دراسة جديدة: بقلم عزمي بشارة
تاريخ النشر: الثلاثاء 15 يناير 2013
1. تاريخيا ومفهوميا من الصعب فصل اليسار العربي في فلسطين عن اليسار اليهودي في مرحلة ما قبل النكبة. فعدا استثناءات قليلة، نشأ اليساران كيسار واحد في سياق نفس التأثر بالحركة الشيوعية، والكومنترن. وحتى بعد ان جرت محاولات لتعريب الحزب الشيوعي بقرار من الكومنترن، إنما جرى التعريب كفعل واع لأن غالبية السكان الأصليين كانت غريبة عن الفكر والتنظيم الشيوعي. وبعد الانشقاقات التي أدت في النهاية الى قيام عصبة التحرر الوطني، كتنظيم شيوعي عربي، قبل اربعة اعوام من النكبة إنما أبقته أسير نفس هذه الجدلية ولم يمنح زمنا كافيا لينضج كيسار فلسطيني له طابعه.
2. ورب قائل، وحتى رب باحث أن يدعي أن هذا هو الطبيعي أيضا، أي أن يتجاوز اليسار الحواجز القومية باحثا عن وحدة الطبقة العاملة والكادحين عموما ضد مشغليهم، أي مستغليهم، أو ضد برجوازياتهم… (وهذه لغة اليسار من المرحلة تلك دون تصرف). وهذا المقال ليس بصدد التقييم التاريخي لهذه المواقف التي كانت موضوعا لمئات المقالات والكتب وحرَّكت الكثيرين. ونكتفي بالقول أن التسليم بهذا المقولة التي تجعل من المستوطنين والفلاحين عمالا مستغلين، ومن المستعمِرين والمستعمَرين حلفاء موضوعيين ضد اعدااء طبقيين مشتركين، ولكنهم لا يدركون مصالحهم المشتركة، كان من الأعباء التي ناء بها اليسار عربيا ( أو باللغة التصويرية: من اللعنات التي حلت به سابقا في المنطقة العربية). فهي تفترض ضمنا المواقف والمقولات التالية: ا. تفترض أن المشروع الاستعماري منذ بدايته يملك يسارا ب. تساوي بين برجوازية المشروع الاستعماري وبرجوازية السكان الأصليين المستعمرين ( طبقة الأفندية بلغت اليسار اليهودي)، ج. تفترض وجود صراع طبقي واحد يتجاوز الحدود بين المجتمعات، المستعمِر والمستعمَر، حتى حيث لا يوجد اقتصاد واحد، وحيث يسعى المستعمر الى اقامة اقتصاده هو بفلاحيه وطبقته الوطنية العاملة وطبقته الوطنية البرجوازية، د. ترى التركيبة الطبقية للمشروع الاستعماري كأنها بنية مجتمع عادي. ولكنها لا ترى أن القانون الذي تخضع له، هو التوظيف الاستيطاني الكولونيالي لكافة المؤسسات بما فيها النقابية، وأهمية العسكرة ليس فقط كبنية فوقية ثقافية، وإنما أيضا كبنية اقتصادية اجتماعية. الاستيطان هنا ليس فكرة أو مجرد وظيفة يخضع لها المجتمع، بل هو المجتمع ذاته، إنه مجتمع استيطاني يحكمه تناقض رئيسي مع محيطه الرافض له، ومع السكان الاصليين، مثلما تحركه أيضا في هذا الإطار تناقضات داخلية ثانوية. ولقد اثبتت التجربة والدراسات أن الوحدات العاملة الزراعية الاشتراكية كانت الأكثر نجاعة في الاستيطان وفي التنظيم العسكري، والأكثر استغناء عن الأيدي العاملة العربية، بمعنى الأكثر قدرة على تطبيق برنامج تهويد العمل اضافة الى نهويد الأرض. منذ تلك الفترة كان اليسار الصهيوني أكثر اقصاء للعرب وأكثر عدوانية تجاههم من الطبقة الوسطى اليهودية في المدن، ومن كبار الملاكين اليهود من الهجرة الصهيونية الأولى الذي لم يستغنوا عن العمال العرب حتى جيء لهم بالهجرة اليهودية من اليمن.
