اقتبست هذه المقالة من الفصل الثالث من كتاب هيرناندو دى سوتو، ” لغز رأس المال : لماذا تنتصر الرأسمالية فى الغرب وتفشل فى أماكن أخرى “. (
New York : Basic Books and London : Bantam Press/Random House 2000).

هيرناندو دى سوتو يعمل رئيسا لمعهد الحرية والديمقراطية (ليما)، وهو مستشار اقتصادى وسياسى سابق لرئيس بيرو، وهو مؤلف كتاب ” الدرب الآخر : الثورة غير المنظورة فى العالم الثالث (القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر،
________________________________________

تجول فى معظم الطرق فى الشرق الأوسط، أو الاتحاد السوفياتى السابق، أو أمريكا اللاتينية وسترى أشياء كثيرة : هناك بيوت تستخدم كمأوى، وقطع من الأراضى يجرى حرثها وزرعها وحصادها؛ وسلع يجرى شراؤها وبيعها. والأصول فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة تخدم فى الأساس هذه الأغراض المادية العاجلة. غير أن نفس الأصول تحقق أيضا، فى الغرب، حياة موازية : كرأسمال خارج العالم المادى. إذ يمكن أن تستخدم لتحقيق إنتاج أكبر عن طريق كفالة مصالح الأطراف الأخرى ” كضمان ” للرهن العقارى مثلا، أو من خلال توفير أشكال أخرى من الائتمان والمرافق العامة.
لماذا لا تستطيع المبانى والأراضى فى أنحاء العالم الأخرى أن تحقق هذه الحياة الموازية ؟ ولماذا لا تستطيع الموارد الضخمة فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة، التى يقدرها معهد الحرية والديمقراطية ( ليما )، بمبلغ 3ر9 تريليون دولار، كرأس مال غير منتج، أن تنتج قيمة تزيد على قيمة حالتها ” الطبيعية ” ؟ وجوابى على ذلك هو أن وجود رأس المال غير المنتج يرجع إلى أننا نسينا ( أو ربما لأننا لم ندرك فى أى وقت ) أن تحويل أصول مادية لتوليد رأس المال ـ كاستخدام منزلك لاقتراض نقود أو تمويل مشروع ـ يتطلب عملية شديدة التعقيد. وهى تختلف كثيرا عن العملية التى علمنا إياها ألبرت اينشتاين ومؤداها أن قرميدة واحدة يمكن استخدامها لإطلاق كمية ضخمة من الطاقة فى شكل انفجار ذرى. وبالمثل فإن رأس المال هو نتاج اكتشاف وإطلاق طاقة محتملة ناتجة عن تريليونات القرميدات التى راكمها الفقراء فى مبانيهم.

إيماءات من الماضى
يتعين علينا، لحل لغز رأس المال، الرجوع إلى المعنى الذى تطور للكلمة. ويبدو أن كلمة ” رأس المال ” كانت تعنى فى لاتينية القرون الوسطى رؤوس الماشية أو غيرها من أشكال الثروة الحيوانية، التى كانت دائما مصادر مهمة للثروة بغض النظر عما تنتجه من لحوم وألبان وجلود وصوف ووقود. وتستطيع الماشية أيضا أن تتوالد. ولذا فإن لفظ ” رأس المال ” يبدأ فى تحقيق عملين فى وقت واحد، وهما أن يعكس البعد المادى للأصول ( الثروة الحيوانية ) وكذلك إمكاناتها فى توليد فائض القيمة. ولم تكن هناك سوى خطوة قصيرة بين مخازن الحبوب وبين مكاتب مخترعى علوم الاقتصاد الذين قاموا بتعريف ” رأس المال ” بوجه عام بأنه جزء من الأصول التى تعطى فائض الانتاج، وتزيد الإنتاجية؟
