كتب الياس خوري عن علي أبو طوق الرواية التالية:
“بداية النص”
حين أمسكت سامية بيدي أمام قبر علي أبو طوق داخل مخيم شاتيلا، قلت لها مريم، فحنت رأسها كأنها مريم….
وغداً عندما سأقف أنا، أو سيقف علي، علي لن يقف لأنه مات، لكن لنفترض أن علياً لم يمت. علي يصلح للوقوف أكثر مني، لأنه مثل القاوقجي، كان مصاباً بخمس طلقات في رجله. وعندما التقيت به للمرة الأولى، كانت قدمه اليسرى داخل الجفصين، وكان يمشي متكئاً على عصا ويعرج. بعد أن شفيت قدمه ولم يعد يعرج ظل يحمل العصا، وحين يتذكر نفسه كان يعرج قليلاً. لكأنه اعتاد على أن يعرج ولم يعد يريد أن يمشي كما كان يمشي قبل أن تصيبه الطلقات في قدمه اليسرى على مدخل حي البرجاوي في بيروت…
وحدها سامية، حين روت لي عن موت علي، لم تروِ عن نفسها. في العادة يخبرونك عن موت الآخرين كي يتحدثوا عن أحزانهم أو عن آلامهم. سامية حين تحدثت عن موت علي، روت عن جسده الممزق بالشظايا، وكيف أقفل الطبيب الباب على الغرفة حيث حاول معالجته رغم علمه بأنه ميت.
لم تسقط دمعة واحدة من عينيها السوداويين، كان هناك ما يشبه الضباب حول عينيها وهي تمسكني بيدي أمام الجامع المهدوم الذي تحول إلى قبر.
كان الطبيب الذي يعالج علياً ميتاً وحاول أن يرد إليه الحياة، قبل أن يخرج من الغرفة ويغرق في دموعه، رجلاً يونانياً يدعى الدكتور “يانو”، عمل مع “الهلال الأحمر الفلسطيني” منذ عشر سنوات، حين كان يتابع دروسه في القاهرة. يوناني هاجر أهله إلى كندا، يدرس في القاهرة. ثم يصبح الطبيب الوحيد في مخيم شاتيلا الذي حوصر ثلاث سنوات متواصلة. تلك حكاية تستحق أن تروى. الدكتور “يانو” ألف كتاباً عن حصار المخيم وعن مقتل علي. وروى لي كيف جاؤوه بعلي ميتاً.
أخذته، قال، حملته بين ذراعي وأدخلته غرفة العمليات. لكنني لم أصدق. كانت الارتجافة التي لم تتوقف في جسده توجي بأن هناك شيئاً أكبر من الطب والعلم. رأيت روحه. كانت هذه التي انتفضت في جسمه لمدة نصف ساعة أو أكثر هي الروح التي تنسحب بوحشية فظيعة من الجسد الميت وكأنها لم تكن تريد أن تغادره، كأنها فوجئت بالموت وأرادت أن ترفضه. الجسم كان كالمذبوح، كان مذبوحاً في صدره وميتاً. أخذته منهم وحملته بين ذراعي وكأنني أحمل طفلاً، فجأة زالت القسوة عن وجهه وعاد طرياً ومرتجفاً كطفل وضعته أمه منذ ثوانٍ قليلة. وضعته على الأرض وقلت لهم أن يخرجوا. أخرجتهم وأقفلت الباب بالمفتاح. لم أفعل شيئاً. مزقت القميص ورأيت الجروح والشظايا والدم الذي كان قد توقف عن التدفق وكأن هناك شيئاً منعه، كأن سداً أقيم لمنع الماء. دمه كان كالماء، لكنه جمد. نظرت إلى عينيه نصف المغمضتين وأغلقتهما بأصابعي، كانتا طريتين كوردتين ذابلتين. عرفت الموت من العينين. فجأة تذبل العيون كما تذبل الزهور. العين زهرة الجسد، العين ملجأ الروح. فقدت روحه ملجأها وبدأت تبحث عن مكان تذهب إليه. كان الجسد ينتفض وأنا الطبيب الذي أنقذ حيوات مئات الجرحى وجدت نفسي عاجزاً عن إنقاذ حياته. كان هذا الرجل أقرب إنسان إلي. كنت وحدي في هذا المخيم المحاصر بالدمار والخوف. كنت وحدي، ولولاه لمت خوفاً من الوحدة. الآن أراه أمامي يموت. مات قبلي وأنا لم أفعل شيئاً. فجأة خلعت جلد الطبيب عني. لم أشعر أنني ساحر إلا في هذا الحصار. هنا شعرت أنني نصف إله. أنقذ الناس بالأعجوبة وحدها. هل تعلم ماذا يعني أن تكون طبيباً في مثل هذه الشروط التي كنت فيها؟ لا أحد يعلم، نقص في المضادات الحيوية، نقص في البنج، نقص في الممرضين، نقص في المازوت من أجل تشغيل مولد الكهرباء، كل شيء ناقص، وأنا أصنع العجائب. يوم علي سقطت الأعجوبة، ورأيت الموت وأحسست بالعجز المطلق. رأيت روحه وهي تحاول أن تمنع الموت الذي كان قد احتل العينين. رأيت روحه وجلست أرضاً إلى جانب جسده. أردت أن أدلك الجسد المرتجف أمامي كي أساعد الروح على الذهاب. ولكنني لم أجرؤ، خفت، جلست إلى جانبه وكنت خائفاً. وعندما همد جسده أحسست بما يشبه الإغماء. أحسست بحاجة إلى النوم. كدت أنام. سمعت قرعها على الباب. عندما قالت إنها تقرع منذ نصف ساعة ولكنني لم أسمعها، لم تسألني عنه، لم تسأل. سامية كانت تعرف. اقتربت منه وألقت عليه نظرة وكأنها تغطيه. أخذتني من يدي وقالت لي إنني متعب ويجب أن أذهب وأرتاح. خرجت من الغرفة وتركتها معه. سمعتها تقفل الباب خلفي. لكنني لم أسألها شيئاً. لم أسمع القذائف ولم أحلم بشيء.
الطبيب اليوناني يدلني على المستشفى. أرى غرفاً شبه محطمة وستائر مفتوحة وكأنها معلقة في الفراغ. أمشي إلى جانبه وهو يريني غرفة الأدوية. أشم رائحة الدواء وأسأل عن غرفة العمليات، والطبيب يبتسم. سامية لم تتكلم، كانت تنظر إلينا. سمعته وهو يروي لي كيف مات علي ولم تقل شيئاً. كانت تشرب قهوتها وتضع يديها الاثنتين حول الفنجان وكأنها تدفئهما، وتبتسم. رأيت ظل ابتسامة صغيرة على شفتيها.
تكررت هذه الابتسامة في ذاكرتي إلى ما لا نهاية.
طبعاً رحل الطبيب اليوناني إلى كندا أو إلى بلاد أخرى، لست أدري، وعلي بقي في مكانه، جسده يرتجف، وروحه تمتد فوق المكان، وأصوات قذائف مختنقة تملأ الفضاء…

كنت ذاهباً لزيارة قبر علي…
كان علي أبو طوق صديقي. سنوات الحرب الأهلية قضيناها معاً، في الخنادق والبرد والموت وتحت مطر القذائف. ثم افترقت خطانا، علي تحول إلى فدائي في كتيبة “الجرمق”، وأنا صرت ما أنا. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، غاب علي في السفن اليونانية التي نقلت الفدائيين إلى منافيهم الجديدة. عام 1984، بعد انتفاضة 6 شباط، وانسحاب المارينز الأميركيين، عاد علي إلى بيروت، بلحيته القصيرة، وعصاه، ليتحول إلى القائد العسكري لمخيم شاتيلا. عاد ليصير رجل الحصار. ثلاث سنوات من الحصار والدمار، والمخيم يضيق ببيوته المدمرة، حتى تحول إلى كمشة من البيوت التي يسند دمار واحدها دمار الآخر.
ومات علي.
سمعت الخبر في الراديو.
وفي صباح 14 آذار 1987، وهو اليوم الأول الذي فك فيه الحصار عن المخيم، ذهبت إلى هناك. كنت أعلم أن علياً يحب امرأة اسمها سامية (وهذا بالطبع ليس اسمها الحقيقي، ولكني أغير أسماء النساء حين أراهن في الحب، لأنني أعتقد أن الحب يغير كل شيء في المرأة، حتى اسمها). دخلت المخيم وسألت عن مكتب حركة (فتح). كانت طرقات المخيم تضيق وتضيق، ثم تحولت إلى ركام. اختفت الطرق، الركام هو الطريق، والمياه الآسنة تفرش الأرض برائحة ذلك الموت الذي يتسلل إلى المفاصل. كان الأفق ينحدر إلى البيوت المهدمة، ويدخل في شبابيكها. لم يكن هناك أفق. في شاتيلا اختفت السماء داخل الحطام، وتحول الماء إلى برك داخل الثقوب في الحيطان التي سقطت على الأرض.