3. لقد تطرق الباحثون بتوسع للانقسامات داخل الحركة الشيوعية في فلسطين بين الأعوام 1919 و 1948. وقد جاءت الانقسامات دائما على خلفية المسألة القومية وبيئات العمل المختلفة، بين العمل في مجتمع عربي زراعي أو مدينة صاعدة، وبين العمل في بيئة مجتمع استعماري استيطاني صهيوني. ونشرت العديد من أطروحات الدكتوراة والكتب حول الموضوع من قبل الباحثين في مرحلة السبعينات، اي في مرحلة قصيرة هي مرحلة نهوض اليسار فلسطينيا وفي المنطقة العربية.
4. كان “اليسار” خارج إطار الحركة الشيوعية قائما بين اليهود في فلسطين، وذلك في إطار المشروع الصهيوني وكتمرد عليه. وفي إطار النقاشات مع وداخل الحركة الشيوعية والحركة الصهيونية. وظهرت لفترات قصيرة حركات فوضوية، وانشقت أيضا عناصر تروتسكية متأثرة بالنقاش الذي ساد في اوروبا. ونشأ أيضا “يسار صهيوني” متأثر بالاشتراكية الديمقراطية، وبالبوندز، وبالحركات والنزعات الشعبوية الروسية مثل ال”نارودنيكي” وغيرها. وكانت هنالك حالات فردية عديدة ليسار راديكالي “صمدت” أو استنتجت ضرورة الهجرة المعاكسة من فلسطين. ولكن التيار الرئيسي في ما يسمى اليسار في حينه كان حركة العمل الصهيونية وهي التيار الرئيسي في ما سمي في حينه ب”الصهيونية العملية”.
5. لم يكن هنالك وجود ليسار عربي منظم في فلسطين خارج الحركة الشيوعية. وكانت هنالك حالات فردية نادرة معروفة مرت في التنظيم الحزبي لفترة أو أخرى مثل: مخلص عمر وجبرا نقولا. وينطبق ذلك على غالبية المستعمرات في تلك الفترة. فاليسار الممكن كان غالبا هو اليسار المتحالف مع الاتحاد السوفييتي كنموذج صاعد واعد بالانتصار. أما النقاشات الفكرية والاجتماعية التي على أساسها انشق اليسار واختلفت فرقه وأحزابه في الغرب، فلم تكن أسئلة مطروحة بالنسبة لمجتمعاتٍ مستعمَرةٍ، ما زالت في طور التحرر الوطني، كما هي حالة المجتمعات العربية، اللهم إلا عند بعض المثقفين. وباختصار لم تشغل هذه القضايا قطاعات اجتماعية لتقوم على أساسها حركات يسارية مختلفة ومتنافرة.
6. من خصوصيات الحالة الفلسطينية الكثيرة أن ينشأ اليسار الفلسطيني خارج فلسطين، أي في الشتات بعد النكبة. هكذا اتخذ مسارا مستقلا عن سياق التداخل بين اليسار اليهودي والعربي على ارض فلسطين من وحدة وانشقاق ( واضح اني اشمل الانشقاق ضمن جدلية التداخل والانشغال المتبادل) أي خارج إطار الحركة الشيوعية. جرى ذلك فقط بعد تبلور حركة تحرر وطني فلسطيني بجناح قومي شعبوي، يساري عروبي، مـتأثرٍ بلغة حركات التحرر الوطني والأنظمة الوطنية في العالم الثالث بعد الاستقلال، وبلغة المعسكر الاشتراكي على حد سواء… وبتأثير ما من اليسار العربي، والأجنحة اليسارية في البعث والناصرية.