وكان فى يقين كبار الاقتصاديين التقليديين مثل آدم سميث، وبعد ذلك كارل ماركس، أن رأس المال يعتبر القاطرة التى توفر القوة المحركة لاقتصاد السوق. وقد أكد سميث فى كتابه ” ثروة الأمم ” نقطة تكمن فى لب اللغز الذى نحاول حله، ومؤداها أنه لكى تصبح الأصول المتراكمة رأسمالا نشيطا تعطى دفعة لتحقيق فائض الانتاج، فإنه يجب تثبيتها وتجسيدها فى موضوع خاص ” يستمر لبعض الوقت على الأقل بعد انتهاء العمل، وهذا يعنى كمية معينة من العمل المختزن المزمع استخدامها، إذا دعت الضرورة، فى فرصة أخرى “. وما أفهمه من عبارة سميث هو أن رأس المال ليس الرصيد المتراكم من الأصول ولكن ما ينطوى عليه من إمكانيات لنشر إنتاج جديد. وهذه الإمكانات تجريدية بالطبع، إذ يجب تجهيزها وإعدادها فى شكل ملموس قبل أن نستطيع إطلاقها ـ مثل إمكانات الطاقة الذرية فى قطعة القرميد التى أشار إليها أينشتاين.
وقد ضاع هذا المعنى الجوهرى لرأس المال عبر التاريخ. فمعنى رأس المال اختلط الآن بالنقود، التى لم تعد واحد فقط من الأشكال التى يتحرك فيها رأس المال، ومن الأيسر دائما تذكر مفهوم صعب فى أحد مظاهره الملموسة عن تذكر جوهره. والذهن يتجه نحو معنى ” النقود ” بشكل أيسر مما يتجه نحو معنى ” رأس المال “. ولكن من الخطـأ افتراض أن النقود هى التى تحدد رأس المال فى النهاية. فالنقود تيسر عقد الصفقات وتتيح شراء الأشياء وبيعها، ولكنها ليست فى حد ذاتها مصدر الإنتاج الإضافى.

الطاقة الكامنة فى الأصول
ماذا يثبت إمكانات أحد الأصول بحيث يستطيع توفير إنتاج إضافى ؟ ما القيمة التى يمكن استخلاصها من منزل مثلا وتحديدها بطريقة تتيح لنا إدراك أنها تمثل رأس مال ؟
فى وسعنا أن نبدأ باكتشاف جواب على ذلك السؤال عن طريق استخدام مثال الطاقة السابق. دعنا نتصور بحيرة جبلية. إننا نستطيع أن نفكر فى هذه البحيرة فى محيطها المادى وننظر فى بعض منافعها الأولية، مثل التجديف فيها وصيد الأسماك. ولكن عندما نفكر فى هذه البحيرة ذاتها كما يفكر فيها المهندس من خلال التركيز على قدرتها فى توليد الطاقة الكهربائية بواسطة محطة كهرومائية، أى كقيمة مضافة تتجاوز الوضع الطبيعى للبحيرة كمسطح من المياه، فإننا نرى فجأة الإمكانات التى يحققها وضع البحيرة المرتفع. والتحدى الذى يواجهه المهندس هو اكتشاف الوسيلة التى يستطيع بها تحويل هذه الإمكانية إلى شكل يمكن استخدامه لتحقيق عمل إضافى.
إن رأس المال، مثل الطاقة، قيمة نائمة. وإيقاظها لن يكون بالنظر إليها على أنها مجرد موجودات ولكن بالتفكير فيها يمكن أن تصنعه. ويتطلب الأمر عملية لتحويل الإمكانات الاقتصادية للأصول إلى شكل يمكن استخدامه للحصول على إنتاج إضافى.
