تاريخ النشر: الثلاثاء 15 يناير 2013
*بقلم مجموعة من الباحثين الشباب الفلسطينيين والسوريين
مع تزايد استخدام النظام السوري لخطاب المقاومة وفلسطين في التعامل مع الثورة الشعبية السورية كمؤامرة خارجية تبرز أهمية المراجعة الموضوعية لمواقف النظام السوري من الفلسطينيين وقضية فلسطين منذ تسلم حزب البعث السلطة. والهدف هو إنصاف الحقيقة، عبر إظهار الوقائع وتفكيك الأساطير ووضع هذا الخطاب في سياقه التاريخي. هذه ورقة مقدمة للشباب والمثقفين لكي تتكون لديهم فكرة افضل حول هذا الموضوع الذي ضاعت ملامحه وراء الشعارات، واختفت خلف براغماتية من يرفعها.
لا تشكل هذه الورقة دراسة وافية لهذه المواقف، ولكنها تلخيص تاريخي نقدي يتعامل مع الوقائع كما هي، يتوخى الحقيقة، ولا يدعي الإلمام بكليّتها.
مقدمة:
يُعدّ النّظام السّياسي في سورية من الأنظمة التي تعتمد إستراتيجيًّا في شرعيّة استمرارها على السّياسة الخارجيّة، وإدماجها تبنّي القضيّة الفلسطينيّة والدّفاع عنها في صلب العناصر التكوينيّة لتلك السّياسة. لكن ذلك لم يمنع صانع القرار السّوري في إطار نهجه البراغماتي، وواقعيّة سياسته الخارجيّة من بلورة توجّهات انعكست بشكلٍ سلبي مباشر على الفلسطينيّين، لتدعيم استقرار النّظام من جهة، وزيادة نفوذه الإقليمي من جهةٍ أخرى. وتتمثّل جذور ذلك في التزام السّياسة الخارجيّة لجميع النّظم السياسيّة التي تقلّبت على الحكم منذ الاستقلال بالقضيّة الفلسطينيّة، والحرص على عدم وضع المصالح السوريّة بأيّ حال من الأحوال في مواجهة استحقاقات تلك القضيّة، ولم يشذّ أيّ نظامٍ سياسي على الإطلاق عن هذا النّهج. وبهذا المعنى فإنّ مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة ثابت بنيوي في السّياسة الخارجيّة للدّولة السوريّة منذ الاستقلال بغضّ النّظر عن تقلّب نظمها السياسيّة. لكن النّظام السّوري تميّز عنها في تحويلها من سياسةٍ خارجيّة إلى رافعةٍ إستراتيجيّة لمصادر شرعيّته الأساسيّة، واستخدامها براغماتيًّا لمتطلّبات سيطرة النّظام، وتحكّمه في إدارة الدّولة والمجتمع. وكانت النّظم السياسيّة المختلفة بما في ذلك النّظام السّوري الحالي في هذه السّياسة على مختلف درجاتها تعبّر عمّا هو مشترك بل وما هو “مسلّم” به بين سلطة الدّولة والشّعب.
والحقيقة أنّ الجذور الموضوعيّة لذلك، تكمن في أنّ القضيّة الفلسطينيّة تُعدّ في التّاريخ السّوري الحديث شأنًا سوريًّا “داخليًّا” لا تقلّ مركزيّته عن مركزيّته لدى الفلسطينيّين أنفسهم، وتضرب جذور ذلك في ميراث تاريخ الحركة العربيّة الذي رسّخه العهد القصير للدّولة العربية في مرحلة الملك فيصل في سورية في عام 1920، والذي كان يعدّ فلسطين بمنزلة “سورية الجنوبيّة” في إطار الوحدة البشريّة والحضاريّة والاجتماعيّة لإقليم بلاد الشّام التّاريخي. ولهذا لم يكن ممكنًا لأيّ نظامٍ سياسيّ في سورية أن تقيّض له الحياة من دون أن يضع القضيّة الفلسطينيّة في صلب سياسته الخارجيّة. وهو ما يفسّر كيف لا تُعدّ الحالة الفلسطينيّة في سورية حالة غريبة عن المجتمع السّوري. ولا ترتبط مكتسبات الفلسطينيّين مدنيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا بأيّ نظامٍ سياسي سوري على نحوٍ خاصّ، بل حملت جميع النّظم السياسيّة السوريّة المتقلّبة منذ الاستقلال بغضّ النّظر عن الطّرق والتّحالفات التي وصلت فيها إلى الحكم، القضيّة الفلسطينيّة كواجب أساسي ومركزيّ لها في السّياسة الخارجيّة. وهو ما يفسّر أنّ السّمة المشتركة للصّراع الحزبي- السّياسي طوال العقود السّابقة قد تمثّلت في الصّراع بين النّظم السياسيّة، ومنها النّظام البعثي وبين قوى المعارضة على مدى جذريّة تلك النّظم وصدقيّتها بحمل القضيّة الفلسطينيّة، ورفض مشاريع “تسويتها” أو “تصفيتها” بلغة الصّراع. ولكن النّظام السّوري انفرد منذ النّصف الثاني من مرحلة السبعينيّات وحتّى اليوم برمي أيّ عملٍ معارض سياسي له بـ “الشّبهات”، وأنه يستهدف ضرب سورية بسبب حملها للقضايا القوميّة، وفي جوهرها قضيّة فلسطين. وكان هذا الرّمي قد وصل أوجَه في الصّراع مع الإسلاميّين السوريّين حين تمّ رميهم بتنفيذ مؤامرات “صهيونيّة” أو تخدم الصهيونيّة وإسرائيل. وهو ما تجسّد في الشّعار الرّسمي في المدارس كافّة: “عهدنا أن نقف ضدّ كافّة المؤامرات الإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة، وأن نسحق أداتهم العميلة عصابة الإخوان المسلمين المجرمة”، على الرّغم من ميراث الجماعة السوريّة الرّاسخ في القتال من أجل فلسطين، والتّضحية من أجلها.
ولقد دأب الخطاب السّياسي للنّظام السّوري منذ الستينيّات على استخدام القضيّة الفلسطينيّة وكأنّه الحامل السّياسي لها كمادّة وظيفيّة للاستخدام داخليًّا ضدّ أيّ تحرّكٍ معارض له. كان ذلك حتّى حين تنافس في حمل قضيّة فلسطين الناصريّون، والشيوعيّون في ستينيّات القرن المنصرم، والإسلاميّون في سبعينيّات القرن العشرين وثمانينيّاته، وحتّى الوحدويّون الاشتراكيّون، والبعثيّون خارج نطاق النّخبة السياسيّة التي سيطرت على مقاليد الحكم في سورية. لقد عدّ هؤلاء جميعًا فلسطين قضيّتهم، حتّى وهم ملاحقون من قبل النّظام. والواقع أنّ تلك النّخب والقوى لم تختلف قطّ على مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة، بل اختلفت بشأن مدى الالتزام الجذريّ الحقيقيّ بها، بما يعيق أيّ” تصفية” لها. بل وشكّلت مدى الجذريّة من هذه القضيّة إحدى أبرز قضايا الخلاف في الحزب الشّيوعي السّوري، والذي خضعت مواقفه من القضيّة الفلسطينيّة إلى مراجعة حادّة داخل الحزب أفضت في المحصّلة إلى انشقاقه(1969-1972).
أوّلًا: مكتسبات اللّاجئين الفلسطينيّين في سورية
مع انطلاق الثّورة السوريّة، والتي جاءت متقاطعة مع الثّورات العربيّة الأخرى في أسباب انطلاقها، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، عمد النّظام السّياسي الحالي إلى مواجهتها بخطاب المؤامرة التي تستهدف سورية بسبب مواقفها القوميّة، ودعمها لمنظّمات المقاومة اللبنانيّة والفلسطينيّة، مفسّرًا سقوط الأنظمة الأخرى كنظام مبارك بمعطيات تتعلّق بالسّياسة الخارجيّة المتناقضة مع التوجّهات الشعبيّة. وأمام واقع توصيف الثّورة السوريّة والمحتجّين بالعمالة للخارج، والصهيونيّة، التي تستهدف نظامًا يحتضن الفلسطينيّين ويمثّل قضيّتهم، ويتبنّى مقاومتهم، بدأ الخطاب السّياسي للنّظام يواجه دعوات التّغيير بالقضيّة الفلسطينيّة، على الرّغم من أنّ القضيّة الفلسطينيّة هي قضيّة مرتبطة بكيانيّة الشّعب السّوري الذي قدّم تضحياته في سبيلها انطلاقًا من انتمائه القومي وهويّته العربيّة إلى درجة أنّ شعارات المحتجّين المشاركين في الثورة السوريّة اتّهمت النّظام الحالي بالتّخاذل عن تحرير الأرض في جبهة الجولان تارةً، واتّهامه أنّه أكثر فتكًا من الإسرائيليّين، وتعييره باستخدام الجيش ضدّ الشّعب بدلا من الجبهة. ولكن الشّعارات المتعلّقة بفلسطين كانت محدودة جدًّا في هذا المجال.
