نشرت على موقع Sanhati سانهاتي بتاريخ 16 يوليو 2011

Zhun Xu  تشون شو

الكاتب عضو في قسم الاقتصاد في جامعة ماساتشوستس، أمهرست

ترجمة: راشد سلمان – الكويت

   شهد هذا العام زيادة غير مسبوقة في المعارك السياسية بين اليساريين الصينيين عندما بدأت كافة المنتديات والمواقع اليسارية الرئيسية على الانترنت بنشر السجالات السياسية المريرة أو القاسية لمختلف المواقع المعارضة، وقد يستغرب المراقب الخارجي اكتشاف مثل هذه الاختلافات الكبيرة لدى ’’اليسار‘‘، ففي هذه المنتديات تمت مناقشة مختلف القضايا، ولكن رهانالعملية السياسية الجارية يحوم حول ما إذا كان يجب أن يكون اليسار حليفاسياسيا للقيادة الحالية للحزب الشيوعي الصيني أم لا، وهل من برنامج سياسيموحد لمعسكر اليسار.

   وتسعي أحدي هذه المجموعات الداعمة للحكومة الصينية منذ زمن طويل إلي نشر معظم مشاركاتها في واحدة من أكبر المنتديات اليسارية على الإنترنت في الصين (يوتوبيا، أو وو يو تشى شيانغ) ، وهي تحاول توحيد اليساريين تحت رايتها المؤيدة للحزب الشيوعي الصيني والداعية لإصلاحات في إطار النظام الحالي ’’لاستعادة الاشتراكية‘‘، في حين أن المجموعات الأخرى، والتي تنشر معظم مشاركاتها في منتديات الإنترنت الأصغر انتشارا (نسبيا) ، تتخذ موقفا مختلفا ويجادل بأنّ الاشتراكية لا يمكن أن تبنى في إطار رأسمالية الدولة القائمة.

   وبينما تصف المجموعات المؤيدة للحزب الشيوعي الصيني معارضيها بأنهم ’’متطرفين‘‘، فإن خصومهم من المجموعات الأخرى يضعونهم في المقابل في خانة’’ الرجعية والانتهازية.‘‘

   ولطالما كانت أوساط اليسار الصيني مختلفة جوهريا في إجاباتها علي السؤال الأكثر أهمية لأي برنامج سياسي: 

   من هم أصدقاؤنا؟ ومن هم أعداؤنا؟

   بعض الاتجاهات (المعسكر اليساري الأول) تجادل علي أنه بالرغم من أن الصين أصبحت إلى حد كبير مجتمعا رأسماليا، وأن هناك صراعا طبقيا بين العمال والأثرياء الجدد بما في ذلك كوادر الحزب الشيوعي الصيني وفئة الكمبرادور، إلا أنها تري أن التناقض الرئيسي هو بين الصينيين كشعب، من جهة، و’’القوى الاستعمارية‘‘ مثل النفوذ الإمبريالي للولايات المتحدة، من جهة أخري.

   ويعتبر تشانغ كونجليانغ الأستاذ في جامعة منتسو في الصين الكاتب السياسي الأشهر على شبكة الإنترنت، وفي كثير من الأحيان يعتبر الزعيم الروحي لهذا المعسكر. ورغم أن مقالات تشانغ كونجليانغ  تؤكد علي الأهمية الدائمة للصراع الطبقي، إلا أنه يعتبر الصراع العرقي أكثر حيوية بالنسبة له. وللأسف نجد الكثير من الأفكار الرجعية في كتابات تشانغ، على سبيل المثال، ادعى تشانغ  مرارا أن الشعوب الأنجلو- ساكسونية (وهو التعبير المفضل لديه لوصف الإمبريالية) لديها خطة إبادة جماعية ضخمة لقتل الشعب الصينى. ولنقرأ كلماته التالية: “الصراع العرقي غيّر جذريا الصراع الطبقي، فلم يعد الصراع الطبقي في أيامنا هذه يعني أو يتعلق حول من يسيطر على الدولة بعد الآن، بل هو يتعلق ما إذا كانت الصين سوف تتعرض للتدمير (من قبل الشعوب الأنجلو- ساكسونية وحلفائها). ولمواجهة خطر ’’الإبادة الجماعية‘‘ لابد من الاحتضان المخلص للحكومة وهزيمة ’’الإمبريالية وحلفائها‘‘ وأيضا ’’اليساريين المتطرفين‘‘ على حد سواء (في الداخل الصيني).