7. نشأ اليسار الفلسطيني المنظم كما نعرِّفه، وكما عرفناه في الفصائل، في هذا الإطار. هذا طبعا لا يشمل مثقفين يساريين عديدين وجدوا تعبيرا لنفسهم في الكتابة والصحافة او في تنظيمات يسارية عربية. نهض اليسار الفلسطيني المنظم خارج فلسطين ومنه إلى الضفة والقطاع ( مع استثناء في حالة غزة التي عرفت يسارا غزاويا مستقلا، وحركات قومية ناصرية بمسحة يسارية) في لحظة تاريخية شهدت صعودا عاما لليسار العربي، وذلك بعد هزيمة 1967 وقبل المد الإسلامي. ونقصد بذلك بعد هزيمة التيار القومي في الحكم ومعها بداية أزمته المديدة، وقبل صعود التيار الإسلامي، بعلامتين رئيسيتين على الطريق: الثورة الإسلامية في إيران وعودة الإخوان للنشاط في مصر، ثم الصحوة الإسلامية بشكل عام. وحتى حين تراجع اليسار عربيا في نهاية السبعينات (ضرب الحزب الشيوعي العراقي والسوداني كمثال) ظل اليسار الفلسطيني يحقق تقدما طيلة السبعينات، وذلك ليس بسبب من أصالة فكره اليساري المتزاوج بإبداع مع العالم ثالثية، كما ينسب بعضنا برومانسية لتلك المرحلة أمورا لم تكن، بل يعود ذلك إلى : أ. تبنيه الموقف الأكثر راديكالية في القضية الوطنية الفلسطينية في حينه كما ظهر في مواقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجسَّدتها شخصيات يتم التشديد عادة على “نقائها الثوري” مثل جورج حبش وغسان كنفاني ووديع حداد وابو ماهر اليماني وغيرهم، وب. تأكيده على الكفاح المسلح، وج. خصوصية المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال وفي الشتات، وهي التي أعاقت وصول المد الإسلامي إلى فلسطين. وقد وصلها متأخرا كمد كاد يكتسح الشارع في النصف الثاني من الانتفاضة الأولى وحتى الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، وليس هذا الموضوع من اختصاصنا الآن.
8. نتحدث هنا بالطبع عن مناضلين ومثقفين تدفقوا نحو الموقف اليساري، وإلى تبني مقولات الماركسية و”الاشتراكية العلمية”، من خلفية قومية أو وطنية. وأوصلهم نقدهم “للنهج البرجوازي” السائد في الحركة الوطنية، وموقفهم من الأنظمة العربية، إلى تبني خطاب اليسار، أو على الأقل لغة اليسار. وكان المسرح الرئيسي لهذه التحولات قيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رحم حركة القوميين العرب، ثم انشقاق جناحها اليساري كما سمى نفسه لتشكيل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والتي اجتذبت في بداياتها عددا كبيرا من المثقفين الفلسطينيين والعرب، في تداخل مع يسار لبناني وعربي جديد بعيد عن الجذور القومية العربية أو راغب بالتخلص منها ك”شوفينية” و”يمينية” وحتى “فاشية” عند الجبهة الشعبية برأي بعضهم في حينه. وقد انتقل قسم كبير من هؤلاء إلى مواقع اليمين، وإلى التنظير لأية شروط تسوية ممكنة مع إسرائيل، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
9. خلال تلك الفترة كان الشيوعيون الفلسطينيون قد اندمجوا في الحزب الشيوعي الأردني من جهة، وفي الحزب الشيوعي الإسرائيلي من جهة أخرى. وطبعا لم يشاركوا في الكفاح المسلح الفلسطيني أو في بناء الحركة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير. وفقط بعد احتلال عام 1967 اقيم التنظيم الشيوعي الفلسطيني في إطار الحزب الشيوعي الأردني، ثم منح بالتدريج استقلالية، وبعدها بسنوات أعلن عن قيام الحزب الشيوعي الفلسطيني كتنظيم مستقل.