ولكي لا يسيء استخدام النّظام لقضيّة فلسطين لهذه القضيّة العربيّة والسورية العادلة، وأمام واقع دعاية النّظام في مواجهة كلّ من يقف مع الثورة ويدعمها واتّهامه بالتخلّي عن القضيّة الفلسطينيّة، والعمالة، والتّآمر مع الخارج ضدّها لا بدّ من إيراد بعض الحقائق التي تبيّن براغماتيّة النّظام السّياسي في توظيف هذا المحدّد إذ لطالما تغنّى النّظام السياسي في خطابه الإعلامي والسّياسي بأوضاع اللاجئين الفلسطينيّين ومكتسباتهم في سورية، وتميّزهم عن اللاجئين الفلسطينيّين في دول الشّتات ولاسيّما في لبنان ومصر (في مرحلة حكم قطاع غزّة). أمّا في الأردن فحقوق الفلسطينيّين تفوق حقوقهم في سورية، وهكذا كانت أيضًا في العراق.
وكما ذكرنا سابقًا فإنّ الكيانيّة الشعبيّة السوريّة هي من دفعت باتّجاه إدماج الفلسطينيّين مجتمعيًّا[1]، باعتبارهم جزءًا من بلاد الشّام والأمّة العربيّة، حتّى يكاد شمال فلسطين، الذي وفدت منه غالبيّة اللاجئين، لا يختلف في عاداته وتقاليده في شيءٍ عن الشّعب السّوري. وتعكس المراسيم والقوانين التي نظّمت حقوقهم وواجباتهم في المجتمع السّوري هذا الواقع. وقد صدرت جميعها قبل عام 1963، أي قبل استلام حزب البعث السّلطة في سورية. فهذه القوانين ليست إنجازًا للبعث، بل ورثها ممّن حكموا قبله. وأبرز هذه القوانين[2]:
• القانون رقم (450) الصّادر بتاريخ 25 كانون الثاني/ يناير عام 1949، والذي أقرّ إحداث مؤسّسة اللّاجئين الفلسطينيّين العرب التي ترتبط بدورها بوزارة الشّؤون الاجتماعيّة والعمل السوريّة. وكان من مهامّ هذه المؤسّسة وبشكلٍ رئيس، وبعيدًا عن الأهداف التي تشكّلت من أجلها تنظيم سجلّات بأسماء اللاجئين الفلسطينيّين، وأحوالهم الشخصيّة، والأعمال أو المهن التي يمارسونها. وكان للمؤسّسة أيضًا موازنة تصادق عليها وزارة الشّؤون الاجتماعيّة والعمل، وتتكوّن موارد المؤسّسة من ريع طابعٍ بريدي فلسطيني، ومن جميع الإعانات والتبرّعات أو الهبات النقديّة والعينيّة التي يكون مصدرها منظّمة الأمم المتّحدة والمؤسّسات والجمعيّات والأفراد، ومخصّصة للاجئين الفلسطينيّين في سورية[3].
• القانون رقم (260) الصّادر بتاريخ 10/7/1956، وقد أُصدر ليزيد من فرص اندماج الفلسطينيّين في سورية في الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. فقد تضمّن القانون نصًّا واضحًا يعدّ الفلسطينيّين المقيمين في أراضي الجمهوريّة العربيّة السّورية كالسوريّين في جميع ما نصّت عليه القوانين والأنظمة المتعلّقة بحقوق التّوظيف والعمل والتّجارة وخدمة التّعليم، وذلك مع احتفاظهم بجنسيّتهم الأصليّة[4].
• في مرحلة الوحدة بين سورية ومصر، صدر القانون رقم 89 سنة 1960، والذي مُنح بموجبه اللاجئون الفلسطينيّون العرب في سورية وثائق سفر بناءً على طلبهم.
• لم يصدر أيّ قانونٍ يعزّز مكتسبات اللّاجئين الفلسطينيّين في سورية بعد استلام حزب البعث العربي الاشتراكي السّلطة عام 1963، وحافظت الدّساتير السوريّة المتعاقبة على القوانين السّابقة، وما صدر في هذا الشّأن فقط هو قرار تنظيمي عن وزير الداخليّة حمل رقم[5]1311بتاريخ 2 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1963، ونظّم إداريًّا سفر الفلسطينيّين وفقًا للمادّة 23 من القانون رقم 89 الصّادر سنة 1960. وقد عملت السّلطات البعثيّة بالقانون السّابق بالمساواة، وعُومل الفلسطينيّون وكان قسم كبير من نخبهم قوميًّا معاملة السوريّين التامّة في كلّ شيء، وفقط حين يغدو الفلسطينيّ وزيرًا كان يُمنح الجنسيّة السوريّة. وكان هنالك في تاريخ الوزارات أكثر من فلسطيني، كما كان في تاريخ رؤساء الجامعات الكبار بعضهم مثل أحمد يوسف حسن باني جامعة حلب. وفي مرحلة حافظ الأسد في الثمانينيّات كان جهاز إدارة التّربية من مديرٍ وموجّهين اختصاصيّين ومديري ثانويّات أساسيّة (عدد الثانويّات محدود في تلك الفترة)، من الفلسطينيّين. لقد عمل الفلسطينيّون في سورية دائمًا في الدّوائر الحكوميّة، ولا سيّما سلك التّربية والتّعليم، ولكن، أكبر نسبةٍ من الفلسطينيّين عملت في تاريخ اللّجوء في مفاصلَ قياديّة للإدارة كانت في الفترة البعثيّة.
ثانيًا: الخلاف البعثي- البعثي على القضيّة الفلسطينيّة
على الرّغم من الموقف الشّعبي الدّاعم بقوّة للقضيّة الفلسطينيّة، تميّزت مواقف القيادات السياسيّة التقليديّة السوريّة من إسرائيل بالرّخاوة، وسجّلت بعض حالات التّواصل الاستثنائيّة مع إسرائيل، وحتّى مع الوكالة اليهوديّة قبل عام 1948، ثمّ مع الموساد في فترة احتدام الصّراع الدّولي على سورية في الخمسينيّات وكانت هذه، على قلّتها، من عوامل نقمة الجمهور السّوري والعربي عمومًا على تلك القيادات. فإنّ نجاحات الجاسوسيّة الإسرائيليّة في اختراق النّخب السورية منذ الجلاء وحتّى اليوم كانت محدودة، فالشعب السّوري هو الشّعب صاحب الرأي العامّ العروبي الذي دفع بقوّة للوحدة مع مصر على حساب سيادة سورية، وهو الشّعب المتمسّك بقضيّة فلسطين كجزء من هويّته، وهو الشّعب الذي احتضن اللّاجئين الفلسطينيّين كجزءٍ طبيعي وعائلي منه.
بعد أن قامت اللّجنة العسكريّة التي تشكّلت من خمسة ضبّاط في البداية (محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، وعبد الكريم الجندي، وأحمد المير، ثمّ انضمّ سليم حاطوم لها في وقتٍ لاحق)، في حزب البعث العربي الاشتراكي بانقلابٍ سيطرت من خلاله على الحكم في سورية في 8 آذار / مارس سنة 1963، ثمّ صفّى البعث شركاءَه الناصريّين وسار بدءًا من 18تمّوز / يوليو سنة 1963 في الطّريق القاتل وهو طريق احتكار السّلطة، تبنّت القيادة البعثيّة بحكم منطلقاتها القوميّة القضيّة الفلسطينيّة، وبلورت تشكيل ما أُطلق عليه اسم “كيان فلسطيني” يمثّل الفلسطينيّين كإطارٍ وطنيّ تمثيلي، لكن في إطار رؤية أنّ تحرير فلسطين هو عمليّة قوميّة عربيّة. وفي سنوات 1963-1964 تبنّت القيادة البعثيّة شعار التخلّي عن أسلوب القمم العربيّة الذي بدأ به الرّئيس جمال عبد النّاصر في أوائل عام 1964 لاتّخاذ موقفٍ عربيّ موحّد ضدّ مشروع تحويل نهر الأردن الذي أنجزته إسرائيل يومئذٍ وفق ما خطّطت له منذ عام 1949، وانتهاج جبهة النّظم والقوى التقدميّة لتحرير فلسطين.
ظهر صلاح جديد باعتباره الرّجل الأقوى خاصّةً بعد حركة 23 شباط / فبراير سنة 1966. لا شكّ في أنّ سورية تعاملت وظلّت تتعامل مع إسرائيل كعدوٍّ بحزمٍ أكبرَ في هذه الفترة. لم يكن في أروقة الحكم في سورية قبل حرب عام 1967، أيّ خلافٍ بشأن نضال الفلسطينيّين ضدّ إسرائيل، بل إنّ الاتّجاه البعثي (صلاح جديد) كان يميل إلى دعم عمليّات حركة فتح داخل فلسطين المحتلّة لأنّه كان مؤمنًا فعلًا بحرب التّحرير الشعبيّة الشّاملة ضدّ إسرائيل. ولذلك اتّخذ المؤتمر القومي السّادس قراره بتشكيل منظّمة طلائع حرب التّحرير الشعبيّة- قوّات الصّاعقة. ولم يكن ذلك لدوافعَ يساريّة فقط بل كانت اليساريّة وعيًا بعوامل موضوعيّة، لمواجهة انتهاكات إسرائيل للمنطقة المجرّدة على الجبهة بعد تحويلها لنهر الأردن، وتدميرها لمشروع نهر بانياس الذي لم ترسل الدّول العربيّة قوّاتها لحمايته بحسب قرار قمّة الإسكندريّة (1964)، وإخفاق النّظام العربي الرّسمي في منعه، وإخفاقه في دعم مشروع سورية لتحويل مياه نهر بانياس حيث دمّرت إسرائيل معدّات المشروع.
