سليمان تقي الدين

يعرف «حزب الله» أكثر من سواه مزاج الناس ومواقف القوى السياسية والجماعات الطائفية. ويعرف أكثر أنه مستهدف من الخارج والداخل وما يدور حوله من حراك ضد ما يسمى «خطر» الحزب تحديداً والشيعة بوجه عام. في الظاهر يتعامل الحزب مع هذا المناخ بالاستقواء. يبدو واثقاً من استعداده لمواجهة أي عدوان إسرائيلي وهذا مدعاة اعتزاز وقوة للبنان وإعجاب، ويستحق ذلك التأييد والدعم والاحتضان.
لكن هذا يحتاج إلى جلاء أمرين: الأول يتعلق باستراتيجية الحزب في الصراع مع إسرائيل وما إذا كانت تأخذ بنظر الاعتبار إمكانات لبنان وقدرته على احتمالها، وما إذا كانت دفاعية تتقاطع مع روافد أخرى، أم أنها تبالغ في تحميل نفسها ولبنان ما لا يحتملان، أو أنها بالأصل لا تنبع من أولويات وأهداف لبنانية. أما الأمر الثاني فهو موقع هذه القوة اللبنانية ودورها في حل مشكلات البلاد الداخلية ومساهمتها في صياغة الوحدة اللبنانية، ولأي هدف وبأي أفق ولأي مجتمع ودولة.
هناك التباس أصلي في مشروع «حزب الله» يكبر نتيجة انخراط الحزب في الصراع الإقليمي، ونتيجة انخراط الحزب في السلطة اللبنانية مرة كشريك طائفي وهو يتبنّى «التوافقية الطوائفية»، ومرة كطرف نازع إلى هيمنة يحاول تسويغها بحاجات موقعه الدفاعي الوطني أو «المقاوم».
لا ندّعي أن هذه الإشكالات بسيطة والإجابة عنها سهلة في بيئة مركّبة من صراعات الخارج والداخل والمكوّنات الموروثة وتعقيداتها ولا سيما تلك التي جعلت من «حزب المقاومة» حزباً شيعياً.
بداية نأمل أن يكون واضحاً موقع الأسئلة الحريص على إنجاز مقاومة «حزب الله» الباهر وعلى المحافظة عليه وتطويره وتوظيفه وطنياً وإقليمياً. ولسنا ممّن يتوهمون أو يتذاكون في الحديث عن «لبنانية» مقطوعة الجذور والاتصال بالصراع الدائر على تشكيل المنطقة ونظامها وترتيب توازناتها ومصالحها. ولسنا ممّن يتجاهلون السياق المتعرّج للوطنية اللبنانية والتفاوت الموضوعي في أدوار الجماعات وخصوصيات مساهمتها.
بل أن الهاجس الذي يقلقنا هو في كيفية إيجاد التوازن الضروري بين المصالح الوطنية اللبنانية وبين مساهمة لبنان عامة وجماعاته خاصة في القضايا العربية التي لا نملك حرية الخيار في التخلي عنها.
أما مخاطبة «حزب الله» اليوم فهي أقل طموحاً من استثارة نقاش حول قضايا التحرر الوطني ومن مراجعة التجارب المريرة التي تكاد تتكرر بتضحيات هائلة وبمردود ضعيف على صعيد التقدم الاجتماعي والإنساني. نحن اليوم في قلب معركة دفاعية بعد أن نشأت ظروف نتحمّل معظم المسؤولية عنها وهي تنقل المواجهات من حدود الدول وكياناتها إلى داخل المجتمعات العربية وتضعنا مباشرة أمام تحديات صوغ اجتماعنا السياسي العربي والوطني، وتفرض معالجة أزمات منها العلاقة بين الطوائف والمذاهب والإثنيات كما العلاقة بين دول المنطقة المتورطة في هذه النزاعات. هذا النوع من المشكلات تستحيل معالجته بمنطق القوة والغلبة. بل هو نشأ أصلاً من رحم صراع العصبيات والمغالبة والهيمنة. نحتاج اليوم إلى مشروع سياسي يمثل تقدمه تقدم المجتمع والدولة. مشروع سياسي يصارع ويضع رصيده وإمكاناته كلها في الميزان لكنه يطرح على الآخرين فكرة جاذبة تستجيب لطموحاتهم وتتعامل مع هواجسهم وتسعى إلى إدراجهم في مشروعها. وليس يكفي في فهمنا هذا أن تكون جهة صاحبة قضية مشروعة لكي تؤمّن حولها الإجماع أو التأييد ولنا من تجربة الشعب الفلسطيني أكبر دليل.
في الأردن وفي لبنان خسر الشعب الفلسطيني بيئته العربية الحاضنة. فشلت قيادته في التعامل مع خصومها بالرؤية السياسية الاستراتيجية وفشلت في الاحتفاظ بأصدقائها. وما كان في لحظة تاريخية سلطة ونفوذاً وقوة تحوّل إلى عبء حين تراخت الأرض وتبدّلت الظروف.
لسنا من السذاجة لكي نتجاهل أو نقلّل من أهمية المشروع السياسي الدولي والإقليمي ومن قواه المحلية الذي انطلق عشية التحرير لتحجيم مفاعيله وتداعياته. لكن إدارة الصراع مع هذا المشروع هي المسألة الأساسية. فعلى مدى سنوات الأزمة الأخيرة افتقد «حزب الله» (أي حزب المقاومة) الرؤية السياسية في التعامل مع تعقيدات الوضع الداخلي. وإذا كان البعض من هذا الخلل يعود بطبيعته إلى البنية الذاتية فليس هذا ما يقطع بانغلاق هذه البنية على خيار حتمي.
فلا بد لهذا الحزب الجماهيري أن يبحث عن خيار واقعي وممكن في التكوين اللبناني، ولا بد له أن يستجيب لمعطيات ضاغطة في الإطار الإقليمي والمحلي ومراجعة خطابه وممارسته في تكيّف ضروري لاستنقاذ المشروع الأصلي سواء كان مقاومة أم تحريراً لجماعة أم شراكة فاعلة في صياغة موقع لبنان ودوره وتكوين دولته ونظامه.
في هذه اللحظة السياسية يحتاج الحزب وتحتاج الطائفة الشيعية كما غيرها من الجماعات إلى سياسة الانفتاح والحوار والشراكة لحفظ لبنان وحفظ جماعة أساسية فيه وحفظ منجزاته الوطنية. هناك مناخ سياسي أكثر من بشع يعم أوساطاً واسعة يحمّل «حزب الله» والطائفة الشيعية مسؤولية الأزمات اللبنانية ويصوّب على «خطر» الحزب والطائفة ولا سيما في وضع لبنان كجزء من صراع إقليمي متعدد الاتجاهات ومنه الصراع الشيعي ـ السني. وهناك سياسات يعتمدها الحزب تستنسخ التجربة الفلسطينية وتجربة الإدارة السورية للبنان وتتجاهل هواجس الآخرين ومصالحهم.
ويعتمد «حزب الله» خطاباً فوقياً لا مرونة فيه غير آبه بما يعنيه ذلك من استقواء أياً كان سببه ومصدره، ما يزيد إصرار الآخرين على تركيز المخاطر والمشكلات على «الحزب» ودوره، خاصة وهو يقطع في ترجيح مصالحه «كجماعة» حزبية أو طائفية في مواقفه الإقليمية.
فهل يأخذ الحزب على محمل الجد أسئلة الناس أم هو لا يسمع حتى أقرب التذمرات من بيئته ومن حوله!؟

Advertisements