صدر كتاب: “إدمان السياسة .. سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية” للكاتب جورج كتن، عن دار العارف للمطبوعات ببيروت في آب 2013، وهذه مقدمته.
*

الحياة مسيرة طويلة من المعاناة والألم والفرح والنجاح ومعاني أخرى كثيرة لكنها تستحق أن تعاش بلحظاتها الحلوة والمرة مع طلب المزيد. لكن الكتابة عنها ليست بنفس صعوبة خوض غمارها والانتقال بين مراحلها المختلفة. وقد تمنيت لو كتبت مذكرات شبه يومية بحيث لا أحتاج لمحاولة التذكر لما حدث في سنوات العمر المديدة، فالكتابة المتأخرة تضطر صاحبها للتركيز على المفاصل الرئيسية التي تركت أثرها في حياته ولا يمكن نسيانها، لتضيع تفاصيل تمحوها الذاكرة الانتقائية.
كانت حياة حافلة بأحداث متلاحقة من نكبة ولجوء وانتقال من بلد لآخر وسجون ومحاكمات وتطور فكري وثقافي وسياسي مع آخرين متنوعين ترك كل منهم أثره فيها. قد لا نسيطر على الظروف والأحداث التي تمر بنا في الأماكن التي نولد ونتواجد فيها والأزمان التي نعايشها، ولكن ذلك لا يمنع من أن لاختيارنا دور في توجيه حياتنا الى الوجهة التي ذهبت إليها. قد تكون الولادة في القدس ثم قضاء السنين الأولى من العمر في دمشق الخمسينيات الحافلة بالسياسة حددت الطريق منذ البداية، ولكن لا يمكن تجاهل دور الاختيار الحر وإمكانية توفر الفرص لخيار مغاير. لحظات الندم كانت قليلة والأغلب كان الشعور بأن الحياة لها مغزى وهدف قد يتغير، لكنه ينطلق دائماً من فهم أنه الهدف الأفضل لغالبية المجتمع المعاش ضمن إطاره.
وفيما عدا الظروف المكانية والزمانية فالدور الأكبر في التأثير على مسيرة الحياة هم أصدقاء قريبين وبعيدين ذكرنا العديد منهم وربما نسينا البعض الآخر، أصدقاء من المجال السياسي وليس أصدقاء الطفولة أو الدراسة أو العمل الوظيفي، تبدلوا في المفاصل الأساسية للحياة وتغيرت مواقفهم قرباً وبعداً لأسباب مختلفة ولكن ظلت الصداقة مزدهرة بأشخاصها المتعددين كأهم ما في الحياة من علاقات إنسانية بالآخر. الأصدقاء وليس الأهل كان لهم الأولوية في كثير من الأوقات بحكم تشتت العائلة في بقاع الأرض المختلفة بسبب الهجرة من الوطن المحتل وتقطع الصلات بين أفرادها.
لا طريق ممهد في الحياة أو مخطط له مسبقاً، بل التجربة والخطأ الطريق الوحيد السالك فيها، بما في ذلك من فشل متكرر ونهوض من جديد، إذ كانت هناك أوهام في البداية بتبني أيديولوجيا محددة، سرعان ما تحطمت على صخرة واقع التطور الإنساني الذي لا تحكمه قوانين مسبقة ولا ثوابت فكرية جامدة كما كنا نظن، بل إنه يخط طريقه بتأثير عوامل متضافرة ومجتمعة دون أن يكون لأحدها أفضلية على الآخر في التأثير على مجرى الحياة. تعلمنا من تجربة طويلة أن نرمي الثوابت جانباً وننظر بالدرجة الأولى للمتغيرات التي لا تغير شكل الحياة فقط، بل مضمونها أيضاً.
التعلق بالأيديولوجيا كان الخطأ الرئيسي الأول لما يقارب عقدين من الزمن، والخطأ الثاني كان قبولنا، بتأثير تبني الايديولوجيا، لتأجيل الديمقراطية لمرحلة تالية قادمة بعد استنفاذ أهداف التحرير والوحدة والاشتراكية. لم ننتبه إلا بعد فشل متلاحق أن حرية الإنسان هي التي تصنع التاريخ الحديث وتمكن من الوصول لجميع الأهداف الأخرى. كان بديل الاعتراف بالوقائع الموضوعية العنيدة الهروب إلى الأمام مع موضة العصر في ذلك الوقت وإلقاء مسؤولية الهزائم على طبقات سائدة في المجتمع، فيما المسؤولية يتحملها المجتمع بكل طبقاته. الاستغراق في الأيديولوجيا لم يستمر طويلاً فقد تعلمنا إثر تجارب طويلة نقد أية أفكار مهما كانت منتشرة ومقبولة في الحقل السياسي، حتى لو بدونا نسير عكس التيار السائد. وأول ممارسة لذلك كانت نقد “الماركسية” وإعادة تقييم الأفكار القومية العربية المتبناة سابقاً، والانتقال للكتابة السياسية لما لها من قدرة على إيصال الأفكار والتحليلات السياسية لأكبر عدد من المهتمين.