ورغم أن العملية التى تحول إمكانات الطاقة فى المياه إلى كهرباء معروفة جيدا، فإن العملية التى تعطى الأصول الشكل المطلوب لتحقيق المزيد من الإنتاج ليست معروفة. ويرجع هذا إلى أن العملية الأساسية لم يتم إعدادها بطريقة مدروسة لخلق رأس المال، ولكن من أجل غرض بسيط هو حماية الملكية. ومع نمو نظم الملكية فى الدول الغربية، فإنها تطورت ببطء وتضمنت آليات متنوعة توحدت بالتدريج فى شكل عملية تمخض عنها رأس المال بصورة لم تعرف من قبل.

عملية التحول الخفى فى الغرب
بدأ نظام الملكية الرسمى فى الغرب فى تحويل الأصول إلى رأس المال عن طريق توصيف وتنظيم أكثر النواحى المفيدة اقتصاديا واجتماعيا المتعلقة بالأصول، والحفاظ على هذه المعلومات فى نظام مسجل ـ مثل إدراجها فى دفتر الاستاذ المكتوب أو على شاشة الكمبيوتر ـ ثم تجسيدها فى سند الملكية. وتحكم كل هذه العملية مجموعة من القواعد القانونية الدقيقة والمفصلة. ومن ثم فإن سجلات الملكية الرسمية وسندات الملكية تمثل مفهومنا المشترك لما هو مهم اقتصاديا بشأن أية أصول. وهى تهيمن وتنظم كل المعلومات ذات الصلة والضرورية لإدراك القيمة الكامنة فى أية أصول مما يتيح لنا السيطرة عليها.
إن أية أصول لم يتم تحديد جوانبها الاقتصادية والاجتماعية فى نظام رسمى للملكية يصبح تداولها فى السوق صعبا للغاية. إذ كيف يمكن السيطرة على كميات ضخمة من الأصول التى يتغير مالكوها فى اقتصاد سوقى عصرى ؟ وبدون هذا النظام، فإن الاتجار فى أية أصول، ولو فى قطعة من عقار، يتطلب جهدا ضخما لمجرد تحديد القواعد الأساسية للصفقة. هل يملك البائع العقار وله الحق فى نقل ملكيته ؟ هل يستطيع أن يرهنه ؟ هل سوف يحظى المالك الجديد بالقبول من جانب من ينفذون حقوق الملكية ؟ ما الوسائل الفعالة لاستبعاد المدعين الآخرين لحقول الملكية ؟ هذا هو السبب فى أن تبادل معظم الأصول خارج بلدان الغرب مقصور على دوائر محلية من الشركاء التجاريين.
ومن الواضح أن المشكلة الرئيسية للبلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة ليست الافتقار إلى القدرة على تنظيم المشروعات : فالفقراء كدسوا ما تبلغ قيمته تريليونات الدولارات من العقارات خلال السنوات الأربعين الماضية، ولكن ما يفتقرون إليه هو تيسير الحصول على آليات الملكية التى يمكن أن ترسخ قانونا الإمكانات الاقتصادية لما يحوزونه من أصول بحيث يمكن استخدامها لإنتاج وتأمين وضمان قيمة أكبر لها فى السوق الواسعة.
لماذا أصبح تكوين رأس المال يشكل هذا اللغز ؟ لماذا لم تشرح الدول الغنية، السريعة فى تقديم مشورتها الاقتصادية، كيف أن الملكية الرسمية لا غنى عنها لتكوين رأس المال ؟ والجواب عن ذلك هو أن العملية داخل نظام الملكية الرسمى، التى تحول الأصول إلى رأسمال من الصعب جدا تصورها. وهى تتوارى خلف آلاف من بنود القوانين، واللوائح، والأنظمة والمؤسسات التى تحكم هذا النظام. أى شخص يقع فى شرك هذا المستنقع القانونى سيضطر إلى تصور كيف يعمل هذا النظام بالفعل. والطريقة الوحيدة لتصوره تكون من خارج النظام ـ من القطاع غير القانونى ـ الذى يمارس فيه زملائى وأنا معظم بحوثنا. وتنتج نظم الملكية الرسمية فى بلدان الغرب ستة آثار تتيح لمواطنيها توليد رأس المال.