جاءت نكسة 1967، ووضعت نظام البعث في مأزقٍ أمام الرّأي العامّ السّوري الذي حمّله مسؤوليّة ضياع الجولان، واتّهمه بدعم فلسطين شعاراتيًّا فقط. وتحوّل هذا الخلاف إلى خلافٍ جوهريّ داخل القيادة البعثيّة “الشباطية”. وقدّم زير الدّفاع حافظ الأسد استقالته لكن القيادة القطريّة رفضت قبولها بسبب مبدأ القيادة الجماعيّة، وبسبب ذلك ترك بعض أعضاء القيادة مثل مصطفى رستم عضويّتها، كما أنّ القيادة القطريّة رأت أنّ العدوان فشل في تحقيق أهدافه وهو “إسقاط النّظم التقدّمية”. كما استهدفت اتّهامات الرّأي العامّ حافظ الأسد بشكلٍ خاصّ، لا سيّما بعد أن أذاعت وزارة الدّفاع السوريّة بيان (سقوط مدينة القنيطرة) الذي أصدره الأسد كوزير دفاع حين كان الجيش السوري مستمرًّا في المقاومة في المدينة، ما أدّى إلى انسحابٍ عشوائيّ من القنيطرة، وسقطت جميع الدّفاعات عنها. ولا تزال حيثيّات ذلك غير واضحةٍ وملتبسة، لكن الجدل داخل القيادة السوريّة البعثيّة الشباطية عدّه من قبيل النّتائج العسكريّة وليس من قبيل “الخيانة” أو “المؤامرة”، فلم يكن في القيادة يومئذٍ حقيقة أيّ “خائن”.
لقد ردّ حافظ الأسد على جميع هذه الاتّهامات بتحوير مسألة الحرب باتّجاهات أخرى ضدّ الحرب الشعبيّة طويلة المدى ومع بناء جبهةٍ شماليّة قويّة بقيادة سورية ضدّ إسرائيل. وبالتّالي فإنّ إستراتيجيّة المواجهة مع إسرائيل يجب أن تقوم على أنّ قرار الحرب والسّلم لا يجب أن يُترك للفدائيّين الفلسطينيّين، وهذا منطق حافظ الأسد منذ إعلان إستراتيجيّة المقاومة الفلسطينيّة عام 1965، حيث منع حافظ الأسد العديد من عمليّات المقاومة الفلسطينيّة، وخنق نشاطها في سورية، إن لم تحظَ بموافقة وزارة الدّفاع، إذ اعتقل في صيف عام 1966، عددًا من مسؤولي فتح ووضعهم في سجن المزة العسكريّة لمدّة شهر، قبل وساطة فاروق قدومي لإطلاق سراحهم.
واحتدم الخلاف بين قيادة الحزب (مجموعة صلاح جديد) والقيادة العسكريّة المسيطرة على الجيش (وزير الدّفاع حافظ الأسد) فأعلنت القيادة السياسيّة في حزب البعث عن دعم المقاومة الفلسطينيّة وإستراتيجيّة حرب التّحرير الشعبيّة. لكن الأسد الذي أحكم السّيطرة على الجيش أصدر في أيار / مايو عام 1969 قرارًا يقيّد تحرّكات المقاومة الفلسطينيّة داخل سورية، بنوده كالآتي:
• يُسمح فقط لمنظّماتٍ فلسطينيّة معيّنة بموافقة السّلطات السورية العمل في سورية (الصاعقة).
• يُمنع حمل السّلاح علنًا.
• تُمنع التّظاهرات والمسيرات من دون رخصة.
• يُمنع إقامة معسكرات وحلقات رماية وتدريب خارج المراكز التي تحدّدها السّلطات السوريّة.
• يُمنع شنّ عمليّات فدائيّة ضدّ أهدافٍ إسرائيليّة انطلاقًا من سورية من دون موافقةٍ خطّية من وزارة الدّفاع[6].
هدفت سياسة الأسد إذًا إلى تقليص نشاط التّنظيمات الثوريّة الفلسطينيّة التي كانت تلقى دعمًا من الرّأي العامّ السّوري الذي وجد في نهجها بديلًا للأنظمة التي فشلت في حرب 1967، وعمد إلى تبريد جبهة الجولان بمنع تسلّل الفدائيّين الفلسطينيّين منها، حتّى أنّ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين قامت بخطف طائرة أميركيّة إلى دمشق في آب / أغسطس 1969، من بين ركّابها راكبان إسرائيليّان، عمد الأسد إلى إطلاق سراح ركّابها كبادرة حسن نيّة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، وكتثبيت لوجود الدّولة السوريّة ونهاية مرحلة الفوضى. في هذه الفترة حتّى عام 1969 كان على كلّ نصير قياديّ في حزب البعث كي يترفّع إلى عضوٍ عامل أن يتبع دورة عمل فدائي، ثمّ دورة ممارسة تتمثّل في مشاركته في إحدى العمليّات ضدّ موقع إسرائيلي. ولم يكن جناح الأسد مرتاحًا لهذه العمليّات ولهذا المنهج، بل انتقص منه، ورماه باستخدام جناح صلاح جديد له وسيلة للتخلّص من خصومه. وكان ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، ولكنّه شكّل إحدى مفردات الصّراع. وكان هذا الصّراع يعبّر عن نهجين متباينين أشدّ التّباين في إدارة الصّراع مع إسرائيل.
كانت رؤية حافظ الأسد التي أوضحها في المؤتمر القطري الثّالث في آذار / مارس سنة 1969 إبّان احتدام ما سُمّي بـ “أزمة الحزب” أنّه لا يمكن تحرير فلسطين بواسطة حرب العصابات، بل بواسطة جيوش نظاميّة تستعين بحرب العصابات، وكان في ذلك يردّ على إستراتيجيّة “حرب التّحرير الشعبيّة” التي كان يتمسّك بها جناح صلاح جديد. كما كان يرى أنّ الهدف الإستراتيجي هو تحرير الأراضي العربيّة المحتلّة كافّةً “قديمها وحديثها”، ولكن يجب التّركيز مرحليًّا على استعادة الأراضي العربيّة المحتلّة في عام 1967، وتصفية آثار العدوان. ودار بعد هذا المؤتمر صراعٌ خفيّ على التّعاطي مع القرار (242)، فقد كان جناح الأسد يبدي بشكلٍ غير رسميّ مرونة التّعامل البراغماتي معه جنبًا إلى جنب مع بناء القوّات المسلّحة في حين كان جناح صلاح جديد يرى ذلك خطًّا أحمرَ. ولهذا دعم السوفيات جناح الأسد، وتجلّى ذلك في التّعاون الوثيق بين الحزب الشّيوعي السّوري وبين جناحه قبل أن يستكمل بشكلٍ كامل استيلاءَه على السّلطة، وإبّان هذا الاستيلاء وبعده. بينما كان الحزب الشّيوعي السوري الذي عقد يومئذٍ مؤتمره الثّالث (1969) قد دخل في أزمةٍ عميقة، حيث دعم الراديكاليّون جناحَ جديد، وكان على رأسهم رياض الترك رئيس مكتب العمل الفدائيّ، بينما دعمت قيادة بكداش ومن خلفها السّوفيات جناح الأسد. وكانت “واقعيّة الأسد” الاجتماعيّة والسياسيّة سببًا في تفضيل قطاعاتٍ واسعة من السوريّين والفئات التجاريّة في المدن قيادته على قيادة جناح صلاح جديد. كما كان حنق القوى الناصريّة ممثّلة بالاتّحاد الاشتراكي العربي على سياسة الأجهزة الأمنيّة لصلاح جديد في رفض قيام جبهة وطنيّة تقدميّة تقود البلاد في مرحلة مابعد نكسة حزيران، وقيام تلك الأجهزة بقيادة عبد الكريم الجندي بحملة اعتقالات في صفوفها عاملًا في تفضيلها الأسد على جديد.
وفتح ذلك كلّه باب الصّراع على السّلطة في سورية بين صلاح جديد وحافظ الأسد، وانتهى بحركة 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 الانقلابيّة التي أطاحت بصلاح جديد ليصبح الأسد صاحب اليد العليا في سورية.
طمح الأسد إلى أن تكون سورية قوّةً إقليميّة، وأن تتمّ إدارة الصّراع مع إسرائيل عبر جبهة مشرقيّة، تشكّل سورية محورها، لذلك كان لابدّ من تقليص قوّة منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، والتي رأت أنّ نظام البعث في سورية لن يكون داعمًا لها، وبذلك بدأت خلافات عميقة بين القيادة الفلسطينيّة، والقيادة السوريّة ستنتهي بفصولٍ مأساويّة في بعض الحالات، خاصّةً بعد أن كرّست سورية نفسها قوّةً عربيّة بعد حرب أكتوبر 1973. ومن هذه الفصول كان التدخّل السّوري في لبنان عام 1976.
