Home

1 Comment

maoists

Leave a comment

oscar nominee; worst actors

إيلان هاليفي من فرسان الماوية في فلسطين

Leave a comment

توفي في باريس المناضل ايلان هاليفي عن سبعين عاماً قضى معظمها في النضال من أجل فلسطين حرة عربية ديمقراطية.
إيلان يهودي (إسمه الأصلي جورج آلان ألبرت، مولود في فرنسا في مدينة ليون، ولكن أسرته من أصول يمنية. جاء من الجزائر إلى فلسطين عام 1960 لأنه أراد أن يتعرف على مأساة الشعب الفلسطيني بعد أن عرف مأساة الشعب الجزائري. ونشط فى منظمة معفاك (النضال) وهي كانت منظمة اشتراكية ثورية معادية للصهيونية. وشارك في تأسيس الجبهة الحمراء مع عدد من المناضلين العرب واليهود الذين حملوا السلاح ضد الكيان الصهيوني… انضم لحركة فتح العام 1970. بعد اعتقال عشرات الكوادر من منظمة الجبهة الحمراء ومحاكمتهم وسجنهم هرب إلى باريس حيث استقر وواصل نضاله من أجل فلسطين. أسس عام 1982 اللجنة الدولية للدفاع عن معتقلي سجن أنصار، إلى جانب العديد من الجمعيات التي تعنى بتوثيق وفضح الممارسات الصهيوينة والدفاع عن الحقوق الفلسطينية والعربية. صار ممثلاً لحركة فتح فى الاشتراكية الدولية.وعضواً في المجلس الثوري لحركة فتح. له الكثير من الكتب والدراسات اشهرها كتابه عن “المسألة اليهودية: القبيلة،الشريعة،المجال” (1981)، “اسرائيل من الإرهاب إلى مجازر الدولة” (1984)، “تحت إسرائيل هناك فلسطين” (1987).
وقد نعت حركة فتح، يوم الأربعاء 10 تموز 2013ilan halevi ، عضو المجلس الثوري للحركة، إيلان هاليفي، معتبرة إياه من المؤمنين بحقوق شعبنا وحق اللاجئين بالعودة، ومناضلا ضد المشروع الصهيوني الاحتلالي الاستيطاني.
وحيت الحركة في بيان لها روح وشخصية هاليفي الذي ارتقى بفكره الإنساني، وترك إرثا عظيما من المؤلفات والمواقف النبيلة حتى وافته المنية في العاصمة الفرنسية باريس، عن عمر يناهز سبعين عاما”.

لمعرفة المزيد عنه وكيف نعاه المثقفون الغربيون:
http://www.rue89.com/2013/07/11/mort-dilan-halevi-intellectuel-engage-100-juif-100-arabe-244147
http://www.liberation.fr/monde/2013/07/10/ilan-halevi-l-ame-en-paix_917451
http://www.alternativenews.org/english/index.php/politics/opinions/6734-ilan-halevi-1943-2013.html
http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/fatah-pays-tribute-to-ilan-halevi–an-israeli-jew-who-defected-to-the-plo-8704017.html

“Postcolonial Theory and the Specter of Capital” (de Vivek Chibber)

Leave a comment

Nous publions ici la conclusion de l’ouvrage de Vivek Chibber traduite pour Contretemps par Matthieu Renault
http://www.contretemps.eu/lectures/lire-conclusion-postcolonial-theory-and-specter-capital-vivek-chibber