(1) تثبيت الإمكانات الاقتصادية للأصول. إذ أن رأس المال يولد من خلال التسجيل كتابة ـ على شكل سند ملكية، أو ضمان، أو عقد، أو غير ذلك من الوثائق ـ لأكثر الصفات الاقتصادية والاجتماعية فائدة فى مواجهة النواحى اللافتة للنظر التى يمكن تصورها للأصول. وهذا ما يتم توصيفه وتسجيله فى البداية بشأن القيمة الكامنة. وفى اللحظة التى تركز فيها انتباهك على سند ملكية منزل ما مثلا وليس على المنزل ذاته، فإنك تكون قد خطوت تلقائيا من العالم المادى إلى العالم الفكرى حيث يعيش رأس المال.
والدليل الذى يثبت أن الملكية الرسمية هى مفهوم صرف يأتى حين يتغير ملاك المنزل : حيث لن يكون هناك تغيير مادى، فالملكية ليست هى المنزل ذاته وإنما هى فكرة اقتصادية بشأن المنزل، تتجسد فى تمثيل قانونى لا يصف صفاته المادية ولكن يصف بالأحرى الصفات الاقتصادية والاجتماعية التى نعزوها نحن كبشر إلى المنزل ( إمكانية استخدامه لأغراض متعددة لتوفير الأموال ـ من أجل استثماره مثلا فى مجال الأعمال دون الحاجة إلى بيعه ـ ليكون بمثابة ضمان للمقرضين فى شكل توقيع الحجز عليه أو الرهن أو حق الارتفاق أو غير ذلك من العقود ). وفى الدول المتقدمة يعمل هذا التمثيل الرسمى للملكية كضمان لمصالح الأطراف الأخرى وتحقيق الخضوع للمساءلة عن طريق توفير كل المعلومات، والمراجع، والقواعد، وآليات التنفيذ اللازمة لتحقيق ذلك.
ولذا فإن الملكية القانونية أعطت لبلدان الغرب الأدوات اللازمة لإنتاج فائض القيمة علاوة على أصولها المادية. وسواء أراد أى شخص ذلك أو لم يرد، فإن نظام الملكية القانونى أصبح بمثابة الدرج الذى صعدت عليه هذه البلدان من عالم الأصول فى وضعها المادى إلى العالم الفكرى لرأس المال حيث يمكن النظر إلى الأصول بكل إمكاناتها الإنتاجية.
(2) إدماج المعلومات المتفرقة فى نظام موحد. يرجع سبب انتصار الرأسمالية فى الغرب وانتشارها فى باقى أنحاء العالم إلى إدماج معظم الأصول فى بلدان الغرب فى نظام تمثيلى رسمى واحد. ولم يتم هذا الإدماج عرضا. فخلال عشرات السنين فى القرن التاسع عشر قام سياسيون ومشروعون وقضاة بتجميع الحقائق والقواعد المبعثرة التى كانت تحكم الملكية فى المدن والقرى والمبانى والحقول وإدماجها فى نظام واحد. وأتاح هذا الإدماج لعناصر الملكية، وهو ما يمثل مرحلة ثورية فى تاريخ البلدان المتقدمة، وضع كل المعلومات والقواعد التى تحكم الثروة المتراكمة لمواطنيها فى قاعدة واحدة للمعرفة. وقبل هذه الفترة كان من المتعذر للغاية الحصول على معلومات. وكانت كل مزرعة أو مستوطنة تقوم بتسجيل أصولها وقواعدها التى تحكمها فى دفاتر استاذ بدائية أو فى شكل رموز أو شهادات شفوية. ولكن المعلومات كانت متناثرة ومتفرقة ولم تكن متاحة لأى عميل فى أى وقت معين.