   وهناك أناس آخرون يعبرون عن نفس وجهة نظر تشانغ مثل الأستاذ في جامعة بكين كونغ كينغدونغ، وهم يقولون بأن أولئك الذين يريدون الإطاحة بالنظام الحالي من خلال الثورة ما هم إلا مجانين وهم ’’ماركسيون أصوليون‘‘، وليس هناك فرق بينهم وبين الإمبرياليين الذين يقفون جنبا إلى جنب مع حلفائهم الصينيين (الماركسيين الأصوليين).

   تحظى كتابات تشانغ كونجليانغ والآخرين بشعبية كبيرة بين القراء الشباب، بما في ذلك الطلاب القوميين و ذوي التوجهات اليسارية. وعلى الرغم من أن معظمهم يدعون مرارا وتكرارا أنهم من الشيوعيين الماويين إلا أنهم في الحقيقة لا يستخدمون التحليل الماركسي. ويودون التخلص من مفاهيم مثل ’’الصراع الطبقي‘‘ و ’’الإمبريالية‘‘ وغيرها من المصطلحات الماركسية، ولكن كما رأينا ، فإن القومية المشبعة ببعض النكهات النازية هي رسالتهم الحقيقية.

   آخرون في هذا المعسكر قد لا يحملون بالضرورة نفس أفكار تشانغ كونجليانغ أو كونغ كينغدونغ، ولكن يبدو أنهم متفقون جميعا على أن شعار ’’إنقاذ الحزب‘‘  مطابق تقريبا لشعار ’’الدفاع عن الوطن‘‘ أخذين في الاعتبار وجود الإمبرياليين وفئة الكمبرادور المرتبطة بهم. ولذلك، فإن هؤلاء  يميلون إلى الاعتقاد بأن الطبقة الحاكمة في الصين هي في نهاية المطاف صديقة لهم، في حين أن مَنْ يعارض هذه الطبقة الحاكمة ينظرون إليه علي أنه عدوهم.

   وفي محاولة لهم من أجل التوفيق بين هذه الرؤية والتحول الواضح لليبرالية الجديدة خلال العقود الثلاثة الماضية، يقولون أن سيطرة الفصيل المعادي لفكر ماوتسي تونغ علي السلطة هو الذي دفع الصين قدما في طريق الرأسمالية، وإذا تحقق ’’للاشتراكيين‘‘ الحقيقيين في الحزب السيطرة على السلطة حينها يمكن للصين أن تتخذ طريقا مختلفا تماما!

   وإذا جئنا إلي المعسكر اليساري الآخر (الثاني) نجد أنه يتضمن وجهات نظر مختلفة تماما عن طبيعة المجتمع الصيني والعدو الرئيسي لليسار. وعلى الرغم من أنه لا يزال من الصعب التعميم  بشأن سياساتهم، فهم ينظرون إلى أن الصراع الطبقي بين العمال والرأسماليين هي المسألة الأكثر أهمية. فبدلا من تقسيم قادة الحزب إلي فصيلين أحدهما موالٍ للاشتراكية والثاني موالٍ للرأسمالية، فإنهم يميلون إلى التعامل مع جميع قادة الحزب على حد سواء باعتبارهم الممثلين السياسيين للبرجوازية، وكل ما في الأمر أن هذين الفصيلين لهما مواقف مختلفة تماما بشأن كيفية بناء الرأسمالية بأمان (وبالتالي ثرواتهم  العائلية).

   لذلك، فإنه لا معنى أبدا (في وجهة نظر هذا المعسكر) لأن يصبح الماركسيون حلفاء للحكومة الصينية لمجرد مكافحة ’’الإمبريالية‘‘، وهم يؤكدون في الوقت نفسه علي أن الأعداء يتمثلون في كل من البرجوازية المحلية والإمبرياليين.

