من المفيد التوقف عند بعض الدروس بعد الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في غزة

1-  لقد قام نتنياهو بعدوانه على غزة لأسباب أولاً داخلية تتعلق بالانتخابات المقبلة… وثانياً دولية لتوهمه بأن العرب بعد الربيع العربي لن يقوموا بأي جهد لوقف عدوانه ما يسمح له بابتزاز الإدارة الأميركية الجديدة فيقايض “ضربة إيران” المؤجلة بتدمير غزة على رؤوس أهلها…

2-  وكان في ذهن نتنياهو أن إيران وحزب الله سيدخلان المواجهة وذلك للتخفيف عن نظام الأسد مأزقه التاريخي وسقوطه الحتمي ، ما يسمح للعدو الصهيوني بإعادة الاعتبار إلى التعبئة الاسرائيلية-الأميركية حول شعار مواجهة “الارهاب الاسلامي”…

3-  ولكن نتنياهو تفاجأ أولاً من رد حماس وثقتها بنفسها على حد تعبير عزمي بشارة، ومن قدرتها اللوجستية والعسكرية وإصرارها على القتال والصمود بمعزل عن إيران وحزب الله لا بل برغم خروجها من سوريا وقطع علاقاتها بما يسمى محور الممانعة (وقد أكد الأخ خالد مشعل مسألة قطع العلاقات هذه في مؤتمره الصحفي)…

4-  ومفاجأة نتنياهو الثانية كانت في التحرك المصري-التونسي السريع إلى غزة… ثم في الموقف العربي الموحد المتضامن القوي ضد العدوان وإلى جانب حماس في مؤتمر وزراء الخارجية العرب والذي تجسد في الوفد الوزاري العربي الذي دخل غزة فكسر الحصار وأربك ضربات العدو…

5-  ومفاجأته الثالثة كانت في الوحدة الوطنية الفلسطينية الرائعة… هذا ناهيك عن مشاركة فتح والجبهتين الشعبية والديموقراطية إلى جانب حماس والجهاد في الرد على العدوان…

6-  وأول دروس غزة اليوم هي الوحدة الفلسطينية والتضامن العربي… فهما وحدهما من أوقف العدوان وكسر الحصار على غزة وهما وحدهما ما سيسمح لاحقاً بتطوير الوضع الراهن إلى نقطة انعطاف تاريخية في مسار الصراع مع اسرائيل…ومخطئ من لا يرى أن ميزان القوى السياسي بعد الربيع العربي كان لمصلحة حماس والمقاومة الفلسطينية وأن المطلوب هو تصليب هذا الميزان الجديد وتحويله إلى واقع تاريخي دائم ومتطور…

7-  وثاني الدروس هي أن كسر الحصار المفروض على غزة سيفتح الطريق أمام مشاركة عربية أقوى في حماية خيارات الشعب الفلسطيني وفي حماية الأمن العربي الإقليمي وفي استعادة المبادرة العربية على الصعيد الدولي.. وينبغي أن تكون الخطوة التالية انتزاع الاعتراف الدولي في الأمم المتحدة رغم أنف الإدارة الأميركية ، ثم إجراء انتخابات تعيد توحيد الضفة والقطاع وانتاج إدارة سياسية فلسطينية جديدة تفتح شبابيك الأمل لشعب فلسطين العظيم..

8-  وبغض النظر عن الموقف من أنظمة ما يسمى بالاعتدال العربي فإن غزة قد فرضت أجندة أنظمة الربيع العربي على الجامعة العربية…وهذا ما حدا ببعض الدول إلى الغياب عن الاجتماع نفسه.. ومن هنا فإن الخطوة التالية تتمثل في تطوير هذا الوضع الجديد نحو تحقيق دور أكبر لمصر وتونس والمغرب وليبيا والائتلاف الوطني السوري ونحو إعادة بناء التضامن العربي على أسس جديدة تكون لمصلحة القضايا العربية العادلة ولمصلحة الديموقراطية والحرية والكرامة…

9-  ولم تفلح محاولات البعض تصوير المعركة على أنها بين محور الممانعة (الدجال) من جهة وعملاء أميركا(الاعتدال) من جهة أخرى… ذلك أن ثورات الربيع العربي لم تعد تسمح بهذه البهلوانات الفارغة التي انتهت مدتها ومفاعيلها…والانقسامات السابقة على الربيع العربي صارت في خبر كان… والنظام العربي الجديد يعاد تشكيله بأيدي قوى شعبية جديدة هذه المرة..

10-                     وآخر الدروس أن شعب فلسطين العظيم الذي لم ينس دور إيران وسوريا وحزب الله في دعم حماس أيام الحصار، لم يقايض هذا التاريخ بحاضر الدعم الظالم للنظام المجرم في دمشق… وهذا أغلى الدروس… فقد أوقفت إيران وسوريا الدعم لحماس منذ أشهر ما يعني أن أولوية قضية فلسطين بالنسبة لهما لم تكن سوى أولوية حسابات خاصة وليس أولوية قضية عادلة…

Advertisements