ولم تنشئ البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة نظما موحدة للملكية الرسمية. وفى كل البلدان التى دارت بحوثى حولها لم أجد أى نظام قانونى واحد، بل وجدت عشرات ومئات النظم التى تمارسها كل أنواع المنظمات، بعضها قانونى والبعض الآخر غير قانونى، وتتراوح بين جماعات صغيرة تقوم بتنظيم المشروعات ومنظمات ضخمة تتولى أعمال الإسكان. ومن ثم فإن ما يستطيعه الناس فى هذه البلدان تجاه ممتلكاتهم كان محدودا بتصور مالكيها ومعارفهم. أما فى البلدان الغربية، حيث يتم معايرة المعلومات وتصبح متاحة للجميع، فإن ما يستطيع الملاك عمله بما لديهم من أصول يستفيد من تصور جماعى لشبكة واسعة من الناس.
ومما قد يثير الدهشة لدى القارئ الغربى أن معظم بلدان العالم لم تقم بعد بتوحيد اتفاقيات الملكية غير القانونية فى نظام قانونى رسمى. وبالنسبة لسكان غرب أوروبا من المفترض أن يكون هناك قانون واحد، هو القانون الرسمى. غير أنه كانت القاعدة السائدة فيما مضى هى وجود ترتيبات مختلفة للملكية غير الرسمية فى كل بلد، أما اعتماد الغرب على نظم موحدة للملكية فإنه يمثل ظاهرة لا يزيد عمرها على المائتى سنة الأخيرة. والسبب فى صعوبة متابعة تاريخ توحيد تلك الطائفة الكبيرة من نظم الملكية، هو أن العملية استغرقت وقتا طويلا جدا من الزمن.
(3) إخضاع الناس للمساءلة. إن إدماج كل نظم الملكية فى قانون رسمى واحد نقل مشروعية حقوق الملاك من المحيط السياسى للمجتمعات المحلية إلى السياق الموضوعى للقانون العام. وأدى إعفاء الملاك من قيود الترتيبات المحلية وإدخالهم فى نظام قانونى أكثر اندماجا إلى تيسير إخضاعهم للمساءلة.
ونتيجة لتحويل الناس الذين لهم مصالح حقيقية فى الملكية إلى أفراد خاضعين للمساءلة تحول الجمهور المختلف إلى أفراد محددين. فلم يعد الناس فى حاجة إلى الاعتماد على علاقات الجوار أو اتخاذ ترتيبات محلية لحماية حقوقهم فى الأصول. وبذلك تحرروا لكى يكتشفوا كيف يمكن توليد فائض القيمة من أصولهم الخاصة. ولكن كان هناك ثمن يتعين دفعه : إذ بمجرد دخول الملاك فى نظام الملكية الرسمية فإنهم يفقدون وضعهم كأشخاص مجهولين فى حين يقوى خضوعهم الفردى للمساءلة. فالأفراد الذين لا يدفعون ثمن السلع أو الخدمات التى استفادوا منها يصبح فى الإمكان تحديدهم وتوقيع جزاءات عليهم فى شكل فوائد وتغريمهم وفرض حظر على شحن السلع إليهم وخفض معدلات ائتمانهم. وفى وسع السلطات معرفة المخالفات القانونية والعقود التى لم تنفذ، ووقف الخدمات وفرض الحجز على الممتلكات وسحب بعض امتيازات الملكية القانونية. إن احترام البلدان الغربية للملكية والمعاملات ليس مسجلا فى جينات مواطنيها وإنما هو ناجم من أن لديهم نظما للملكية الرسمية قابلة للتنفيذ. ويشجع دور الملكية الرسمية فى حماية الملكية وكذلك أيضا تأمين المعاملات، المواطنين فى البلدان المتقدمة على احترام سندات الملكية، وتنفيذ العقود والامتثال للقانون. ومن ثم فإن الملكية القانونية تدعو إلى الالتزام
ولذا فإن افتقاد الملكية القانونية يفسر لماذا لا يستطيع مواطنو البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة التوصل إلى عقود مربحة مع الأجانب ولا يستطيعون الحصول على الائتمان أو التأمين أو خدمات المرافق العامة : إذ ليس لديهم ممتلكات يخسرونها. ونظرا لأنه ليس لديهم ملكية رسمية، فإنه لا ينظر إليهم جديا على أنهم أطراف متعاقدة إلا من قبل أفراد أسرتهم وجيرانهم المباشرين. إن الأشخاص الذين ليس لديهم ما يفقدونه يجدون أنفسهم وقد وقعوا فى شراك البيئة السيئة التى كانت سائدة فى عصر ما قبل الرأسمالية.