ثالثًا: التدخّل السّوري في لبنان، ومعركة تل الزّعتر
منحت حرب أكتوبر 1973 الرّئيس السّابق حافظ الأسد رصيدًا شعبيًّا كبيرًا، بعد انتقادات واتّهامات كانت توجّه له بقضيّة إعلان سقوط القنيطرة قبل سقوطها الفعليّ. وتحوّلت سورية بعد توقّف القتال على الجبهة المصريّة إلى جبهةٍ ساخنة فيما عُرف بحرب الاستنزاف التي استمرّت لمواجهة الهجوم الإسرائيلي المضادّ الذي أعاد احتلال أراضٍ سورية تمّ تحريرها بداية الحرب، وقد أسهمت المشاركة العسكريّة (العراق، والمغرب، والأردن)، إضافةً إلى المساعدات الخليجيّة في صمود سورية خلال هذه المدّة. بعدها تقدّمت الولايات المتّحدة لوقف القتال عبر جولات كيسنجر المكوكيّة، وفي جنيف 23 أيار / مايو 1974 تمّ توقيع اتفاقيّة فصل القوّات، والتي تضمّنت انسحاب إسرائيل من مدينة القنيطرة، بعدها تمّ تبريد جبهة الجولان بمجموعةٍ من المواقف أبرزها قبول سورية بعد حرب أكتوبر بالقراريْن 242و338.
لكن مفاوضات السّلام التي قادها كيسنجر لم تثمر على الطّرف السوري نتيجة الحماس المصريّ (السّادات) لعقد اتفاقيّة سلام منفردة، وبدت إسرائيل غير معنيّة بتطبيق قرارات مجلس الأمن في ظلّ الدّعم الأميركي، ومع انطلاق مفاوضات السّلام وجولات كيسنجر كانت الحرب اللبنانيّة تشتعل لتنهي فترة من الودّ بين القيادة الفلسطينيّة آنذاك والرّئيس السّابق حافظ الأسد سادت مؤقّتًا.
تمثّلت أطراف الحرب اللبنانيّة الأولى عام 1975 في الجبهة الوطنيّة التي ضمّت اليمين الماروني الذي يحظى بمساندة من أميركا، وإسرائيل، والحركة الوطنيّة التي ضمّت اليسار اللّبناني والقوى الإسلاميّة السنّية وتحالفت مع المقاومة الفلسطينيّة في لبنان وكانت تحظى بدعمٍ سوفييتي. أمّا النّظام السّوري فقد حرص في موقفه من الحرب طوال عام 1975 على الظّهور بمظهر الحياد والحفاظ على توازنٍ معيّن بين القوى المتصارعة في لبنان يحول دون توريط سورية في صدامٍ مع إسرائيل (حال انتصار اليسار والفلسطينيّين) كما يحول دون تكريس الهيمنة الإسرائيليّة على لبنان (في حالة انتصار اليمين الماروني). ومع الانتصارات الحاسمة لمعسكر اليسار في مطلع 1976 حدث تحوّل مهمّ في السّياسة السوريّة التي اندفعت في التّحالف السّافر مع اليمين، سياسيًّا وعسكريًّا بدعوى مقاومة التّقسيم.
كانت دوافع سياسة الأسد الجديدة متعدّدة. فهو أراد أوّلًا أن يقضيَ على أيّ عراقيلَ تحدّ من إستراتيجيّته القائمة على استعادة الجولان المحتلّ بواسطة تسوية سلميّة مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر أو بغيرها. وأهمّ هذه العراقيل هو وجود حركة مقاومة فلسطينيّة “قويّة ومستقلّة” عن الهيمنة السوريّة ومرشّحة لأن تزداد “قوّةً واستقلالًا” في حالة انتصار تحالفها مع اليسار اللبنانيّ ضدّ التّحالف الكتائبي الماروني، خاصّةً في ظلّ الدّعم الذي حظيت به في الرّأي العامّ العربيّ، لا سيّما بعد مجزرة السّبت الأسود في كانون الأوّل/ديسمبر 1975. كما أراد الأسد في الوقت ذاته إقناع اليمين الماروني بقبول الحماية السوريّة بدلًا من الحماية الأميركيّة – الإسرائيليّة (وظلّ هذا المنطق قائمًا لفترةٍ طويلة في التّعامل مع القوى المسيحيّة السياسيّة في لبنان). وكان الأسد يدرك أنّ انتصار اليسار اللّبناني المتحالف مع الفلسطينيّين سينعكس بتداعياتٍ بنيويّة سلبيّة على نظامه المستقرّ نسبيًّا، في مرحلة كانت رياح “التّغيير الثّوري الانقلابي” لا تزال حاضرة، وهو ما يمكن أن تتلقّفه المعارضة اليساريّة والإسلاميّة ضدّه داخليًّا.
حاول الأسد إقناع كمال جنبلاط، وياسر عرفات بالقبول بالمبادرة السوريّة، أي العودة إلى الأوضاع السّائدة قبل انطلاق الحرب الأهليّة، لكنّهما رفضا ذلك. ولاسيّما كمال جنبلاط الذي كان يرى أنّ الحسم هو قاب قوسين أو أدنى، وطلب عدم تدخّل دمشق لإعاقة ذلك. وبدا الأسد هنا أكثر واقعيّة وحرصًا على وحدة لبنان منهما. وبدأت سورية انحيازها إلى المعسكر الماروني سياسيًّا وتدخّلت عسكريًّا لصالحه، إذ أرسل الأسد نحو 30 ألف جنديّ، وحاول بداية السّيطرة على المدن الرّئيسة وإجبار الحركة الوطنيّة على الاستسلام، لكن المقاومة الفلسطينيّة واليسار اللّبناني واجها عسكريًّا القوّات السوريّة ففشلت إستراتيجيّة السّيطرة على المدن الرّئيسة، بعدها عمدت القوّات السوريّة إلى السّيطرة على المواقع الإستراتيجيّة، وعزل المواقع الفلسطينيّة واليساريّة اللبنانيّة عن بعضها، ورفع الضّغط عن مواقع المليشيات اليمينيّة. فاتّجهت الأمور نحو فاجعةٍ حقيقيّة تشكّل فصلًا من أكثر الفصول مأساويّة في القضيّة الفلسطينيّة، إذ استفادت المليشيات الكتائبيّة من الوجود العسكري السّوري، وتغيّر موازين القوى وبدأت بعمليّة تطهير للمناطق التي تسيطر عليها من كلّ من هو غير ماروني، وخاصّة الفلسطينيّين. وارتكبت مجازر عديدة في أحياء فقيرة مثل الكرنتينا والمسلخ والنبعة، والمخيّمات الفلسطينيّة في بيروت الشرقيّة وأهمّها على الإطلاق مخيّم تل الزّعتر الذي بلغ عدد سكّانه في عام 1976 نحو 30 ألفًا.
لقد حوصر مخيّم تل الزّعتر من قبل القوّات السوريّة، والمليشيات الكتائبيّة ودُكّ على مدى 62 يومًا بمختلف أنواع الأسلحة، وقطعت عنه كلّ الإمدادات بما فيها إمدادات الطّعام[7].
وفُرضت على سكّانه سياسة تجويعٍ شاملة.. وحالت القوّات السوريّة دون وصول أيّ تعزيزات تفكّ الحصار عن المخيّم. وباختصار تُرك المخيّم تحت قصف القوّات السوريّة من جهة والمليشيات الكتائبيّة من جهةٍ أخرى حتّى سقط في 12 آب / أغسطس 1976. واندفعت المليشيات الكتائبيّة ووقعت مجزرة مروّعة لتسجّل أوّل مجزرة كبرى ارتكبها عرب بحقّ فلسطينيّين، وبلغ عدد القتلى نحو أربعة آلاف فلسطيني، جرت تصفية معظمهم بإعدامات ميدانيّة ضمّت عائلات بأكملها. وهذا العدد لتقدير الكارثة يعادل نحو 90% من مجمل شهداء العرب في حرب عام 1948.
لقد تجاهلت القيادة السوريّة من خلال الضّوء الأخضر، والمساعدة العسكريّة التي مُنحت للمليشيات الكتائبيّة للفتك قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا بمخيّم تل الزّعتر معطيات الحسّ القومي، والعروبي المقاوم التي يمتلئ خطابها السّياسي بمفرداته، عندما استشهد مئات الفدائيّين والمقاتلين الفلسطينيّين الذين خاضوا معاركَ بطوليّة ضدّ إسرائيل داخل فلسطين المحتلّة، وخارجها ولاسيّما معركة الكرامة عام 1968 التي تُعدّ صفحةً ناصعة تسجّل للعمل المقاوم المسلّح في الصّراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وهؤلاء المقاتلون الذين عانَوا من الملاحقة في الأردن بعد أحداث أيلول الأسود، والتّضييق من القيادة السوريّة، ولجأوا إلى لبنان لاستكمال نضالهم المسلّح ضدّ إسرائيل، وجدوا أنفسهم يُقتلون من قبل مليشيات حزبيّة وطائفيّة متعصّبة تُظهر العداء علانيةً للقضيّة الفلسطينيّة، وهي ذاتها لقيت في عدوانها على الفلسطينيّين في لبنان دعمًا سياسيًّا ولوجستيًّا وعسكريًّا من النّظام السّياسي السّوري المرتكن في شرعيّته أيديولوجيًّا إلى القوميّة العربيّة والقضيّة الفلسطينيّة.
