جعفر الشايب ،السعودية

أثارت المحاضرة التي ألقاها المحقق الشيخ حسين الراضي في منتدى الثلاثاء الثقافي مساء الثلاثاء الماضي، ردود فعل واسعة في الأوساط الاجتماعية المحلية، لما تناوله من قضايا تحت عنوان «دور التحريف في تخلف الأمة»، لرفض بعضهم الاقتراب من مناقشة هذه المواضيع التي تعدّ محظورة في نظرهم. الحضور الكثيف في الندوة استمع وحاور على مدى ساعتين من الزمن نقاشاً علمياً وموضوعياً محكماً من عالم متخصص عُرف بعلميته وأهليته في البحث والتحقيق، وكذلك جرأته في التصريح بآرائه.

بعد استعراضه نماذج وأشكالاً من التحريف في التراث الإسلامي بمجمله، تناول الآثار المترتبة على هذا التحريف، التي أسهمت ولاتزال في تراجع الأمة وتخلفها لأنه يحرف أبناءها عن العمل بالعقل واللجوء إلى الغيبيات والمنامات والروايات الضعيفة أو الموضوعة. ومع تأكيده على أهمية الإصلاح في تحقيق ومراجعة التراث، أشار إلى أن ذلك يتم من خلال عمل متواصل لعلماء جادّين وموضوعيين يتمتعون بالجرأة في النقد وإبداء آرائهم، وكذلك عبر مشاركة الجمهور في النقد وإعمال العقل وعدم الانقياد لما هو سائد.

هذا النهج سلكه عديد من علماء ومفكري الأمة، مطالبين بتحديد مساحة المقدس والغيبي، وإعمال العقل والفكر الحر، وفتح أبواب الاجتهاد، بما يحقق سعة في التفكير ومجالاً رحباً للإبداع.

ينطلق هؤلاء العلماء من اعتقادهم بأن أهم معوق أمام تقدم الأمة هو هذا التكلس والارتكاس في التاريخ والتراث الملغم، الذي أسهمت عصور الصراعات السياسية والمذهبية في إفرازه بصورة جعلت من القشور أصولاً مقدسة، وحرمت على أي ناقد أو محقق أو باحث الاقتراب منها. أساليب التقديس والتحريم والتكفير والتفسيق التي نراها تشهر في وجه كل من يتحرى البحث العلمي والموضوعي، لا يمكن أن تقدم حلاً، وخاصة ممن لا يستمع أو يشارك أو يناقش بصورة مباشرة بل يعتمد على النقول غير المباشرة.

ما الذي يمنع بعض علماء الدين من فتح صدورهم وقلوبهم للنقاش الحر والعلمي والموضوعي، والابتعاد عن تسقيط الآخرين لمجرد أنهم أبدوا رأياً مخالفاً لهم، ذلك يعطي مؤشراً على عجزهم وعدم قدرتهم على الحوار والنقاش وإقناع الآخرين بآرائهم والدفاع عنها. إن احتكار الشرعية وإضفاء القدسية على موضوع بصورة لا تمكن من النقاش حوله يجعل منه مفهوماً غامضاً وملتبساً، والقرآن الكريم يدعو المسلمين إلى التفكر والحوار، وينقل في آياته المباركة حوارات متعددة حول مختلف القضايا والإشكالات العقدية والتاريخية.

لاشك أن مثل هذه الحوارات والنقاشات تسهم في عقلنة الخطاب الديني، وتعالج الإشكالات المطروحة، وتنمي في المجتمع المسلم حرية التعبير والرأي، وتُجيب عن أسئلة المشككين بأسلوب علمي ومنطقي.

أسلوب التعنت والتجهيل والتخويف لا يقدم أي حل ولا يمثل أنموذجاً واعياً للحوار في الوسط الديني.

Advertisements