(4) جعل الأصول قابلة للاستبدال. إن أحد أهم الأشياء التى يحققها نظام الملكية الرسمى هو تحويل الأصول من حالة تقل فرص التصرف فيها إلى حالة تزيد فرص التصرف فيها، وبذلك يمكن أن تحقق مهمة إضافية. وبعكس الأصول المادية، فإن الأصول القانونية يمكن تجميعها، وتقسيمها، وإسالتها بسهولة واستخدامها لتحفيز الصفقات التجارية. إذ من خلال فصل السمات الاقتصادية لأحد الأصول عن حالته المادية الصلبة فإن شكله القانونى يجعله ” قابلا للاستبدال “، ويمكن تشكيله بحيث يصلح عمليا لأية صفقة.
ومع توصيف كل الأصول فى فئات معيارية، يمكن نظام الملكية الرسمى الموحد من المقارنة بين بنائين مختلفين هندسيا تم إنشاؤهما لنفس الغرض. وهذا يسمح بالتمييز بسرعة وبدون تكلفة بين أوجه التماثل والاختلاف فى الأصول دون أن تكون هناك حاجة للتعامل مع كل أصل منها كما لو كان فريدا فى حد ذاته. ويتم أيضا فى دول الغرب توصيف الملكية المعيارية كتابة لتيسير توحيد الأصول. وتقتضى قواعد الملكية الرسمية وجود أصول يتعين توصيفها وتمييزها بطريقة تبين ليس فقط سماتها الخاصة ولكن تشير أيضا إلى أوجه التشابه بينها وبيم الأصول الأخرى، وبذلك تجعل أوجه التوحيد الممكنة الأخرى أكثر وضوحا. ومن خلال استخدام السجلات المعيارية، يستطيع المرء تحديد كيفية استغلال أصل ما بأكثر الطرق ربحية.
ويمكن التمثيل أيضا المرء من تقسيم الأصول دون أن يمسها. ففى حين أن أى أصل من الأصول كمصنع مثلا يمكن أن يكون وحدة لا يمكن تقسيمها فى العالم الحقيقى، فإنه فى العالم النظرى لتمثيل الملكية الرسمية يمكن تقسيمه إلى أجزاء عديدة. ولذا يستطيع المواطنون فى البلدان المتقدمة تجزئة معظم أصولهم إلى حصص يستطيع أن يمتلك كلا منها أشخاص مختلفون لهم حقوق مختلفة، ويردون وظائف مختلفة.
وسند تمثيل الملكية الرسمية يمكن أيضا أن يكون بديلا منقولا للأصول المادية، مما يتيح للملاك ومنظمى المشروعات محاكاة أوضاع افتراضية بغية استكشاف استخدامات أخرى مربحة لأصولهم. وفضلا عن ذلك فإن جميع وثائق الملكية الرسمية المعيارية تصاغ بطريقة تيسر قياس الأصول بسهولة. وأدى توفير المقاييس المتعلقة بنظم الملكية الرسمية الغربية إلى خفض ملحوظ فى تكلفة صفقات حشد الأصول واستخدامها.
