سمير فرنجية – لبنان
تثبت أحداث مصر وتونس يوماً بعد يوم عجز الأحزاب العقائدية التي وصلت الى السلطة عن التعامل مع التحولات العميقة التي أحدثها الربيع العربي. ليس هذا العجز ناجماً فقط عن خيارات هذه القوى السياسية، بل تعود اسبابه الى ما هو أبعد من السياسة وصراعاتها، تعود الى تحول أساسي لم تأخذه هذه القوى في الاعتبار وهو استعادة الفرد العربي لدوره، الأمر الذي أسقط منطق الاختزال الذي كانت تعتمده كل القوى العقائدية، من كان منها حاكماً باسم الأمة او معارضاً باسم الدين، وهو منطق قائم على اختزال الانسان بالجماعة والجماعة بحزب والحزب بقائد. هذه معادلة تؤدّي عملياً الى القول: في البدء كان “القائد”، وليس الانسان، ولا حتى “الكلمة”.
الربيع العربي هو في أساسه فعل أفراد قبل أن يكون فعل جماعات سياسية. بو عزيزي في تونس ووائل غنيم في مصر وحمزة الخطيب في سوريا وغيرهم، أفراد لا علاقة لهم بجماعات. أثار الظلم الذي طاولهم موجة من التماهي العاطفي تخطت كل الحدود وأحدثت ما لم يكن أحد يتوقعه، مُطلقة عملية محاكاة على مستوى العالم العربي لم يكن أحد يتوقعها.
لقد شهدنا في لبنان مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري ظاهرة شبيهة من التماهي العاطفي فاجأت الجميع وخصوصاً من كانوا وراء عملية الاغتيال. وقد نبعت قوة الحركة الاستقلالية من كون غالبية الناس الذين شاركوا في انتفاضة الإستقلال إنما تحركوا بقرار ذاتي. لم يأتوا استجابةً لنداء من خارجهم، بل اعتبر كلٌّ منهم نفسه، وعلى طريقته، شريكاً أصلياً في المعركة الدائرة. نعم كانت الأحزاب السياسية حاضرة وفاعلة بالتأكيد. غير أن وجودها كان أقلياً بلا جدال. ولئن كان استقلال 1943 من إنجاز نخبة لبنانية، هي “آباء الإستقلال الأول”، فإن استقلال 2005 هو من إنجاز كل لبناني شارك فيه بشكل أو بآخر. وهنا يكمن الفرق، كل الفرق، بين الإستقلالين.
التحوُّلُ الأساسي الذي أحدثه 14 آذار 2005 كان تحوّلاً من طبيعة ثقافية – أخلاقية. لقد أطلق استشهاد رفيق الحريري دينامية مصالحة مدهشة لدى كل لبناني مع نفسه ومع الآخر. إن جوهر تلك الظاهرة، التي لم يقدّر أحدٌ مداها في حينه، لا ينتمي إلى حقل السياسة، بل إلى نظام القيم ومرتبة الأخلاق. ذلك أن تلك الصحوة الوجدانية أعادت اللحمة إلى مجتمع عصفت بتضامنه وقطّعت أوصاله حربان متواليتان، ساخنة (1975 – 1990) ثم باردة (1990 – 2005)، فصيّرته مجرّد رُكام من أفراد مشتتين وغير قادرين على التضامن والفعل.
لقد شهد 14 آذار إذاً، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، انبعاثَ هوية وطنية لبنانية لا تُحدِّد مضمونها طائفةٌ بعينها؛ هوية جامعة تتجاوز الانتماءات الطائفية من دون أن تلغيها؛ هويةٌ من شأنها أن تُعيد إرساء العيش المشترك على شروط الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين لا على شروط قوى طائفية سياسية معينة.
انبعاث هذه الهوية الوطنية الجديدة عبَّر عن نفسه بولادة رأي عام مدني، وازن ومستنير، ربما أيضاً للمرة الاولى في تاريخ لبنان. وهو أمرٌ في غاية الأهمية لمستقبل الوطن، لأنه أدخل بُعداً جديداً كل الجدّة على الحياة السياسية التي كانت حتى ذاك محكومة بعمليات التحالف والخصومة والنزاع في ما بين زعماء الطوائف وأعيان المناطق.