رابعًا: انفضاض التّحالف مع المارونيّة السياسيّة
لقد فتح التدخّل العسكري السّوري مآسيَ دامية على الفلسطينيّين، وقد باركته الولايات المتّحدة الأميركيّة. ولم يستسغه الرّأي العامّ العربي، والفلسطيني. وحتّى داخل سورية فقد الأسد ما اكتسبه من رصيدٍ شعبيّ بعد حرب أكتوبر 1973، وحتّى كوادر ومناضلو قواعد الصّاعقة أحسّوا بحرجٍ وطنيّ وقوميّ تاريخيّ تجاه هذه السّياسة، وانقلب الرّأي العامّ السّوري ضدّه. وارتسمت للأسد صورة ديكتاتور لا يرتدع عن فعل أيّ انتهاكات للمحافظة على استقرار نظامه، ولا يتوانى عن عقد أيّ تحالفات براغماتيّة بما فيها المباركة الأميركيّة لتدخّله العسكري ضدّ الفلسطينيّين في لبنان. وبدأت شرائح كبيرة من المجتمع السّوري، ولا سيّما اليسار والإسلاميّين المجاهرة برفض سياسة الأسد في لبنان وتحالفاته مع القوى الانعزاليّة والمارونيّة السياسيّة، في ظلّ خطاب سياسي وعقائدي رسميّ يجعل من الفلسطينيّين والقضيّة الفلسطينيّة محور توجّهاته. ولم يكن اليسار السّوري المعارض طائفيًّا بل قوميًّا راديكاليًّا تجاه فلسطين ومؤيّدًا للقوى الوطنيّة اللبنانيّةـ ولكن المعارضة الإسلاميّة صبغت آنذاك بشعارات عكست لأوّل مرّة بعدًا طائفيًّا في توجّهها عندما تردّدت في المساجد الدمشقيّة مقولة: “قبلناك علويًّا ولن نقبلك مارونيًّا”. وأصبح هذا البعد الطّائفي الذي تطوّر لاحقًا مقتل المعارضة الإسلاميّة السوريّة. وأمام هذه الإضرابات وبعد فترةٍ وجيزةٍ بدأ الأسد سلسلة تعيينات طائفيّة في الجيش واستبعاد ضبّاط آخرين، إذ عيّن عدنان مخلوف (ابن عمّ زوجته) قائدًا للحرس الجمهوري الذي بدأ باحتياطات حول القصر الجمهوري، ورفع أخاه رفعت الأسد إلى رتبة عقيد وقويت تجهيزات “سرايا الدّفاع” التي يقودها وتضاعف عددها، لتدخل سورية آنذاك في مرحلة حكم النّخبة (العائلة) المرتبطة بوشائجَ طائفيّة مناطقيّة (السّاحل) من خلال التّعيينات في الأمن والجيش.
نجح الوجود العسكريّ السوري في تقليص ظاهرة المقاومة الفلسطينيّة، ونجح في ضبط الكثير من عمليّاتها ضدّ إسرائيل. وأُشيعت أجواء من التّهدئة بعد حرب السّنتين في لبنان ( 75-76). لكن مع تكرار الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان 1978 -1982، وبروز ما أُطلق عليه “أزمة الصّواريخ”، وقصف القوّات السوريّة الموجودة في لبنان، بدأت تظهر تقاطعات آنيّة بين منظّمة التّحرير الفلسطينيّة والقيادة السوريّة، خاصّةً بعد أن بدأت تحالفات المارونيّة السياسيّة تنحو من جديد باتّجاه إسرائيل، وتحالفت مع شارون أثناء غزو لبنان عام 1982 وحاصرت القوّات السوريّة في البقاع، واخترق الجيش الإسرائيلي المواقع السوريّة المطلّة على بيروت بعد الالتحام بقوّات بشير الجميل.
لقد أدّى الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى احتلال الجنوب والعاصمة بيروت. وقُتل خلال الاجتياح الإسرائيلي أكثر من 20 ألف لبنانيّ، وفلسطينيّ. وانتهى احتلال بيروت بانتخاب بشير الجميل رئيسًا في ظلّ الحرب الإسرائيليّة، وخروج منظّمة التّحرير الفلسطينيّة منها، وجرى توقيع اتفاقيّة 17 أيار / مايو. وتظاهر بشير الجميل حليف إسرائيل بأنّه يساوي بين الجيش الإسرائيلي والجيش السّوري، ومنظّمة التّحرير الفلسطينيّة، حيث استغلّ خروج القوّات الفلسطينيّة والسوريّة من بيروت، ودعا مباشرةً بعد انتخابه رئيسًا إلى انسحاب الجيوش الأجنبيّة كافّة من لبنان بما فيها الجيش السّوري، ما شكّل آنذاك ضربةً معنويّة للقيادة السوريّة أمام الرّأي العامّ الشّعبي في الداخل. فقد رأت قطاعاتٌ واسعة من الرّأي العامّ السوري والفلسطيني أنّ سياسة الرّئيس الأسد هي التي أدّت إلى تقوية القوى الانعزاليّة التي تخلّت عنه وتحالفت مع إسرائيل. وهذا التّحالف أسهم في إضعاف منظّمة التّحرير الفلسطينيّة ما جعلها فريسةً سهلة للاجتياح الإسرائيلي على الرّغم من المقاومة البطوليّة. وإضافةً إلى ذلك كانت القيادة السوريّة “تحل” مشاكلها الداخليّة مع الإسلاميّين (الذين طوّروا في السّنوات السابقة توجّهًا انقلابيًّا ومارسوا عمليّات مسلّحة ومن ضمنها عمليّات تفجير وأحزمة ناسفة وغيرها) بمجزرة أدّت إلى مقتل عشرات الآلاف من الأهالي المدنيّين في مدينة حماة، وتركت جرحًا عميقًا في الذّاكرة.
خامسًا: إيلي حبيقة ومجزرة صبرا وشاتيلا
بعد انقضاء أسبوعين على خروج القوّات السوريّة والفلسطينيّة من بيروت، وقع انفجار في مقرّ حزب الكتائب في الأشرفيّة في بيروت أسفر عن مقتل بشير الجميل و30 من رفاقه. واتّهمت القوّات اللبنانيّة سورية بأنّها كانت خلف هذه العمليّة عبر عنصر من القوّات اللبنانيّة انتمى سرًّا إلى الحزب القوميّ السوري الموالي لها. وبرز في هذه المرحلة مسؤول شعبة الأمن السّياسي في القوّات اللبنانيّة ( إيلي حبيقة)، إذ اتّفق مع وزير الدّفاع الإسرائيلي أرئيل شارون آنذاك، على أنّ أفضل انتقام لبشير الجميل يكون بتنفيذ الاتّفاق المسبق بين القوّات اللبنانيّة وإسرائيل بدخول المخيّمات الفلسطينيّة وتصفية “المخرّبين”.
وبهذا الاتّفاق أعطى شارون أوامرَ لجيشه بدخول بيروت والمخيّمات الفلسطينيّة بعد ساعات من اغتيال الجميل، وكان دخولًا سهلًا بسبب خروج عناصر المقاومة الفلسطينيّة، وفي 16 أيلول / سبتمبر 1982 سمح عمير دروري لقوّات حبيقة بدخول مخيّمَي صبرا وشاتيلا حيث عملت مدّة يومين على قتل المدنيّين الفلسطينيّين وبعض اللبنانيّين، بأساليبَ وحشيّة بدائيّة غير مسبوقة تضمّنت الذّبح والاغتصاب وبقر بطون الحوامل وبلغ عدد ضحايا المجزرة 3500 شهيد فلسطيني بأدنى تقدير، مع وجود مصادر فلسطينيّة تشير إلى أنّ عدد القتلى بلغ 5000 شهيد فلسطينيّ جلّهم من المدنيّين، إضافةً إلى عددٍ كبير من المناضلين والفدائيّين الفلسطينيّين الذين خبروا جولات المواجهة مع إسرائيل في أماكنَ عدّة (قلعة الشقيف، إقليم التفاح، صيدا)، وهؤلاء جميعًا تمّ إعدامهم والتّنكيل بهم والتّمثيل بجثثهم بشكلٍ أعاد للذّاكرة صورة مخيّم تل الزّعتر[8].
وبهذه المجزرة كان الخاسر الأكبر هو القضيّة الفلسطينيّة، بخسارتها العديد من الفدائيّين والمقاتلين والكثير من الوطنيّين الذين وهبوا حياتهم للعمل المقاوم المسلّح في سبيل عدالة القضيّة التي يؤمنون بها.