10. بماذا تميز اليسار الفلسطيني المنظم في الجبهتين الشعبية والديمقراطية عن غيره من القوى السياسية الفلسطينية في حينه؟ على مستوى الطرح تميز اليسار بالطروحات التالية: أ. التشديد على الطبيعة الاستعمارية لإسرائيل. وقد عنى ذلك في لغته أن الصراع ليس مع اليهود، وأن إسرائيل جزء من المشروع الاستعماري العالمي، ويترتب على ذلك ان العداء لإسرائيل يعني العداء لمن يقف وراءها، وتعتبر امتدادا له، والتحالف مع المعسكر العالمي النقيض، مع تفاوت في التشديد على التحالف بين السوفييت والصين، إلى ان انتهى التراوح الى تحالف بين وواضح مع المعسكر السوفييتي. أدى هذا التحالف الى نقاش مستمر مع السوفييت حول طبيعة إسرائيل وضرورة الاعتراف بها، ولا شك أن هذا النقاش قد أثر في صنع المشروع المرحلي فيما بعد. ولكن من الغريب جدا أنه فيما عدا النقاش هذا لم يختلف اليسار الفلسطيني مع السوفييت على قضايا أخرى اختلافا ذا معنى، وأنه تبنى المواقف السوفييتية ووجهة النظر الستالينية في اليسار. وبالرغم من علاقاته المتشعبة مع فرق يسارية راديكالية أوروبية طيلة السبعينات، إلا أنه لم يتبن نقاشاتها مع السوفييت الا بخصوص رفض الاعتراف السوفييتي بإسرائيل. لم ينشأ يسار وطني فلسطيني متميز في نهجه وطرحه منسجم مع تيارات أخرى ديمقراطية، أو عالم ثالثية. ب. التأكيد النظري على الطبيعة الطبقية للصراع وتحميل الرجعية العربية مسؤولية الهزيمة، أو حتى التآمر، عام 1948. وقد أدى هذا التوجه إلى اتخاذ مواقف حادة ضد النظم العربية، التي سميت رجعية وحليفة للامبريالية والصهيونية، كما قاد الى تحالفات متفاوتة ومتقلبة مع الانظمة التي سميت تقدمية. وقد تقلبت التحالفات بتقلب العلاقات بين الانظمة ذاتها، وتغير رهاناتها الفلسطينية، كما تأثرت بضرورات الحصول على التمويل بعد الوجود في لبنان بشكل منظم، وبوجود أعداد متزايدة من المتفرغين في الكفاح المسلح. وقد لعب التمويل دورا في العلاقات مع العراق وليبيا. ج. كانت الجبهة الشعبية أكثر تشديدا على عروبة القضية الفلسطينية، وفي مرحلة يساريتها حولت هذا الشعار الى ضرورة إحداث التغيير الثوري عربيا كطريق وحيد لتحرير فلسطين. وقد تغيرت هذه النبرة تدريجيا بعد ايلول 70 ، وتحولت بشكل كامل بعد حرب لبنان 82. د. بدا اليسار الفلسطيني، وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أكثر تشديدا على رفض التسوية السياسية مع إسرائيل. في حين ان الجبهة الديمقراطية بتنظيرها للبرنامج المرحلي منحت للتسوية اساسا نظريا دون اعتراف بإسرائيل. ولكن التجربة تثبت أن هذا الطرح كان فقط البداية، بداية التمرحل. وليس من شك أن فيروس التسوية دخل في حينها الى فكر الحركة الوطنية الفلسطينية. ولا شك ان العقلية التي انجبت البرنامج المرحلي هي نفسها التي خرَّجت من اليسار الى اليمين الفلسطيني بعض أهم منظري التسوية، وبعض أهم مديري المفاوضات مع إسرائيل. وكانت فتح قد طرحت قبل عام 1967 عبر مجلة فلسطيننا فكرة الكيان الفلسطيني في الاراضي الفلسطينية التي تديرها مصر اي قطاع غزة، وتلك التي ضمتها الأردن، أي الضفة الغربية، ولكنها ما لبثت ان اغلقت الموضوع تماما خشية الصراع مع الدول العربية والتشكيك بأنها لا تركز النضال على تحرير فلسطين المحتلة من قبل إسرائيل ذاتها.