(5) ربط الناس فى شبكات. ترتب على جعل الأصول قابلة للاستبدال، وربط الملاك بالأصول، وربط الأصول بالعناوين، وربط الملكية بالتنفيذ، وتيسير الحصول على المعلومات المتعلقة بتاريخ الأصول والملاك، تحويل نظم الملكية الرسمية للمواطنين فى الغرب إلى منظمات عمل تتكون من عملاء تجاريين يمكن تحديدهم ومساءلتهم شخصيا. وقد خلقت عملية الملكية الرسمية بنية أساسية كاملة من أدوات الاتصال التى تتيح للأصول ( القطارات )، مثلما تفعل أجهزة تحويل السكك الحديدية، أن تجرى بأمان بين الناس ( المحطات ). ولا يتمثل إسهام الملكية الرسمية للجنس البشرى فى حماية أولئك الذين يحتلون الأراضى دون وجه حق، فمنظمات الإسكان وعصابات المافيا، حتى القبائل البدائية تحمى أصولها بكفاءة تامة. ولكن الإنجاز الحقيقى لنظام الملكية أنه أدى إلى تحسين جذرى فى تدفق الاتصالات بشأن الأصول وإمكاناتها، كما أنه عزز وضع الملاك.
وتقوم الملكية القانونية أيضا فى دول الغرب بتزويد دوائر الأعمال بالمعلومات حول الأصول وملاكها، والعناوين المثبتة، والتسجيلات الموضوعية لقيم الملكية، وكلها تؤدى إلى تيسير عمليات الائتمان.
ويبدو أن الكثيرين يلاحظوا أن نظام الملكية القانونية لبلد متقدم يعتبر مركزا لشبكة معقدة للاتصالات التى تعبئ المواطنين العاديين لخلق روابط مع كل من الحكومة والقطاع الخاص، ومن ثم الحصول على سلع وخدمات إضافية. ومن الصعب، دون وجود أدوات الملكية الرسمية، تصور كيف كان يمكن استخدام الأصول فى أى شئ مما أنجزته فى دول الغرب.
(6) حماية المعاملات. من الأسباب المهمة التى تفسر كيف يعمل نظام الملكية الرسمية الغربى كشبكة موحدة، أن جميع وثائق الملكية (سندات الملكية، وصكوك الملكية العقارية، والضمانات، والعقود التى تصف الجوانب الاقتصادية البارزة للأصول) يتم تتبعها وحمايتها باستمرار خلال مراحل سيرها فى الزمان والمكان. والهيئات العامة هى القيم على التمثيل فى الدول المتقدمة. فهى تتولى إدارة الملفات التى تحتوى على الأوصاف المفيدة اقتصاديا للأصول، سواء كانت أراضى، أو مبانى، أو قطعان ماشية، أو سفنا، أو صناعات، أو مناجم، أو مطارات. وهذه الملفات تنبه أى شخص يتوق إلى استخدام أحد الأصول إلى الأشياء التى قد تقيد أو تعزز استخدامها، مثل الديون العقارية، أو حقوق الارتفاق، أو عقود الإيجار، أو المتأخرات، أو الإفلاس، أو الرهن العقارى. وبالإضافة إلى النظم العامة لامساك السجلات أنشئ الكثير من الخدمات الخاصة الأخرى ( مثل منظمات الضمان المجمد، أو المنظمات المقفلة، أو المثمنون ) لمساعدة الأطراف على تثبيت أو تحريك أو تتبع تمثيل الأصول لكى يمكن أن تنتج فائض القيمة بسهولة وأمان.
ورغم أن النظم الغربية أنشئت لحماية أمن الملكية والمعاملات على السواء، فمن الواضح أنها تؤكد على المعاملات. ويتركز الأمن فى الأساس على توفير الثقة فى المعاملات لكى يسهل على الناس جعل أصولهم تحظى بمعاملة موازية كرأس المال. والتأكيد فى الغرب على أمن المعاملات يسمح للمواطنين بتحريك كميات كبيرة من الأصول بقدر قليل جدا من المعاملات. وفى البلدان النامية، على العكس، يقع القانون والهيئات الرسمية فى شراك القانون الاستعمارى والرومانى السابق الذى يميل إلى حماية الملكية، وبذا أصبحت حامية لرغبات الموتى.