كنت أمشي كمن يمشي، وأتهدأ بالحيطان وأنزلق وأمشي. دخلت زقاقاً، إنه الزقاق الوحيد الذي لا يزال قائماً وسط هذا الدمار، وسألت عنها. قادوني إلى مكتب (فتح). صعدت الدرجات الإسمنتية الثلاث، ودخلت غرفة شبه معتمة، ورأيت شباناً وفتيات باللباس العسكري يجلسون على الأرائك والكراسي وكأنهم يسترخون بعد توتر طويل. ثم جاءت امرأة بصينية القهوة. البخار يتصاعد والرائحة. قهوة طازجة تفتح القلب. أمسكت فنجان القهوة بيدي الاثنتين، كان برد آذار يحول بخار الفنجان إلى دوائر بيض في سماء الغرفة. أمسكت الفنجان وشربت.
ودخلت.
تقدمت مني، احتضنتني وقبلتني على وجنتي. كان شعرها الأسود طويلاً ومبلولاً ويتهدل فوق كتفيها. كانت تلبس سترةً صوفية بيضاء، ورائحة العطر الصابوني تغلفها.
“أنت فيصل”، قالت.
لست أدري لماذا نادتني فيصل، فهي تعرف اسمي.
أمسكتني من يدي وخرجنا. لم أسأل إلى أين، فأنا كنت مدهوشاً برائحة سامية الخارجة من الحمام، والصابون يعطرها، وأناقة الدمار مثل هالات حولها.
أمسكتني من يدي، وأخذتني في رحلة بين الأزقة.
سألتني إذا كنت أريد أن أزور قبره.
مشينا باتجاه القبر، لم يكن قبراً. وقفنا أمام نافذة الجامع المهدم.
“كلهم هنا”، أشارت إلى أرض الجامع، “كلهم، علي وفيصل والجميع”.
كانت أرض الجامع مغطاة بأزهار وأعشاب برية. وسامية إلى جانبي، وشيء يشبه الحزن. أمسكتني من يدي، التفت صوبها، كنت أريد أن أقول لها إنني أحبها، التفت واحتضنتها، رأسي انزلق على كتفها، وشممت رائحة السترة الصوفية البيضاء، كانت رائحة خروف طالع من الشمس.
“هذا هو الجامع”، قالت، لقد حولناه إلى مقبرة.
“أين الشواهد”، سألت.
“لا شواهد”، قالت. “كلهم هنا، علي وفيصل وأنا وأنت، ألم تأت لزيارتهم؟”.
وقفت أمام الجامع الذي تحول إلى مقبرة، وأمام المقبرة التي لا تشبه الجامع، وكانت يدها في يدي. أحسست بيدها طرية وتكاد تنزلق. التفت إليها، عيناها كانتا مفتوحتين، ولا دموع.
شدتني من يدي كي نتابع جولتنا. لست أدري كيف أصبحنا متواجهين من جديد، ضممتها إلى صدري، وكنت أعلم أنني لا أستطيع أن أبوح لها بحبي.
“إن يوسف لما شاهد الشمس قد أخفت أشعتها
وحجاب الهيكل انشق لموت المخلص،
دنا من بيلاطس، وتضرع إليه قائلا:
أعطني هذا الغريب،
الذي منذ طفولته تغرب كغريب،
أعطني هذا الغريب،
الذي أماتوه بغضاً كغريب،
أعطني هذا الغريب،
الذي أستغربه ضيفاً على الموت،
أعطني هذا الغريب،
الذي غربه اليهود من العالم حسداً،
أعطني هذا الغريب،
لكي أواريه في لحد،
أعطني هذا الغريب،
فإنه غريب،
لا مكان له يسند إليه رأسه،
أعطني هذا الغريب،
الذي رأته أمه ميتاً
فصرخت يا ابني وإلهي،
أعطني هذا الغريب،
بهذه الأقوال، توسل يوسف النقي إلى بيلاطس،
وأخذ جسد المخلص،
ولفه بأكفان وطيوب،
ووضعه في قبر”
بعد سقوط المخيم، رحلت سامية إلى صيدا، ولم ألتق بها بعد ذلك.
“انتهى النص”

إلياس خوري، مملكة الغرباء، رواية، بيروت، لبنان: دار الآداب، الطبعة الأولى 1993، الطبعة الثانية 2007، (الصفحات:14، 16، 22-25، 122-126)

Advertisements