11. لولكن منذ العام 1967 لم يكن اليمين الفلسطيني المنظم أول من طرح فكرة الدولة والكيان قبل التحرير، بل طرحها اليسار متمثلا بالجبهة الديمقراطية، وذلك دون دراسة، ولا حتى ماركسية، لمعنى فكرة الكيان المقاتل على أي منطقة تحرر. فقد كجهت بعد حرب 1973 ضد إعادة اراض فسطينية لدول عربية بعد أن أصبح ذلك واردا في مفاوضات سلام. ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد نهاية محور الرفض العربي، أي بعد حرب العراق إيران وهي الحرب التي فككت المحاور التي قامت على اساس الموقف من كامب ديفيد، والسلام العربي الإسرائيلي، وبعد حرب الكويت التي فككت النظام العربي كم عرفناه حتى ذلك الحين، أصبحت المرحلية تعني دولة في إطار تسوية بدل كيان على طريق التحرير، وفي اي منطق تحرر. كما اصبحت الدولة تعني في الواقع، خلافا للفظ، بديلا عن حق العودة.
12. في ظروف عمل اليسار في العالم الثالث عموما سادت في اليسار بشكل خاص نزعة تحديثية ضد “التخلف”. لقد رأى اليسار الموقف التنويري التحديثي بما فيه ما يسمى بالعلمنة أحد مهماته في غياب تحوّل رأسمالي وفي غياب دور “تقدمي للبرجوازية. وهي نزعة تؤكد على البعدين التنويري والعقلاني في اليسار وتعتبرهما أهم مميزاته في مقابل القوى السياسية الاجتماعية الاخرى. وهو ادعاء لا أساس تاريخي أو اجتماعي له، خاصة وأن اليسار في مرحلة تحالفه مع الديكتاتوريات وجد نفسه في صدام مع بعض القوى التنويرية العربية، على الأقل، مثلما وجد نفسه يكرر طيلة الثمانينات أن الديمقراطية وحقوق الإنسان بدعا برجوازية.
13. وقد وجدت هذه النزعة لنفسها موئلا في التحالف مع تيار عالمي يدعي أنه يكمل “أفضل ما في تقاليد التنوير عالميا” هو المعسكر الشيوعي، ويشدد على فهمه للاشتراكية ك”اشتراكية علمية”.
14. كما كانت هنالك دائما نزعة واقعية تؤكد أن أهم ما يميز اليسار هو التحليل العقلاني لقضايا المجتمع والسياسة، وليس بالضرورة أهداف هذا اليسار. ولم يعرف اليسار العربي والفلسطيني تقليدا في نقد العقلانية، حين تقتصر العقلانية على الأداتية (وفي نقد التنوير اذا تجلى كهندسة اجتماعية). وهو نقد عرفته وتناولته مطولا بعض اجنحة اليسار الأوروبي.