   من الواضح أن المعسكرين المذكورين يحملان وجهات نظر مبدأية متناقضة حول الصين، ولكننا نتساءل:  لماذا بدؤوا فجأة في محاربة بعضهم البعض بينما كانوا علي وفاق نسبي في السابق؟ للإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا مناقشة الخلفية التاريخية والمسار الحالي.

   بالطبع لا يمكن تصور  حدوث مثل هذا الحوار في الصين خلال معظم الثلاثين عاما الأخيرة، فبعد وفاة ماوتسي تونغ في عام 1976 لجأت قيادة الحزب الشيوعي مباشرة لسياسة التخلص السريع من جميع اليساريين في اللجنة المركزية، وبدأت هذه القيادة في اتخاذ طريق التحول الانتقالي الطويل، ولكن الثابت نحو الرأسمالية كما نراها الآن. أما لماذا غيّر الحزب الشيوعي الصيني رسالته فذلك أمر أخر تمت مناقشته في مناسبة أخري.  

   وللتوافق مع هذه المرحلة الانتقالية تمت إدانة وتجريح (بقدر الإمكان) الفترة الثورية السابقة وأصبح المجد لمَنْ يغتني شعار الايديولوجية الرسمية. وتم اعتبار مذاهب الثورة “القديمة” متخلفة عن العصر أو متطرفة أو حتى “رجعية” ولا تتناسب مع التنوير والتنمية في الصين.

   بالإضافة إلى ذلك، جلب إطلاق عنان السوق بعض التغييرات الإيجابية المؤقتة في حياة الشعب الصيني في الوقت الذي تم فيه الإبقاء علي بعض العناصر الرئيسية للاشتراكية، مثل مستوي التوظيف الكامل (تقريبا) للأيدي العاملة. لذلك اعتقد المثقفون وكثير من أفراد الطبقة العاملة أن ’’الإصلاح‘‘ هو الطريق السليم، وكانوا يعتقدون أن التناقض الرئيسي في الصين، في ذلك الوقت، يتمثل في الصراع بين النظام القديم والإصلاح.

   بالطبع، تغيّر كل شيء عندما واجه الإصلاح الاقتصادي صعوبات كبيرة في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، فقد تأثرت حياة الناس وعانوا من تضخم هائل لم يسبق له مثيل في الصين الاشتراكية، ومن البديهي أن الاستقطاب في زيادة الدخل والفساد المريع ترافقا دائما وجنبا إلى جنب مع اقتصاد السوق. لقد أصبح الناس أكثر وأكثر مرتابين حول الإصلاح الجاري آنذاك وبشأن الحزب الشيوعي الصيني نفسه، والذي أدي، جنبا إلى جنب مع العوامل السياسية الأخرى، إلى مظاهرات سياسية في كل أنحاء البلاد في عام 1989، وهو ما حدث أيضا في البلدان السوفياتية الأخرى. وكان الفارق أن هذه الحركة في الصين قد فشلت بسبب القوة العسكرية، وقد وضع ذلك حدا لفوضى ثمانينيات القرن الماضي.

   على الرغم من أن حركة 1989 نفسها نشأت بسبب العديد من النتائج السلبية التي رافقت التحول الليبرالي- الجديد للحزب الشيوعي الصيني، إلا أنه بحلول ذلك الوقت لم يكن هناك وعي ذاتي حقيقي لدي اليساريين ولم يقدموا أي حل ماركسي من قبلهم. بدلا من ذلك، كان قادة الحركة المنحدرين من البرجوازية الصغيرة تنصب رؤيتهم في رأسمالية الليبرالية-الجديدة، وهي في جوهرها لا تختلف كثيرا عن رؤية الحزب الشيوعي الصيني نفسه. فبعد مرور ثلاث سنوات فقط من الهدوء بدأ الحزب الشيوعي الصيني في عام 1992 بالاحتضان الرسمي لسياسة ’’اقتصاد السوق‘‘، وقد تسارعت بشكل كبير عملية التحول إلى الرأسمالية. ومن هنا بدأت في الظهور المعارضات السياسية لنموذج الليبرالية-الجديدة الجاري.