الخلاصة
يحدث قدر كبير من تهميش الفقراء فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة بسبب عدم قدرتهم على الإفادة من الاثار الستة التى تحققها الملكية الرسمية، والتحدى الذى تواجهه هذه البلدان ليس ما إذا كان ينبغى لها أن تنتج أو تتلقى أموالا أكثر، ولكن ما إذا كانت تستطيع أن تدرك قيمة المؤسسات القانونية والتزود بالإرادة السياسية اللازمة لإقامة نظام للملكية يمكن للفقراء استخدامه بسهولة.
وقد رأى المؤرخ الفرنسى فرناند بروديل أنه مما يثير الحيرة الشديدة أن الرأسمالية الغربية فى مستهل وجودها كانت فى خدمة القلة الممتازة فقط، وهو ما يحدث تماما فى كل مكان من العالم اليوم :
” إن المشكلة الرئيسية هى اكتشاف السبب فى أن ذلك القطاع من المجتمع الذى لا أتردد فى وصفه بأنه رأسمالى، كان يتعين عليه فى الماضى أن يعيش كما لو كان فى ناقوس زجاجى لا صلة له بأى شئ آخر، ولماذا لم يكن هذا القطاع قادرا على التوسع وغزو المجتمع كله ؟ … [ ولماذا كان ] تكوين نسبة كبيرة من رأس المال ممكنا فى قطاعات معينة فقط وليس فى كل الاقتصاد السوقى فى ذلك الزمن ؟ “.
أعتقد أن الرد على سؤال بروديل يكمن فى وجود قيود تحول دون الحصول على الملكية الرسمية، سواء فى الغرب فيما مضى أو فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة اليوم. إن المستثمرين المحليين والأجانب لديهم رؤوس أموال، وأصولهم إلى حد ما متكاملة، وقابلة للاستبدال، ومتشابكة وتحظى بحماية نظم الملكية الرسمية. ولكنهم أقلية ضئيلة فقط تتكون من أولئك الذين فى وسعهم تحمل نفقات المحامين الخبراء، والاتصالات مع أصحاب النفوذ، والصبر، وهى أمور ضرورية للتغلب على الروتين السائد فى نظمهم المتعلقة بالملكية الرسمية. أما الأغلبية الكبيرة ممن لا يستطيعون جنى ثمار عملهم الذى يمثله نظام الملكية الرسمية، فإنهم يعيشون خارج الناقوس الزجاجى الذى أشار إليه بروديل.
إن الناقوس الزجاجى يجعل الرأسمالية ناديا خاصا لا تدخله إلا النخبة القليلة من أصحاب الامتيازات، ويثير غضب الملايين الذين يقفون خارجه متطلعين إليه. وهذا التمييز العنصرى الرأسمالى سوف يستمر إلى أن يتم تصحيح الخلل الشديد الذى يسود النظم السياسية والقانونية فى كثير من البلدان، وهى النظم التى تحول بين الأغلبية وبين الدخول فى نظام الملكية الرسمية.
وقد حان الوقت لمعرفة لماذا لم تستطع معظم البلدان إنشاء نظم مفتوحة للملكية الرسمية. هذا هو الوقت الملائم، حيث يقوم العالم الثالث والبلدان الشيوعية السابقة بأكثر محاولاتهما طموحا لإقامة النظم الرأسمالية، ولإزالة هذا الناقوس الزجاجى.

المراجع : Fernand Braudel, The Wheels of Commerce —New York: Harper and Row,1982.
Adam Smith, The Wealth of Nations —1776; reprint, London: Everyman’s Library, 1977.

Advertisements