15. عندما انهار المعسكر الاشتراكي، انتقلت النزعتان بسهولة ويسر الى التحالف مع الغرب، تلك التي ترى أن المشترك مع الغرب هو أكثر من المشترك مع مجتمعها القائم، وأن هنالك دور تنويري للغرب الرأسمالي، هو ( دون ان تقول ذلك دائما) استمرار للدور الثوري للاستعمار في تحديث المجتمعات في العالم الثالث. أما النـزعة الواقعية فقد قادها البحث عن منهج، إزاء فشل بعض العناصر الرئيسية في الفكر الماركسي بصورته التي تبنتها، إلى القول الصحيح بوجود مناهج علمية اخرى غير الماركسية يمكن التعلم منها. وهو قول صحيح يؤكد جهلها في الماضي واستنتاجاتها الخاطئة منه في الحاضر. فخطأها كان في قصر اليسار على الماركسية وقصر الماركسية على منهج علمي، وإهمال الجانب القيمي الأخلاقي الباحث عن العدالة الاجتماعية والحرية والمنحاز دائما الى المظلومين. والأهم من ذلك برزت عندها نزعة التحليل اليقظ لموازين القوى الدولية والمحلية من دون “تشويش” الأهداف والقيم، التي صارت تعتبر وتسمى علنا شعارات. وقد أدى ويؤدي ذلك الى قبول الهزيمة كأنها تحصيل حاصل ناجم عن موازين القوى، وعن سوء الوضع العربي، وبالتالي ليس فقط التسوية، بل إبداء مرونة في قبول شروط التسوية أبعد من مرونة اليمين… نجد منظرين لهذه النزعة حاليا من بين من كانوا يسارا وانتقلوا الى صفوف اليمين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
16. أدى انهيار المعسكر الاشتراكي الى أزمة سياسية وفكرية، على مستوى المنهج والمصداقية وعلى المستوى القيمي. انهار المشروع العالمي المطروح كبديل دولي للرأسمالية. ورافق ذلك أيضا أزمة دعم مالي وعيني بالنسبة للفصائل اليسارية الفلسطينية.
17. عارض اليسار الفلسطيني المنظم في فصائل اتفاقيات أوسلو بحدة. ولكنه ما لبث أن تعايش معها، لأنه لم يجد بديلا يلجأ إليه هذه المرة لو خرج من م ت ف. لم يعد هنالك من يحتضن أو يستقبل أو يموِّل جبهة رفض. ونفس سوريا التي تستضيف فصائل اليسار رسميا ضالعة في عملية السلام. كان أوسلو أول امتحان كبير يبقى اليسار بعده في منظمة التحرير دون تحالف عالمي دولي.
18. فيما عدا نزوح العناصر أعلاه نحو اليمين، وهي عملية شهدناها عموما لدى عدد كبير من مثقفي اليسار العربي، والغربي من قبله، عانت الفصائل من عملية تسرب مثقفين وكوادر الى إقامة المنظمات غير الحكومية بدعم مالي غربي. رافقه قبول لأجندات نشاط مجتمعي غربي طبعا خارج إطار الكفاح المسلح أو المقاومة، وتجميع هجين لمبررات فكرية على شكل نماذج فكرية بديلة، تُمَوَّه أيضا كنقد ذاتي، من نوع المجتمع الدني والديمقراطية. وكثيرا ما جرى ذلك بحثا عن مصدر رزق بديل، وأحيانا بحثا عن مسار بديل، غير حزبي، للتأثير الاجتماعي. ولو طبقنا ابسط أدوات التحليل الماركسية على اليسار ذاته نجد أن “المنظمات غير الحكومية” تشكّل حاليا أحد اهم مصادر الرزق والعمل لمثقفي وناشطي اليسار في مرحلة أزمته السياسية والمالية، وإحدى أهم مراكز انتاج اليسار السابق في الطريق الى اليمين… فاسحة الطريق لمواقف ديمقراطية فردية فعلا في حالات قليلة من “اليسار السابق” … ولكنه عموما نمط من “اليسار السابق” يختلف عن “يسار سابق” آخر انتقل مباشرة الى قوى اليمين السياسية والى مؤسسات إعلامية وغير إعلامية يمولها اليمين السياسي مباشرة أو تمولها أنظمة عربية منتظمة في ما بات يسمى لاحقا “محور الاعتدال”.