كان إيلي حبيقة المسؤول الأوّل عن مجزرة صبرا وشاتيلا كونه هو من أنتج اتّفاق اقتحام المخيّمات مع الإسرائيليّين، وقوّاته هي من ارتكبت المجازر تحت إشراف الجيش الإسرائيلي، وكانت عمليّة انتقاميّة بشعة لم تستهدف عناصر المقاومة الفلسطينيّة بقدر ما استهدفت المدنيّين الفلسطينيّين. وكان رجل إسرائيل القويّ في تلك المرحلة خاصّةً وأنّه تبنّى مخطّط بشير الجميّل لجعل لبنان محميّة إسرائيليّة- كتائبيّة (ومن معاونيه في تلك الفترة بما فيها مرحلة صبرا وشاتيلا كان ميشيل سماحة، وهو أيضًا ممّن شاركوا في وفود بشير الجميّل لمقابلة مناحم بيغن في نهريا). لكن، بعد تنامي عمليّات المقاومة والانسحاب الإسرائيلي من بيروت، وعودة القوّات السوريّة إليها، أدرك حبيقة أنّ موازين القوى تسير لصالح سورية فحاول الانفتاح عليها عام 1985، مخالفًا نهج القوّات اللبنانيّة، فعمد لعقد اتّفاقٍ معها، بعد هزيمة القوّات على يد اليسار الفلسطيني ووليد جنبلاط في الجبل. وكعادة القيادة السوريّة في تحالفاتها البراغماتيّة تناست تاريخ العمالة والتّعاون الإسرائيلي مع حبيقة، وارتكابه المجازر بحقّ الفلسطينيّين وانفتحت على توجّه حبيقة الجديد في القوّات اللبنانيّة للتّحالف معها. بعد ذلك حصلت حركة انقلابيّة داخل القوّات اللبنانيّة قادها سمير جعجع أطاحت بإيلي حبيقة من قيادة حزب القوّات اللبنانيّة. وفي أيلول / سبتمبر 1986 حاول حبيقة احتلال بيروت الشرقيّة، لكنّه هُزم وتمركز رجاله في زحلة، فلجأ إلى سورية.
في عام 1990 قاتل حبيقة ورجاله مع سورية ضدّ العماد ميشيل عون، فكافأته سورية بعدّة مناصبَ وزاريّة في الحكومات اللبنانيّة المتعاقبة منذ عام 1990 إلى تاريخ اغتياله في عام 2002[9]،
لا سيّما بعد أن تورّط في عدّة حوادث قتل شخصيّات سياسيّة كانت ضدّ الوجود السّوري في لبنان مثل داني شمعون.
كان التّحالف مصلحيًّا محضًا، ولكنّه عبّر عن نفسه أحيانًا بتبريرات فكريّة ضحلة ومصطنعة لانفتاح سورية على شخصيّات انعزاليّة إجراميّة مثل إيلي حبيقة، وميشيل سماحة وإلياس المر. ومنها الحجّة التي برّرته لمثل هذه التّحالفات التي اعتبرت لاأخلاقيّة، إذ “اكتشفت” تلك الشخصيّات فجأةً أنّ المارونيّة هي ظاهرة سريانيّة شرقيّة متقاطعة مع العروبة، وليست ظاهرة “متميّزة حضاريًّا” عن المحيط العربيّ والإسلاميّ كما كانت تعتقد. والحقيقة أنّه لا يجوز الاستخفاف باجتذاب تيّار ماروني يدمج المسيحيّة المشرقيّة بالشّرق العربي، ولا يقع أسير الشّعور بالمشترك مع الغرب وإسرائيل. ولكن هذه الشخصيّات المليشياوية الإجراميّة لا تنتقل بناءً على قناعات فكريّة من هذا النّوع بل ركبت موجة العداء الشّعبي اللّبناني الماروني للإفراط في النّهج الانعزالي والتّعاون مع إسرائيل وتحويله من عملٍ مؤقّت فرضته مرارات الحرب إلى سياسة. لقد انتقلت تلك الشخصيّات ضمن تحالفها المصلحي مع سورية باعتبارها كانت القوّة الأكثر فاعليّةً في لبنان. ولم تتردّد أحيانًا في المزايدة بالشّعارات، على الرّغم من تاريخها الأسود ضدّ الفلسطينيّين. وقد دأبت هذه الشخصيّات على اتّخاذ مواقفَ سياسيّة تحكمها معايير توازن القوى. فعاد إلياس المر ونقل تحالفاته إلى المعسكر المضادّ، وقام بدورٍ خطير إبّان العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 كما أكّدت سلوكيّاته المشبوهة نفسها التي أثبتتها وثائق ويكليكس. وكشفت وثيقة منها صادرة عن السّفير الأميركي الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان في 14/7/2006 ، أنّ الوزير اللبناني الأسبق ميشال سماحة أبلغ ممثّل السّفارة الأميركيّة بعد يومين على اندلاع حرب تمّوز 2006 أنّ ردّ الفعل الإسرائيلي في العدوان على لبنان (طبيعي). وأخبر سماحة السّفارة الأميركيّة أنّ الحرب الإسرائيليّة على لبنان لا يمكن أن تغيّر من الوضع الدّاخلي، وأنّ هناك حاجة إلى هيئة حوار تضمّ ميشيل عون، والسيّد حسن نصر الله وسعد الحريري، وقد رأى ممثّل السّفارة الأميركيّة أنّ سماحة يعيد مقترح الاتّفاق الثّلاثي الذي أعدّته سورية في ثمانينيّات القرن الماضي بين حركة أمل، والحزب الاشتراكي الدّيمقراطي، والقوّات اللبنانيّة التي ينتسب فكريًّا إلى مدرستها، وقام فيه سماحة بدور الوساطة.
ورأى سماحة كما بيّنت المذكّرة أنّ الفكرة التي يجب تطبيقها في لبنان هي جمع الموارنة والسنّة معًا من أجل احتواء حزب الله، وأنّه يجب إيجاد طريق لعودة سعد الحريري إلى لبنان آنذاك من أجل إطلاق الحوار الثّلاثي المقترح، لأنّ البديل عن هذا الحوار هو “الحرب الأهليّة”[10].
كان سماحة إذًا يعدّ نفسه للانتقال في حالة الانتصار الإسرائيلي، إذ تدلّ هذه الوثيقة على أنّ سماحة اعتقد بداية الحرب في قدرة إسرائيل على هزيمة المقاومة لذلك عمد إلى فتح قنوات مع السّفارة الأميركيّة يبرّر لها ردّها، لذلك فإنّ موقفه السّياسي هذا كان لترتيب الأوضاع اللبنانيّة الداخليّة مع إنضاج توازنات تأخذ بالاعتبار إمكانيّة إضعاف المقاومة في لبنان وعودة تيّار 14 آذار الذي تورّط بعض رموزه في تلك الرّهانات والاتّصالات. هذا الواقع يتناقض مع نبرة خطابه الإعلامي الدّاعم للنّظام السّياسي في سورية ضدّ الثّورة، والذي يجمّله دائمًا بمفردات المقاومة والعروبة والقضيّة الفلسطينيّة. وهي مفردات استخداميّة لا علاقةَ لها بتاريخه أو عقليّته، فسماحة هو نتاج المارونيّة السياسيّة من النّوع الدّموي، ولكنّه انتهازي. وما زالت الطائفيّة والمصلحة الشخصيّة والارتباط بأجهزةٍ محلّية وأجنبيّة تحكم سلوكه الحالي ضدّ الثّورة السوريّة[11].
أمّا النّظام السّياسي في سورية، فنهجه البراغماتي ومرونة سياسته الخارجيّة كانا يسمحان له بإنضاج تحالفات لا مبدئيّة مع شخصيّات سياسيّة بهدف ضمان موقعه كحاكم للتّوازنات داخل لبنان، بغضّ النّظر عن سيرتها التاريخيّة سواء أكانت ضدّه في فترات ماضية، أو تحمل مواقفَ عدائيّة للقضيّة الفلسطينيّة التي يعدّها إعلاميًّا وسياسيًّا قضيّته المركزيّة. ويبيّن التّحالف الحالي مع رئيس تيّار التّغيير ميشيل عون هذا المحدّد، لا سيّما أنّ الكتلة البرلمانيّة لعون وقفت ضدّ منح أدنى حقوق اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان، بما في ذلك حقّ امتلاك شقّة سكنيّة، أو حقّ مزاولة المهنة. وفيما سبق وقف عون ضدّ سورية في لبنان، وأنضج تحالفات مع جيش لبنان الجنوبي (العماد لحد). وكان سببًا رئيسًا في التّحريض الغربي والأميركي ضدّ سورية حيث أدلى بشهادة في الكونغرس نتج منها قانون محاسبة سورية 2004، إلى حين عودته في عام 2005 بعد خروج القوّات السوريّة من لبنان بعد القرار 1959.
سادسًا: حرب المخيّمات الفلسطينيّة (1985-1986)
على الرّغم من أنّ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، واحتلال الجنوب قلّص من نفوذ منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، إلا أنّ جبهة مقاومة فُتحت ضدّ هذا الاحتلال شملت مختلف التّنظيمات الثوريّة الموجودة من يسار فلسطيني، وحركات إسلاميّة، وشيوعيّين، وقوميّين سوريّين. واستطاعت سورية نتيجة انسحاب إسرائيل من بيروت والتّراجع إلى جزين أن تستعيد حضورها العسكري في مناطقَ مختلفة من لبنان، لاسيّما بيروت الشرقيّة. وظهرت سورية القوّة العسكريّة الأكبر ذات النّفوذ السياسي الواسع خارج الأراضي اللبنانيّة المحتلّة من قبل إسرائيل، لاسيّما بعد إسقاط اتّفاق 17 أيار.