لا أظن أنه كان هناك خطأ في تبني الديمقراطية وحقوق الإنسان كأولوية على أي شيء آخر، فقد جاءت الأحداث بعد انهيار الإمبراطورية السوفييتية لتثبت أنها النظام الوحيد الذي يمكّن البشر من ممارسة حياتهم على أفضل وجه، والوسيلة لتحقيق الأهداف الأخرى للجميع بلا تمييز. وبذلك انخرطنا في نشاطات ما سمي “بربيع دمشق” في أوائل القرن الجديد بشكل مستقل دون الالتزام بجهة سياسية ما، بقناعة أن الفلسطيني في سوريا قضيته الرئيسية العمل في إطار المجتمع السوري من أجل ديمقراطية علمانية. وكان ذلك بكتابات تلتزم بالديمقراطية كتوجه رئيسي وتتناول الأحداث بالتحليل وتشخص نتائجها بروح نقدية لكافة التيارات السياسية في الساحة السورية خاصة والعربية والكردية عامة.
هذه الجهود لم تذهب هدراً كما حصل للجهود العربية المختلفة المتحولة لحروب وهزائم وكوارث لتحرير مستحيل “من البحر إلى النهر”، بل أثمرت في النهاية ليس الثورة السورية فقط، بل الربيع العربي الديمقراطي في ست بلدان عربية، والباقي قد يأتي دوره لاحقاً. جهودنا لم تصنع الثورات التي انطلقت شرارتها من الأجيال الشابة، وليس من السياسيين المخضرمين، لكن الجهود كانت كقطرات المطر التي تتجمع من كل حدب وصوب لتتحول إلى سيل جارف. لكن لم تساورنا الأوهام حول أن ما بعد الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا سيكون ربيع ديمقراطي دائم، فما حدث فتح الأبواب لتطور نحو الأفضل، بعد أن كانت مغلقة ويقف لحراستها أنظمة استبدادية وتيارات أيديولوجية، “حراس الثوابت”، الذين عملوا لإغلاقها بحجة الأفكار المدعاة عن “المقاومة والممانعة”، التي تلطت خلفها طويلاً أنظمة ومنظمات لمنع التحول للديمقراطية.
من حسن حظنا أننا عشنا لنرى براعم الحرية والديمقراطية بدأت بالتفتح كما انتعشت الآمال بمستقبل أفضل للشعوب العربية. ولا ينتقص من ذلك صعود تيار الإسلام السياسي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع، فالثقة بأن الصناديق لن تدع في السلطة من تتعارض أهدافه مع مصالح الناس في الحريات الفردية والحداثة والحياة الدنيا الأفضل، وسيصحح الناس تصويتهم لصالح من يعمل من أجل هذه الأهداف. لن يتمكن الإسلام السياسي أن يفرض على مجتمعات ناهضة من أجل الحرية والتقدم أفكار مستقاة من نصوص قديمة لم تعد ملائمة للعصر، فهو سيذهب لنفس نهايات أنظمة الاستبداد القومية و”الاشتراكية” إن لم يتكيف مع العصر بالتخلي عما لم يعد مناسباً من التراث كما حدث في تركيا. الأبواب فتحت ولم يعد بإمكان أحد إغلاقها بأية حجة حتى لو كانت “مقدسة”. الحداثة والعلمانية آتية لا ريب فيها، إذ أن التجارب أثبتت أنها مرافقة للديمقراطية التي لن تنجح دونها.
نأمل أن تكون كتابة هذه السيرة السياسية التي تلخص تجربة شخصية بالإضافة لكتابات سياسية في مواضيع مختلفة نقطة في بحر الديمقراطية التي سيكون المستقبل لها في دول المنطقة العربية، التي أعيق طويلاً تطورها ولحاقها بالمسيرة الإنسانية الظافرة.

Advertisements