   أشار العديد من المثقفين الصينيين إلى تميّز ثمانينيات القرن الماضي بكونها أفضل أيامهم القديمة، نظرا لكونه العقد الزمني الوحيد الذي بدا فيه أن معظم المثقفين الصينيين لديهم توافق في الآراء، ومن الواضح أنه توافق يميني. ولم يعد الحال كذلك منذ تسعينيات القرن الماضي عندما بدأ البعض منهم في إعادة تقييم عملية الانتقال إلى الرأسمالية وإعادة تقدير أهمية الفترة الاشتراكية الماضية 1949-1979، ولم يكن هؤلاء لوحدهم، حيث كان المجتمع بأسره يمر بالتكيف الهيكلي الشامل الذي حمّل العمال والفلاحين كل التكاليف والأعباء.

   ففي القطاع الحضري المدني ، خسر الملايين وظائفهم الدائمة بسبب الخصخصة، وبدأت الطبقة العاملة منذ ذلك الحين نضالاتها في كل أنحاء البلاد. ولا يزال هؤلاء المضطهدون (بفتح الهاء والدال) والمستغلين (بفتح االغين) من الجماهير يتذكرون بوضوح أيامهم الجيدة في ظل المجتمع الاشتراكي، لهذا فإنهم لا يملكون إلا الاشتراكية كهدف لهم.

   أما في الريف فقد كان التوتر بين الفلاحين والدولة واضحا وملموسا بسبب ركود الإيرادات في مقابل النفقات المتزايدة وفساد وأحيانا عنف البيروقراطيات المحلية.

   إن فترة الكفاح الطويلة ضد التحول الليبرالي-الجديد نحو الرأسمالية أدي لولادة اليسار الصيني لمرحلة ما بعد ماوتسي تونغ بين صفوف  العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة (بما في ذلك النخبة المثقفة)، وفي الحقيقة فإن وداع سنوات الثمانينيات ’’الذهبية‘‘ كان بمثابة إعلان البدء في حقبة جديدة من التاريخ السياسي الحديث في الصين.

   هناك، على العموم، ثلاثة منابع رئيسية هامة لليساريين في الصين المعاصرة، وجميعها تتفق علي بعض المواقف السياسية المشتركة، ولكن الاختلاف لا يزال قائما في عدد من تلك السياسات.

   المجموعة الأولى تمثل المخضرمين من قدامي مناضلي الثورة الصينية في القرن الماضي، وقد عاصر الكثير منهم الحرب الأهلية ومرحلتي القفزة الكبرى إلى الأمام والثورة الثقافية، وربما أيدوا سابقا الانتقال لليبرالية الجديدة ولكنهم تحولوا تدريجيا ضدها. وعلى الرغم من أنهم ليسوا جزءا من الطبقة الحاكمة بسبب انتماءاتهم السياسية، إلا أنه لا يزال لديهم علاقات وثيقة نسبيا مع الحزب الشيوعي الصيني بالمقارنة مع الآخرين.

   يتشارك المخضرمون من قدامى المحاربين في هدفهم نحو الاشتراكية رغم أن تفسيراتهم قد تكون مختلفة جدا (إبتداءا من النموذج السوفياتي  إلي النماذج الأخرى الأكثر راديكالية)، وهم يحملون مواقف معقدة تجاه الحزب الشيوعي الصيني لأسباب عدة، فمن ناحية، هم يكرهون البرنامج السياسي الحالي للنظام القائم، ومن ناحية أخري، كانوا أنفسهم أعضاء في الحزب الشيوعي الحاكم الذي كان حزبا ثوريا انضموا إليه لما فيه خير الشعب الصيني.

   لذا هناك آراء متباينة حتى داخل هذه الجماعة، البعض يجهد في الاعتقاد أنه يمكن توجيه الحزب الشيوعي الصيني نحو الاشتراكية مرة أخرى (على سبيل المثال، إذا تمت تغيير أراء كبار القادة)، والبقية الباقية منهم تنحو بشكل تدريجي لفكرة الحاجة إلى الإصلاح الشامل العميق أو الثورة لبناء الاشتراكية.