كانت حركة أمل من أبرز حلفاء سورية في لبنان، وكان رئيس مجلس النوّاب اللّبناني نبيه برّي يعدّ (الشخصيّة المدلّلة للقيادة السوريّة)، وقد تعزّز تحالف أمل مع سورية بشكلٍ وثيق بعد قيام الثورة الإسلاميّة في إيران، إذ شكّلت حركة أمل الواجهة السياسيّة للطّائفة الشيعيّة في لبنان، خاصّةً وأنّها انطلقت بدايةً من أسبابٍ اجتماعيّة لامست حياة الفقر والتّهميش التي عانت الطّائفة منها، لذلك سُمّيت عند انطلاقتها “حركة المحرومين”، ثمّ أعلنت عن تشكيل كتائبَ مسلّحة سُمّيت بـ “أمل”، والتي هي اختصار لكلمة “أفواج المقاومة اللبنانيّة”.
لم يظهر أيّ منافسٍ لحركة أمل في السّاحة الشيعيّة حتّى عام 1982 بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت، إذ انشقّ عنها تيّارٌ ديني متشدّد، وذلك على خلفيّة مشاركة أمل في انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهوريّة. وتولّى هذا التيّار القيام بعمليّات عسكريّة ضدّ إسرائيل. وهو نفسه الذي سيشكّل في عام 1985 حزب الله اللبناني. وقد تقاطعت شخصيّات من هذا التيّار مع المنظّمات الفلسطينيّة في لبنان ونسّقت معها في عمليّات المقاومة ضدّ إسرائيل.
وابتعدت سورية بدايةً عن دعم هذا التيّار المقاوم بسبب تحالفها الوثيق مع قيادة حركة أمل اللبنانيّة، حتّى أنّها اصطدمت معه في بعض الأحيان قبل عام 1987 عندما حصلت اشتباكات بين هذا التيّار ومقاتلي حركة أمل فيما سُمّي حرب الزواريب. ودعمت القوّات السوريّة مقاتلي أمل ضدّ مقاتلي حزب الله في حينه.
لم تتّخذ أمل بدايةً مواقفَ عدائيّة ضدّ الفلسطينيّين في لبنان، بل حاولت أن تميّز نفسها عن السّياسة السوريّة بسبب التّقاطعات في عمليّات المقاومة ضدّ إسرائيل، لكن أمل كحركة سياسيّة شيعيّة لم تحمل أهداف التيّار الأصولي الذي انشقّ عنها فقط، بل لطالما كرّست نفسها كأحد أطراف اللّعبة السياسيّة في لبنان، وقد خاضت معارك عدّة في الحرب الأهليّة التي نشبت عام 1982، لا سيّما في طرابلس مستفيدة من الدّعم السّوري السّياسي والعسكري.
وعلى خلفيّة ذلك بدأت قطيعة سياسيّة تظهر بين التّنظيمات الفلسطينيّة وحركة أمل، التي اتّهمت الفلسطينيّين بدعم التيّار الأصولي المنشقّ عنها، والقتال ضدّها مع “السنّة” في معارك بيروت وطرابلس، وتعاظمت هذه الخلافات في عام 1985، خاصّةً بعد الإعلان عن تأسيس حزب الله اللبناني، حيث تحالفت قياداته مع المنظّمات الفلسطينيّة التّابعة لياسر عرفات.
بعد ذلك تعاظمت الخلافات بين أمل والفلسطينيّين لتبدأ حربٌ استمرّت أكثر من عام بدأت بحادثٍ فرديّ في 16 أيار / مايو1985 ، واستمرّت حتّى 17 حزيران / يونيو 1985. وسُميّت هذه الفترة بحرب رمضان، حيث اندلعت الاشتباكات في أطراف مخيّم صبرا وشاتيلا والداعوق، تطوّرت إلى قصف مقاتلي الحركة المخيّم بالتّعاون مع اللّواء السّادس المنشقّ عن الجيش اللّبناني، ودعم سياسيّ وعسكريّ سوري، سقط خلاله عشرات الشّهداء من الفلسطينيّين. وشُرّد أهالي مخيّم الداعوق البالغ عددهم 3000 نسمة. بعدها سقط المخيّم ودُمّر بشكلٍ كامل، ونفّذ مقاتلو الحركة العديد من المجازر بحقّ الأطفال والنّساء، قبل التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النّار بين حركة أمل والمقاتلين الفلسطينيّين.
أمّا الجولة الثّانية من المواجهات فقد بدأت في 4 أيلول / سبتمبر 1985، إذ فوجئ أهالي مخيّم برج البراجنة بإطلاق قوّات أمل النار باتّجاه مخيّمهم، واقتحامها بعض المواقع الدفاعيّة فيه، كما قامت قوّات أمل في اليوم نفسه بتطويق المباني التي يقطنها الفلسطينيّون بحارة حريك، وتمّ إنزال 30 رجلًا من هذه المباني وإعدامهم، ودامت الاشتباكات في مخيّم برج البراجنة عشرة أيّام سقط خلالها 20 فلسطينيًّا وجُرِح 85 آخرون، عندها أضحى الفلسطينيّون على قناعةٍ تامّة بأنّ اعتداء أمل المدعوم عسكريًّا من القوّات السوريّة الموجودة في لبنان، يرجع إلى الخلاف الجوهري بين قيادة المنظّمة والنّظام السّياسي السّوري (والذي وضع ملفّ لبنان السّياسي في يدي عبد الحليم خدّام، والأمني بين يدَي غازي كنعان).
لذلك بدأ الفلسطينيّون التحصّن في مخيّماتهم وفي مخيّلتهم مجزرة تل الزّعتر، وفي أثناء ذلك بادرت قوّات أمل إلى شنّ أوسع حملة اعتقالات ضدّ الشباب الفلسطيني في مخيّمات البص، والبرج الشّمالي، والرشيديّة، والقاسميّة، وفي مخيّمات صور، وقتلت العديد منهم تحت التّعذيب، وكانت حصيلة هذه الاعتداءات سقوط ما يقارب 575 شهيدًا فلسطينيًّا[12].
وفي 28 آذار / مارس 1986 شنّت قوّات أمل هجومًا عسكريًّا على مخيّم شاتيلا، حاولت اقتحامه عدّة مرّات لكنّها لم تنجح بسبب تحصّن الدّفاعات الفلسطينيّة، وسقط في المخيّم 24 قتيلًًا، و75 جريحًا. وفي 22 أيار / مايو 1986 بدأت قوّات أمل وقوّات اللّواء السّادس في الجيش اللبناني بمحاولة اقتحام مخيّم شاتيلا، وبرج البراجنة سقط ما يقارب 90 شهيدًا ونحو 1000 جريح، دون أن تتمكّن هذه القوّات من اقتحام المخيّمات الفلسطينيّة.
بذلك تكون حركت أمل أكملت عدوانها على الفلسطينيّين في حرب المخيّمات، والذي نجم عنه مقتل أكثر من 1000 شخص، عدا عن المعتقلين والمفقودين الذين لم يُعرف مصيرهم بشكلٍ يجعل من المصادر التي تشير إلى عدد القتلى في هذه الحرب غير دقيقة لجهة وجود رقمٍ دقيق، لكنّها تشير إلى نهجٍ عدائي ضدّ الفلسطينيّين من أطرافٍ لبنانيّة حزبيّة وطائفيّة عديدة، حاولت استئصالهم بقوّة السّلاح بصمتٍ من القيادة السوريّة تارةً، وبتشجيعٍ ودعم في أحيانٍ كثيرة أخرى.
بعد هذه المجازر أدركت حركة أمل استحالة اقتحام المخيّمات على خلفيّة التّحصينات الفلسطينيّة فوافقت على وقف إطلاق النّار وتمّ الإعلان عن اتّفاق بين حركة أمل وما سُمّي جبهة الإنقاذ الفلسطينيّ تحت اسم اتّفاق دمشق[13].
وعلى مدى عامٍ ونيف من الحصار، والقصف، والقتل لم تتمكّن حركة أمل من اقتحام المخيّمات الفلسطينيّة، ما حقّقته هو تدمير البنية التحتيّة في هذه المخيّمات. كانت تلك الحرب من أقسى الحروب التي خاضها الفلسطينيّون وشملت منع التّموين وقصف المستشفيات وسيّارات الإسعاف.
خاتمة
يمثّل التمعّن في هذه التّجارب مدخلًا لانتقاد النّظام السّياسي الحالي في مزايدته المستمرّة في القضيّة الفلسطينيّة، ودليلًا على استغلاله الوظيفي لها إعلاميًّا وسياسيًّا في قمع معارضيه. وما اعترافُه بالدّولة الفلسطينيّة في حدود عام 1967 أثناء الثّورة، وإرساله مجموعة من الشّباب الفلسطينيّين في عام 2011 إلى الحدود مع الجولان المحتلّ في ذكرى نكبة فلسطين، ونكسة حزيران، إلّا استمرارًا لهذا النّهج في استخدام قضيّة فلسطين دون أدنى التزام تجاه الفلسطينيّين أو السوريّين. حيث فتح النّظام في ذكرى النّكبة الـ63 الحدود لأوّل مرّة أمام المتظاهرين، بعد أن كان يمنع حتّى التّفكير في الوصول إليها، وتركهم في مواجهة الرّصاص الإسرائيلي ما أدّى إلى مقتل عشرات منهم، بهدف التّغطية على قمع الاحتجاجات التي تعاظمت ضدّه في تلك الفترة. ولقد جرى استخدام الشّباب الفلسطيني المتمرّد على قياداته وعلى لفظيّتها الثوريّة بكلّ بساطة كوقود لتحصيل عوائدَ رمزيّة في السّياسة.
