيجتها ان لا لبنان ولا الطائفة الشيعية التي يعتد الحزب بحمايتها، ينعمان بالحدّ الأدنى من العيش الكريم: لا كهرباء تمكن الحزب من تحقيقها، ولا أمن ولا أخلاق ولا حد أدنى من نظام، أو استقرار في معقله؛ بل انه، بمواقفه وتحياته وتنصلاته، عرّض الشيعة للخطر من جهة، أو للطرد من مكان رزقهم من جهة اخرى…
لكن المسؤولية لا تقع على الحزب بمفرده: نظام المحاصصة، الناظم لتوزيع خيرات الدولة لم يوجده الحزب. انه النظام المعمول به في حياتنا السياسية. الحزب وقع في شركه عندما تمردت عليه تكتلات أهلية “حليفة”، عشيرة آل المقداد في حالة أربعائنا الاسود؛ أو ربما “سايرها” عندما ظهرت إرهاصات تمردها، واعتقدت، في مكابرتها العنيدة، انها قد تمر كما مرت تمردات الاهل السابقة. لكنها تفلتت، ولم يعد هناك لا “غطاء” ولا كابح… وبدت المدينة مثل لقمة سائغة في فم وحش غير واضح المعالم.
ولكن، ما الذي منح هذه الكتلة العشائرية كل هذه القوة الضاربة؟ للمفارقة، انها استمدت فائض قوتها من دماء السوريين الثائرين على نظامهم منذ ما يقارب السنتين، هؤلاء الذين استطاعوا أن يهزوا العرش الأسدي، وأن يهددوا كل الخيوط الاقليمية التي أقامت عروشها الرديفة على انقاض عيش السوريين وكرامتهم. استمدت فائض قوتها من فراغ في القوة أحدثه تآكل النظام. قوة حزب الله من قوة البعث، وأي تهديد لهذا الأخير هو تهديد لحزب الله؛ يفرغ من قوته ليعطيه لقوة أخرى جديدة، كانت صاخبة ومشاكسة، ولكنها غير خارجة عن سلطة الحزب المطلقة، وقد بنى هذه الأخيرة على أساس أنها “إلى الأبد” (من يتذكر صراخ أحدهم في اعتصام حزبه الالهي في الوسط التجاري لمدينة بيروت عام 2006 ، من ان حزب الله، هو أيضا، “إلى الأبد”؟).
ولأن الحزب ربح البلد أيام كان البعث يعد نفسه بالخلود، فان أي مسّ بأسباب هذا الخلود، سوف يكون مسا بقوة من قام عليه. هكذا ظهر آل المقداد في تنظيمهم لفلتان المدينة: يملؤون فراغا في القوة، أحدثه الزلزال السوري.
هذا التغير لا ينحصر بحزب الله. إنه يطال أيضاً الأطراف الاخرى، الخصمة. وصعود السلفيين في الوسط السني، في صيدا وطرابلس، والثقل الجديد للاخوان المسلمين اللبنانيين (“الجماعة الاسلامية”) في الوسط نفسه، خير دليل: ليس فقط على ضعف أصاب الزعامة السنية التي قامت ركائزها على التوازن القديم، أو لأن التياران الاسلاميان، السلفي، وبدرجة أقل، الإخواني، صعدا بعد 7 ايار، ضمن عملية محاكاة أصولية سنية لأصولية شيعية مزدهرة… كما تماهت الأصوليتان معاً، الشيعية والسنية، مع الأصولية اليهودية، تبريراً لمزجهما بين الدين والدولة. ليس هذا فحسب؛ إنما أيضا لأن أجنحة الأصولية السنية باتت ترفرف في السماء العربية بعد الثورات، بعدما حلّقت عقودا قبلها في السماء الإسلامية الشيعية. تلك هي لحظة القدر التي يكابر حزب الله ولا يريد النظر إليها.
خير دليل على التعامي عن هذا الواقع خطاب حسن نصر الله الأخير، الذي برأ نفسه فيه من مسؤولية تهمة انفلات الاربعاء الاسود. من دون التفوه بكلمة واحدة عن المجازر التي يرتكبها حليفه يومياً بحق الشعب السوري، على بُعد أقل من مئة كيلومتر، ولا عن تلك المجزرة التي حاول تصديرها عبر أبرز مثرثريه حول “المؤامرات الأميركية الصهيونية”، ميشال سماحة. فهو غير معني إلا بـ”شهداء” النظام، من امثال شوكت وراجحة والتركماني والشعار.
كل هذا لا يعرفه “سيد المقاومة”. هو يقوم بما يعرف: تهديد الاسرائيليين بالقتل. اذا هاجمتنا اسرائيل، يصرخ ويقسم… آلاف القتلى… فيما اسرائيل تعد العدة لشن حرب ضد ايران، لا توافق عليها لا الولايات المتحدة ولا ما يقارب نصف الاسرائيليين ونصف طبقتهم السياسية، فضلا عن قيادات أركان عليا في جيشهم. ومع ذلك تتحضر اسرائيل لكل الاحتمالات: ملاجئ، ستر واقية من الغاز السام، تدريبات مدنية على مواجهة الاخطار، مناورات عسكرية…. هل هيأ نصر الله وحزبه شيئا من هذا القبيل؟ ليس لبقية اللبنانيين الذين لن يؤثروا على زعامته، ولكن للشيعة بالذات؟ هل يتصور مثلا ان يُقتل عشرات الآلاف من الاسرائيليين من دون أن يُخدش لبناني؟ وإلى ما هنالك من تساؤلات، تبدو احيانا ساذجة لشدة ما تكررت في سرنا طويلا…
وفي اليوم الثاني بعد الخطاب، تكون مقدمة نشرة قناة “المنار” الحزبلهية، شماتة بـ”العدو”، الذي “خاف” من تهديدات نصر الله بالموت… يا فرحتنا بخوف “العدو” منا! كأننا لم نتعلم بعد ان خوف اسرائيل منا يفتح لنا أبواب جهنم على مصراعيه.
أما بعد لائحة الفشل غير المكتملة هذه، يصحّ الآن على الحزب، أو ربما بعض اعضائه الذين لم يسترخوا على نعيم الامتيازات والاعفاءات والتجاوزات، أن يتوقفوا عن المكابرة، أن يصحوا على ما يدور حولهم، أن يراجعوا رؤاهم… قبل أن ينجرفوا، ومعهم لبنان الى أيام سوداء، ليس الأربعاء منها إلا بروفةً لطيفةً.

Advertisements