   انحدرت المجموعة الثانية من متعلمي البرجوازية الصغيرة، وهؤلاء كانوا جزءا من المتمتعين بامتيازات خلال ثمانينيات القرن الماضي عندما حاول الحزب الشيوعي الصيني بناء تحالف سياسي معهم من أجل عزل العمال والفلاحين. وعلي أية حال انخفض الوزن السياسي للبرجوازية الصغيرة تدريجيا مع غياب سنوات الثمانينيات الجيدة لأن الحزب الشيوعي الصيني قد هزم بالفعل العمال والفلاحين، وقد أصبحوا الضحايا الجدد لسياسات التجذير في اقتصاد السوق والخصخصة.

   لا تعتنق مجموعة متعلمي البرجوازية الصغيرة هدفا سياسيا عاما، ففي كثير من الأحيان نري سياساتهم ما هي إلا مزيج من عدة عناصر مميزة، بما في ذلك أفكار وتقاليد ’’اليسار الجديد‘‘ الغربي والمشاعر القومية وبعض أجزاء التقاليد الثورية الصينية من حقبة ماوتسي تونغ. ويميل الراديكاليين منهم إلى العمل مع العمال واليساريين الأخرين لبناء مستقبل المسار الثوري إلى الاشتراكية، في حين أن أكثر الليبراليين منهم يفضل نوعا من الديمقراطية الاجتماعية والرأسمالية المقيدة وقد وضعوا أمالهم في التغييرات السلمية من فوق.

   المجموعة الثالثة والأخيرة لها جذورها بين العمال، بمن فيهمأولئك الذين مروا بتجارب في إطار الفترة الاشتراكية وأيضا الذين أصبحوا منالعمال في وقت أكثر حداثة. العمال لديهم ميل طبيعي معادٍ للرأسمالية، ولا سيما العمال الصينيين الذين عانوا كثيرا خلال مرحلة الانتقال إلى الرأسمالية، ولكنهم كطبقة لم يصبحوا واعين حتى جاءت فترة التسعينيات من القرن الماضي التي شهدت تسريحا للعمال على مستوي البلاد بأكملها. وشهد الجيل الأكبر سنا منهم التناقض الكبير بين عصر ماوتسي تونغ والعصر الحالي ولهذا فهم يملكون إرادة قوية للغاية لإعادة بناء الاشتراكية في الصين، في حين أن جيل الشباب منهم لا يحمل إلا الخبرات المكتسبة في ظل الرأسمالية فقط، وعموما ليسوا متطورين سياسيا وليسوا منظمين جيدا مثل كبار السن، ولكن الاستغلال الشديد من قبل الطبقة الرأسمالية الجديدة جعلتهم يشعرون بالاستياء من النظام القائم.

   بشكل عام يمكن اعتبار العمال هم الأكثر ثورية، وخصوصا الجيل القديم، لأنهم ليس لديهم ما يخسرونه في إلغاء النظام القائم. وهم على عكس المجموعتين الأخريين (الأولي والثانية)، لم يعد لديهم أي أمل في الطبقة الحاكمة بعد أن استنفدوا العقدين الأخيرين في انتظار يائس في سبيل ’’التحول اليساري‘‘.

   ونتاجا لما سبق،تشكل تدريجيا في اليسار الصيني بعدماوتسي تونغالمعسكرين الرئيسيين المذكورين في مقدمة المقال، وهما يختلفان عن طبيعة الحزب الشيوعي الصيني،وأيضا يختلفان في وسيلتهما لتحقيق مجتمع أفضل. انضمت الأقسام الراديكاليةمن قدامى المحاربين والبرجوازية الصغيرة إلى العمال في سعيهم لإسقاط النظامالحالي وبناء الاشتراكية (مع عدم استبعادهم إمكانية الإصلاحات التقدمية)،في حين أن الأقسام الأكثر محافظة منها التقت حول هدف الإصلاح التقدمي(والإصلاحات حصرا) ضمن النظام القائم.