يسجَّل للنّظام السوري أنّه ظلّ رافضًا للسّلام المنفرد مع إسرائيل، وأنّه آخر من انضمّ للتّفاوض حين قبل معادلة مدريد. ولكنّه حين قبل بالتّفاوض فقد حوّل السّلام مع إسرائيل إلى “خيار إستراتيجي” بشرط استعادة الأرض السوريّة المحتلّة عام 1967 كاملة. وهو لم يشرط السلام بإحقاق حق العودة، مثله كمثل الدول الأخرى التي ذهبت باتجاه السلام المنفرد. وهذا النوع من السلام المنفرد مهد لشعارات الأردن أولا ومصر أولا، وفي النهاية اتجهت الأمور الى سورية أولا من دون حل لقضية فلسطين. وقد سبقته القيادة الفلسطينيّة إلى التخلّي عن مسار مدريد وتوقيع اتّفاق منفرد، وتبعها الأردن في اتّفاق العقبة. لقد كان النظام السوري هو الأخير الذي هب بهذا الاتجاه، ولكن بنفس شروط سابقيه.
كما يسجّل له استضافته لفصائل المقاومة الفلسطينيّة الإسلاميّة حين لم توافق أيّ دولة عربيّة على استضافتها، وعلى الرّغم من منعه للمقاومة من أراضيه في إطار تطوّر منطق الدّولة في سورية.
في الحقيقة لم يكن لدى النّظام السّوري جدول أعمال جدّي وواضح للتّعامل مع القضيّة الفلسطينيّة، ولم تتوافر سياساته وممارساته على رؤيةٍ شاملة وتصوّرٍ واضح عن السّبل والمراحل ووسائل الضّغط والدّفاع والحرب، وكان يقاربها على الدّوام من خلال تكتيكات ومقايضات تخدم استمراره في الحكم وحسب. وقد بدأ وتطوّر قوميًّا في سياساته تجاه فلسطين وانتهى قطريًّا، بل وأكثر من ذلك انتهى مهتمًّا بحماية نظامه قبل أيّ شيءٍ آخر.
لقد برّر النّظام استبداده وحكمه الشّمولي بتجميع القوى وحشد الطّاقات لتحرير الأرض والصّراع مع إسرائيل، لكن بإمكاننا -ببساطة- اكتشاف أنّ شعاراته المرفوعة بشأن القضيّة الفلسطينيّة لم تكن متوافقة مع الإمكانيّات الحقيقيّة على الأرض من جهة، كما نكتشف عدم الجدّية عندما عزل شعبه عن معادلة الصّراع. فقد هيّأت سياساته أوضاعًا سياسيّة واقتصاديّة ومجتمعيّة قادرة في كلّ لحظة على إعادة إنتاج الهزائم والكوارث، إذ من البديهي القول إنّ من يهزم شعبه ماديًّا ومعنويًّا خلال عمليّة فرضه للاستبداد لا يستطيع أن يهزم الأعداء، ومن يزرع الاستبداد لا يحصد إلّا انهيارًا في الدّاخل وخسارات في الخارج. فالمعركة مع العدوّ الإسرائيلي وخدمة القضيّة الفلسطينيّة تتوقّفان بالدّرجة الأولى على إنجاز التقدّم في الدّاخل السّوري. وهذه الحقيقة كانت واضحة لدى الشّعب السوري، وعبّر عنها في شعارات الثّورة السوريّة التي أعلنت أنّ اللّعبة القديمة لم تعد تنطلي على أحد، لعبة تأجيل عمليّة التّغيير الوطني الدّيمقراطي أو تجميدها بحجّة الصّراع مع العدوّ الإسرائيلي، لأنّ التهتّك الداخلي هو الأساس الموضوعي لجميع آليّات الهيمنة الخارجيّة.
*دراسة ارسلها مجموعة من الباحثين الشباب السوريين والفلسطينيين لكي تنشر على موقع الدكتور عزمي بشارة، وقد قررنا نشرها للأهميتها.
———————————-
• [1] ينحدر (40 %) من إجمالي اللاجئين الفلسطينيّين في سورية من مدينة صفد وقضائها، المتاخم لسورية، و22% من حيفا والقضاء ويتوزّع الباقون بنسبٍ متفاوتة بحسب أصولهم في مدينة المنشأ والقضاء في فلسطين. أحمد الفلو، “حقائق مهمّة عن وضع الفلسطينيين في سورية”، موقع فلسطين في الذاكرة،11/1/2009
• [2] http://www.palestineremembered.com/Haifa/al-Tantura/Story12073.html وكذلك موقع الجالية: http://www.aljalia.org/all/viewPages_country.php?id=1
• [3] لقد عكس هذا القانون في منحاه المطلق إيجابيّة تعامل الحكومة السوريّة مع اللاجئين كإخوة للسوريّين. لكنّه كان ترجمة لتشكيل هيئة الغوث للّاجئين، ثمّ ارتبط بحصر حجم اللاجئين في إطار المشروع السرّي الذي عرضه ماغي مساعد وزير الخارجيّة الأميركية لشؤون الشّرق الأدنى في تشرين الأوّل أو الثّاني 1948، وكان عبارة عن أفكار رئيس لجنة التانسفير السابقة يوسف فايتس بحصر اللاجئين وتوطينهم في الجزيرة السورية. وقد سارت حكومة خالد العظم مع رسالة ماغي لكنّها سقطت وسقط النظام في 30 آذار، وتجدّد بشكلٍ أكبر ومباشر خلال سنوات 1949-1954، وربّما دفع الشيشكلي كما يقول الأرشيف الأميركي القمن بالتخلّي عنه.
• [4] في عام 1955 انتهى مشروع جونستون بتوطين اللاجئين إلى الإخفاق بسبب تحطيم حكومتي شاريت وبن غوريون له، يمكن مراجعة يوميّات شاريت حول ذلك، وقسمها المتعلّق بذلك مترجَم إلى العربية. ولم تجد الحكومة السوريّة من بدٍّ من اتّخاذ هذا القرار لتخفيف العبء عن الفلسطينيّين. ولكن جوهره هو عدم التّمييز ضدّ الفلسطينيّين، وهذه هي قيمته.
• [5] نصّ القرار 1311 “قرّر وزير الداخلية بعد الاطّلاع على المادّة (23) من القانون رقم (89) لسنة 1960 إعطاء اللاجئين الفلسطينيّين المقيمين في الجمهورية العربيّة السوريّة أو المشمولين برعايتها وثائق سفر بناءً على طلبهم، ويشترط على المقيمين منهم في الجمهورية العربية السوريّة أن يكونوا مسجّلين لدى مديرية مؤسّسة اللاجئين الفلسطينيّين العرب، وحائزين على تذكرة إقامة من المديرية العامّة للأمن العامّ. وتتولّى وزارة الداخلية السوريّة (إدارة الهجرة والجوازات والجنسية فروعها في المحافظات) إصدار وثيقة السفر للاجئين الفلسطينيّين وتمديدها وتجديدها وإضافة واقعات الأحوال المدنيّة إليها، كما تتولّى البعثات القنصلية أو أيّ جهة يعهد إليها برعاية المصالح السوريّة في الخارج إصدار الوثيقة المذكورة وتمديدها وتجديدها وإضافة الوقوعات المدنيّة إليها، وذلك بالنّسبة إلى الفلسطينيّين المشمولين برعاية الجمهورية العربيّة السورية والموجودين بالخارج، على أن تشعر إدارة الهجرة والجوازات والجنسيّة بذلك”.
• [6] كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر ، ط1( بيروت، دار النهار ، 2012) ص 381-382 .
• [7] ناجي حسين،” تراجيديا تل الزعتر”، مركز الدراسات الاشتراكية، 1/9/1996 . http://www.e-socialists.net/node/4720
• [8] كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر، ط1، (بيروت: دار النهار، 2011)، ص 589.
• [9] الجزيرة نت، “إيلي حبيقة نهاية دموية لجزّار صبرا وشاتيلا”، 24/1/2002 .
http://www.aljazeera.net/news/pages/c2afc16c-4b85-4139-858b-fef0b524c9ea
• [10] وكالة أخبار الشرق الجديد، “ويكيليكس عن ميشال سماحة بحرب تموز: لم أتوقّع تصعيدًا حقيقيًّا من إسرائيل”http://www.neworientnews.com/news/fullnews.php?news_id=30174
• [11] لم يقم سماحة بدور مهمّ في أيّ مرحلة، ولكنّنا أفردنا له هذه السطور لأنّه قدّم بسلوكه خلال الثورة السورية نموذجًا حيًّا لمن لا يتورّع النّظام السّوري والإعلام المؤيّد له عن استخدامهم كبوق في دعم النظام والتّحريض على خصومه.
• [12] محمود كلم، “حرب المخيّمات .. الأسباب والنّتائج “، الحوار المتمدّن، العدد3714، 1/5/2012 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=305733
• [13] روسيا اليوم، ” حرب المخيّمات الفلسطينية.. حقائق وذكرى”. http://arabic.rt.com/forum/showthread.php?t=50380

Advertisements