19. بالطبع حافظت التنظيمات، المسماة فصائل، على وجودها على الساحة الفلسطينية في الداخل والخارج. ولكن طرأ تقلص كبير على قاعدتها الاجتماعية. وتراجعت شعبيتها ونفوذها السياسي. وجرت عدة محاولات لمراجعة ونقد الماضي ولفشل مرحلة الكفاح المسلح… ولكنها مراجعات مترددة لا تنعكس في الثقافة السائدة ولا في الممارسة. فهي تخشى من أن فقدان الماضي قد لا يبقي لها شيء. ومن هنا تعود وتتمسك به، وتحتفي به، وتتغنى به أكثر من أية فترة سابقة. لم يشهد اليسار الفلسطيني تقديسا وصناعة لرموز ماضيه كما يشهد اليوم. فهذا أهم رأس مال سياسي لديه. ويشارك بعض اليمين في التغني برموز اليسار القديمة فالاحتفاء بها بعد موتها يفيد هذا اليمين، ولا يفيدها، فهي لم تعد تشكل خطرا.
20. من أهم مميزات اليسار الفلسطيني في طور نهوضه، أنه حتى حين كان اقلية كانت مساهمته في صنع الخطاب السياسي الفلسطيني وصياغة مفرداته لليمين ولليسار عموما أكبر من حجمه. وكان اليمين ايضا يختطف مفرداته في تحليل الوضع الدولي والعربي والإسرائيلي حين يحلو له. كما كان الاتساع الشعبي وعدم الاقتصار على المثقفين من مزاياه التي استقاها من جذوره القومية ومن جاذبية فكرة الكفاح المسلح لفئات واسعة من شباب المخيمات بغض النظر عن اصولهم الطبقية. لم تنطبق على اليسار الفلسطيني في حينه الصورة النمطية عن انتشار اليسار بين المثقفين فحسب. وقد كانت قوة الجبهة الشعبية في غزة السبعينات وفي مخيمات لبنان وسوريا والأردن دليلا راسخا على ذلك.
21. بقي في اليسار الفلسطيني من يمكن تسميته باليسار ذي العصبية التنظيمية في الداخل والخارج، يحافظ عليه نوع من التقاليد التنظيمية التي تؤدي وظيفة هامة في الحفاظ على التنظيم وعلى بعض من بيئته الاجتماعية المباشرة، ونوع من التفرغ والاحتراف في ظروف أكثر تواضعا من السابق. وظل هذا اليسار يراوح بين معارضة لفظية، وعدم معارضة مبدأ المفاوضات، وملاحظات على الإداء التفاوضي. إنه يسار معارض لأوسلو، ولكنه عمليا جزء من واقع السلطة وأوسلو ومنظمة التحرير بعد التوقيع.
22. كان اليسار الشيوعي متمثلا في حزب الشعب من البداية مؤيدا للتسوية وبقي مؤيدا لها منسجما مع ذاته، ولكن قاعدته التنظيمية انتهت تقريبا، فقد كان هو الأكثر تعرضا للأزمة الناجمة عن الانهيار السوفييتي، والأكثر تعرضا لأن تحدث الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية المدعومة غربيا تآكلا في جهازه التنظيمي ومثقفيه. وكان أيضا الأكثر تأثرا بمجيء قيادة المنظمة والسلطة الى الداخل. فقد كانت قواعده دائما في الداخل. وعندما انتبهت بقية التنظيمات للعمل الجماهيري في الداخل بعد حرب لبنان 1982، ثم انتقلت اليه، بدأ نفوذه يتقلص حتى تحول الى حزب صغير عمليا. المفارقة انه تقلص جدا عندما بدأت قيادة فتح تتبى خطه الفكري وخطابه مفرداته متخلية عن خطابها الثوري السابق المتأثر بخطاب اليسار الفلسطيني… من رفض الكفاح المسلح وحتى الذهاب الكامل نحو التسوية وعدم الرهان على العرب، والرهان على “معسكر السلام الإسرائيلي” وعلى “القوى الديمقراطية في إسرائيل”… هنالك صلة مباشرة بين مفردات ولغة محمود عباس ولغة الحزبَيْن الشيوعيَيْن، الإسرائيلي والفلسطيني، والأول بشكل خاص.