   كان الصراع قائما بينهما لفترة طويلة، ولكن لكون اليسار في مرحلة ما بعد ماوتسي تونغ صغيرا حجما وضعيفا نسبيا في العديد من الجوانب المختلفة، ولأن الجناح اليميني كان دائما مهيمنا ومعاديا شرسا تجاه أي معارضة، فإن هذين المعسكرين عملا معظم الوقت جنبا إلي جنب على القضايا التي يتبادلون حولها نفس الآراء، على سبيل المثال، كلاهما يعارض النيوليبرالية والإمبريالية. إضافة إلي ذلك، كلا المعسكرين حمل راية الماوية.

   وكملاحظة جانبية، رغم ما تعرض له ماوتسي تونغ من تجريح وإدانة لسنوات عديدة، فإن سمعته لا تزال عالية للغاية بين الجماهير، وهي ترتفع على نحو متزايد.

   ومن تجربتي وخبرتي في هذا المجال، من النادر جدا أن نجد في الوقت الحاضر يساريا صينيا نشطا لا يعتبر نفسه من أتباع الماوية، رغم أن مصطلح “الماوية” قد يشير أو يتضمن معان مختلفة.

   يمكن توقع إستمرار هذا التفاهم بين معسكر ’’الإصلاح‘‘ و معسكر ’’الثورة ‘‘فقط على أساس أن قوة اليسار لا تزال ضعيفة وأن الطبقة الحاكمة لازالت متشبثة بقبضتها القاسية تجاه جماهير الطبقة العاملة. وعلي أية حال، تغير الوضع دراماتيكيا (جذريا) في السنوات الأخيرة.

   أولا،نشأت موجة جديدة من الحركة العمالية، ترافقت جنبا إلى جنب مع اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، مما أرعب الرأسماليين وكوادر الحزب الشيوعي الصيني بشكل كبير، والذين بدورهم اضطروا إلى البدء في إحداث تغييرات ضمن إستراتيجياتهم للحفاظ على النظام. فالعمل الجماهيري المتزايد ضد الحكومات المحلية أظهر أيضا الاستياء الهائل للشعب الصيني تجاه النظام الرأسمالي الحالي.

   ثانيا،مع كشف النقاب عن تناقض الليبرالية الجديدة فإن الكثير من المنتمين سابقا لذوي الياقات البيضاء واليمينيين والشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة بدؤوا في الانضمام إلى الجناح اليساري، مما يزيد بشكل ملحوظ من تأثير اليسار.

   ولا غرابة بعد ذلك أن ظهرت ونشأت فئة من السياسيين الذين يتصرفون بشكل متعمد أكثر ’’يسارية‘‘ من غيرهم، وأبرز مثال بو شى لاى، الذي هو نجل أحد القادة السابقين للحزب الشيوعي الصيني ويشغل حاليا منصب زعيم الحزب في بلدية تشونغتشينغ، فهو الذي بدأ في السنوات الأخيرة حملة ضخمة بعنوان ’’مجّد الأحمر ودمّر الأسود‘‘. جوهر الحملة يهدف للقضاء على العصابات والمحافظة على حسن النظام الاجتماعي (دمر الأسود)، وفي المقابل تثقيف الناس علي ما يطلق عليه ’’الكتب والأغاني الحمراء‘‘ التي تشمل كلا من الموروثات الثورية وغيرها من الأغاني الأصيلة القديمة (مجد الأحمر).

   بو شى لاى، وهو كادر حزبي يمتلك موهبة كاريزمية، يحب أن يقتبس في خطبه من تراث ماوتسي تونغ ويتحدث بأسلوب حماسي وصريح وكأنه زعيم ثوري من تلك الأيام الخوالي (أيام الماضي الجميل). وتستقبل الجماهير بشكل جيد أطروحاته ومناقشاته، وليس من غير الواقعي توقع فوزه بسهولة في الانتخابات العامة (إذا افترضنا إجراءها في الصين). وفي الحقيقة، الذي يطرحه أو يتبناه  بو شى لاى ما هو إلا برنامجا رأسماليا واضحا، وليس في هذا البرنامج نموذجا اقتصاديا مختلفا، فاطروحاته تتبني المصانع المستغلة (بكسر الغين) للعمال وتحتضن رأس المال الكبير، مثله مثل غيره في المناطق الأخرى. و محدودة جدا تلك التحسينات في برنامجه، مثل توفير مساكن شعبية منخفضة الإيجار وتحقيق مجتمع أكثر أمنا. وبالتأكيد لا يهدف بو شى لاى لبناء الاشتراكية (رغم التملق)، وعلى الرغم من أن عددا لا بأس به من اليساريين يحاول إقناع نفسه بأنه هو الشخص الذي سيبني الاشتراكية (أو أنه واحد من البناة).