هذا الرأي العام غير طائفي، لأنه غير قابل للإختزال في طائفة بعينها. لكنه أيضاً ليس علمانياً، لأنه لا يضع الهوية الوطنية في مواجهة الانتماءات الطائفية والمناطقية. إنه رأيٌ عام مدني، وهو بذلك أكثر حداثةً وانفتاحاً من الطبقة السياسية التي تحاول تمثيله وتواصل في الوقت نفسه إعطاء الأولوية المطلقة لـ”حقوق” الطوائف، أي عملياً لقيمومتها هي على تلك الحقوق.
هذا الرأي العام مستقلٌ بطبيعته، بمعنى أنه لا يشكل احتياطياً ثابتاً لحزب بعينه، بل يمنح تأييده لكل اداء سياسي منسجم مع تطلعاته، ويمنعه عن أي أداء مخالف. لذلك فإنه لا يخضع لمنطق توازن الرعب الذي يحكم العلاقة بين القوى السياسية. فسلاحه هو اللا عنف!
حاولت القوى العقائدية من دينية وطائفية تهميش هذا الرأي العام والعودة الى المنطق الذي كان سائداً قبل انتفاضة الاستقلال. كلفة هذا الأمر كانت باهظة؛ إذ باتت البلاد منقسمة انقساماً يصعب تخطيه، والدولة مشلولة شللاً كبيراً، وخطر الفتنة يزداد يوماً بعد يوم.
الطريق نفسها يسلكها “الأخوان” في مصر. فهم ارتكبوا خطأً جسيماً عندما تصرفوا كأنهم أصحاب حق مطلق، فحاولوا الحصول على صلاحيات وصفها أحد المعلقين بـ”السلطانية”، الأمر الذي تسبب بانقسام المجتمع نصفين متقابلين، وهو انقسام أكدته نتائج الاستفتاء حول الدستور الجديد الذي نظمته السلطة.
فاذا كان من حق “الأخوان المسلمين” في مصر الامساك بالسلطة نتيجة انتخابات نيابية و/ أو رئاسية شارك فيها المصريون بوصفهم مواطنين أفراداً، فليس من حقهم الإمساك بالدولة وتغيير طبيعتها استناداً الى مشروعهم الخاص من دون توافق المجتمع بكل مكوّناته الأساسية. إن أكثر ما يعبّر عن هذا التوافق المجتمعي، بصيغة قانونية تعاقدية، هو الدستور. لذا ينبغي ان يعكس الدستور هذا التوافق المجتمعي، وليس من شأنه التعبير عن ميزان قوى سياسي متغيّر بطبيعته، مثلما لا يحقّ له التعبير عن فئة واحدة في المجتمع، خصوصاً إذا كانت جماعة حزبية.
الى ذلك لم يدرك “الاخوان” أمرين اساسيين:
الأول أن معارضيهم اليوم “هم الذين أنهوا الحكم السابق بكل قوته وجبروته وواجهوا بطشه ورصاص جنوده”. لم يتراجعوا في الأمس ولن يتراجعوا اليوم.
الثاني أن من الصعب جداً الارتداد على هذا التحول التاريخي الذي أحدثه الربيع العربي والاستعاضة عن ديكتاتورية “علمانية” بأخرى “دينية”. للتذكير فقط، فقد جرى منذ سقوط حسني مبارك تأسيس ما بين 6 و10 آلاف جمعية غير حكومية.
إن التحدي الذي يواجه الحركة الاسلامية هو في الخروج من التقابل بين الاسلام والديموقراطية وابتكار “طريق اسلامية” نحو الديموقراطية شبيهة بـ”الطريق المسيحية” نحو الديموقراطية التي تجسدها اليوم الأحزاب الديموقراطية المسيحية في اوروبا. المهمة ملحة نظراً إلى التحديات التي تواجهها على أكثر من صعيد، ولاسيما الصعيد الاقتصادي- الاجتماعي، والتي تتطلب إعادة الوصل مع مكوّنات المجتمع الأكثر تطوراً وانفتاحاً.

Advertisements