23. كان إداء اليسار مهما في النصف الأول من الانتفاضة الأولى. وتراجع جديا بين الانتفاضتين الأولى والثانية التي كان دوره فيها هامشيا. ولكن تهمش نهائيا بعد انتخابات السلطة الفلسطينية الاخيرة من العام 2006. فهو لم يحصل على دعم شعبي فعلي. وهو لم يعالج هذا الموضوع حتى الآن بشكل جدي. وقد تحول بعده الى الهجوم على الفائز في الانتخابات. كما انضم فورا الى الدعوة غير الديمقراطية لانتخابات جديدة بعد بدء الحصار، بمضي فترة وجيزة على الانتخابات. تحولت تنظيمات اليسار بدرجات متفاوتة الى حليف لحركة فتح ضد الحركات الاسلامية بحجج مثل الحفاظ على م ت ف وعلى التيار العلماني. وفي كثير من الحالات تغلب في الفكر والممارسة الصراع الديني العلماني من وجهة نظرهم، على الاحتلال ومقاومة الاحتلال. ولم يشهد تاريخ اليسار الفلسطيني كله تهاونا مع فكرة التحالف والوجود تنظيميا في علاقة مع قوة تنسِّق أمنيا مع الاحتلال ضد قوى فلسطينية أخرى بغض النظر عن طبيعة هذه القوى الأخرى.
24. أقصى ما وصل اليه من حياد هو في التوسط وطلب الوحدة الوطنية محاولا الموازنة بين طرفين. وطبعا من زاوية نظر اليسار هذا صحيح. فقد تضرر فعلا من الصراع بين الطرفين والاستقطاب الحاصل نتيجة له والذي يترك فراغا ضيقا “لموقف ثالث”…. ولكن من زاوية نظر شعبية واسعة فإن اليسار يساوي بين من ينسق مع الاحتلال ومن يقاوم الاحتلال. وهو يساوي بين من ربح الانتخابات وتعرض لحصار، وبين من يراهن على الحصار الدولي والاسرائيلي لكسر وإسقاط من ربح الانتخابات. وقد كان من المفترض أن يدافع عن خيارات الشعب وسيادته، وأن ينحاز إلى المظلومين فيه.
25. ليس الصراع في اي مكان صراعا بين قوى دينية وقوى علمانية. وهو بالتأكيد ليس كذلك في فلسطين حيث الحدود غير واضحة بين الاثنين، وحيث الصراع الرئيسي هو بين الحركة الوطنية والمجتمع الفلسطيني من جهة والاحتلال من الجهة الأخرى. وعلى كل حال لم يبذل اليسار جهدا في بلورة فهمه لهذه المصطلحات المختلف على معانيها في الغرب، مثلما نختلف على مفهوم “العلمنة” كعملية تمايز وتمفصل موضوعية بين عناصر المعرفة وبين الوظائف والبنى الاجتماعية جارية في المجتمعات جميعا. ما زال الصراع في فلسطين صراعا ضد الاستعمار والعنصرية. وما زال المجتمع الفلسطيني بالرغم من ذلك بحاجة إلى قوى تصيغ مطالبه وحركته الوطنية صياغة ديمقراطية.
26. الهامش بين التعاون مع الاحتلال ومقاومة الاحتلال هو هامش ضيق جدا. لا مكان فيه لقوة ثالثة واسعة. وكل من حشر نفسه هناك اتُّهِم شعبيا بالانتهازية، واضطر في النهاية للانحياز علنا إلى السلطة. ولا بد ان ينحاز اليسار الى مقاومة الاحتلال، التي مارسها عمليا ولم يسقطها من برنامجه. وهناك في المقاومة، وليس في الهامش بين قوتين، يمكن لليسار أن يراجع فكره، ويفكر برسالته ودوره التاريخي، ويبني نفسه. فهل بإمكان القوى اليسارية المنظمة القائمة أن تقوم بهذا المهمة ام سوف يضطلع بها آخرون؟

Advertisements