   كل هذه العوامل الجديدة تساهم في نهاية الوئام والانسجام بين معسكري اليسار. وهناك الكثير من العلامات التي تشير إلى أن الجناح اليساري الصيني (داخل الحزب) لديه الآن دور سياسي أكبر كما أن بعض الكوادر القيادية بدأت في بعث رسائل ’’يسارية‘‘ إلى الشعب. هذا يعزز حتما الثقة في معسكر ’’الإصلاح‘‘ في استعادة الاشتراكية  من خلال الحزب الشيوعي الصيني، كما لو أن الحزب هو جهاز محايد يمكن أن يتحول إلى اليسار أو اليمين اعتمادا على قادته. لقد بدؤوا بالإشادة بشخص بو شى لاى وغيره بإعتبارهم من القادة الاشتراكيين الحقيقيين الذين ورثوا تركة ماوتسي تونغ واتبعوا التقاليد الثورية.

   ومع ذلك، يشير المعسكر اليساري الآخر إلى أن’’الانعطاف يسارا‘‘ هو محدود جدا من ناحية المدى ويتسم بالانتهازية من ناحية الممارسة، واعتبروا أنه من غير المقبول أن يكونوا أداة سياسية بيد الطبقة الحاكمة.

   وبالتالي ما هي إلا مسألة وقت برأينا حتى يتفجر الخلاف بين المعسكرين.

   على أساس السياق المذكور، يمكن فهم الصراعات الداخلية بين اليساريين الصينيين كونها نتائج طبيعية لتطور اليسار وانحسار الليبرالية الجديدة. ونعتقد أن أثارها وتداعياتها ذات شقين.

   الشق الأول، ينطوي على أن تأثير اليساريين في الصين وصل إلى مستوى جديد مرتفع بسبب نضالات الشعب المتواصلة ضد الرأسمالية، حتى أن جزءا من الطبقة الحاكمة بدأ عمدا في ’’الاتجاه يسارا‘‘.

   الشق الثاني، يواجه الجناح اليساري الآن لحظة تاريخية، فإذا نجح معسكر ’’الإصلاح‘‘ فإن اليسار الصيني سيصبح شريكا سياسيا للحزب الشيوعي الصيني وسيتوقف عن أن يكون قوة ثورية، ولكن إذا استطاع معسكر ’’الثورة‘‘ النجاح بتجذير الجناح اليساري (داخل الحزب) حينها ينبغي أن يكون اليسار الصيني قادرا على لعب دور أكثر أهمية في القضاء علي النيوليبرالية والرأسمالية في الصين والعالم بشكل عام.

   إلا أن هناك بعض الأسئلة التي يمكن أن يكون لها تأثيرات هامة على ’’الاختيار‘‘ (للشقين السابقين).

   أول هذه الأسئلة، هل النسخة الصينية لدولة الرفاه ممكنة في المستقبل القريب؟ وبعبارة أخرى، هل البرجوازية الصينية مستعدة وقادرة على التخلي عن بعض امتيازاتها وإعادة توزيع جزء من الأرباح والريع لصالح الطبقة العاملة؟

   ثاني هذه الأسئلة،هل اليسار الصيني قادر على إيجاد طرق جديدة لتعبئة وتنظيم الجماهير كما فعل بنجاح كوادر الحزب الشيوعي الصيني في وقت مبكر قبل ثمانين عاما؟

   إجاباتي على هذين السؤالين هي: لا للأول ونعم للثاني، ولكن بالطبع وحدهما الوقت والممارسة هما الكفيلان بالإجابة

 

Advertisements