شلومو ساند: كيف لم أعد يهوديّاً

Leave a comment

صدر مؤخّراً عن دار «فلاماريون» الفرنسية كتابٌ للمؤرّخ والكاتب الإسرائيلي شلومو ساند يحمل عنوان: «كيف لم أعد يهودياً»، ترجمه عن العبرية ميشيل بيليس.
يستهلّ شلومو ساند كتابه متخطّياً حدود الديانة اليهوديّة ومتحدّثاً في المطلق عن الدور البارز الذي أدّته الهويّات الدينية المختلفة في تصنيف البشر، وفي تفسير ظواهر طبيعية واجتماعية، وفي وعدِ المؤمنين بالحياة الأبدية أو بالتقمّص، وفي إخضاعهم إلى حقائقها الحصرية. وينتقل إلى مفهوم الهويّات القوميّة الذي برز في القرن التاسع عشر، مشدّداً على قوّة النزعة القومية في إسرائيل، لا سيّما أنّها تنكر مبدأ الجنسية المدنية وتستعيض عنها بجنسية «يهودية» تحدّد انتماء قوميّاً لا انتماء دينيّاً. ويشير الكاتب إلى أنّ عرب إسرائيل محرومون من هذا الانتماء، لأنّهم لم يولدوا من أمٍّ يهودية، ناهيك عن أنّ الحركة الصهيونية تستخدم التوراة كصك ملكيّة لاحتلال فلسطين.
ولأنّ شلومو ساند يرمي في هذا الكتاب إلى دحض مفهوم اليهودية العلمانية الذي كرّسته الصهيونية، وإلى دحض مفهوم الانتماء العرقي الواحد لليهود، يتساءلك «هل من ثقافة يهودية علمانية؟»، ويجيب بـ«لا» نظراً إلى غياب أي لغة مشتركة أو نمط حياة مشترك بين اليهود العلمانيين، وغياب أي أعمال فنية أو أدبية يهودية علمانية، على الرغم من إمكانية التعرّف إلى ملامح ثقافة علمانية يهودية في فكر كارل ماركس وألبرت أينشتاين وسيغموند فرويد مثلاً. بيد أنّ هؤلاء عبّروا انطلاقاً من ثقافاتهم الخاصّة، ولم يرسوا أسس فكر يهودي علماني. ويرى الكاتب أنّ التوفيق ما بين العلمانية والانتماء إلى اليهودية أمرٌ مستحيل، وقد ينطبق هذا الأمر على سائر الأديان أيضاً. ثمّ يستعرض ساند أصول الديانة اليهودية والجذور التاريخية لـ«رهاب اليهود» في أوروبا، قبل أن يتطرّق إلى الممارسات الطائفية والعنصرية في إسرائيل ضدّ العرب على وجه الخصوص، وموجات التهويد التي لا تنبع من إيمان ديني راسخ، بل تهدف إلى الوقوف بوجه الفلسطينيين لأنّ «المرء لكي يكون يهوديّاً في إسرائيل، عليه قبل كلّ شيء ألّا يكون عربيّاً».
يتحدّث الكاتب في ما بعد عن الصور النمطية التي أحاط اليهود أنفسهم بها، وهي أنّ لهم صفات خاصّة متوارثة لا يتمتّع بها أي شعب آخر. ويقارن اليهودي في إسرائيل بنماذج عنصرية سابقة مثل المستوطن الأوروبي الأبيض في جنوب أفريقيا، مشيراً إلى مفارقة تكمن في أنّ إسرائيل أصبحت مرجعاً لغالبية التيارات اليمينية المتطرّفة التي كانت تحمل راية معاداة الساميّة سابقاً. ثمّ يندّد ساند بعنصرية إسرائيل قائلاً إنّها «أحد أكثر المجتمعات عنصريّةً في العالم الغربي»، وتتبدّى هذه العنصريّة في قوانينها ومدارسها ووسائل إعلامها.
في ما يلي ترجمة لفصل من الكتاب
ترجمة أسيل الحاج:

ألاّ يكون المرء عربيّاً

في العام 2011، كنت في مطار تل أبيب أنتظر رحلةً إلى لندن. طال التفتيش الأمني ونفد صبر المسافرين. انتابني الملل، شأني شأن الجميع، إلى أن شدّت نظري بغتةً امرأةٌ تجلس على مقعد قربَ الحاجز الأمني؛ كان يغطّي رأسها، وليس وجهها، منديلٌ تقليدي (تخطئ وسائل الإعلام الغربية قصداً بتسميته «حجاباً»). وكان يحيط بها عنصران من الشرطة الإسرائيلية بعد أن أخرجاها من الصفّ. حزرت فوراً انّها امرأة إسرائيلية «غير يهودية». بدا اليهود الإسرائيليون حولي وكأنهم لم يروها، فهذا مشهد معتاد في مطار إسرائيل حيث يُفصل الفلسطينيّون ـ الإسرائيليون دائماً عن سائر الركّاب ويخضعون لاستجواب وتفتيش خاصَّين. أمّا التبرير «البديهيّ» الذي يُعطى فهو خطر القيام بهجوم إرهابي. لم يخفّف عدم تورّط عرب إسرائيل في الهجمات وتدنّي الأعمال الإرهابية في السنوات الأخيرة من الحالة العصبية في أمن المطار: ففي دولة المهاجرين اليهود، يبقى الفلسطينيون الأصليون مشبوهين ويخضعون للمراقبة المستمرّة.
تضايقتُ وهززت كتفيّ عجزاً. تأمّلتني لحظةً بصمتٍ استفهامي. لم تتطابق نظرتها إليّ مع وصف أبي، ولكنّها كانت تشي أيضاً بالخوف والحزن الناجم عن الإساءة. ابتسمَت. وقرأتُ في ملامحها رضوخاً لهذه الحتميّة. بعد دقائق قليلة، عبرتُ الحاجز الأمني بمنتهى السهولة. خجلتُ إلى حدٍّ ما من أن أدير رأسي باتّجاه المرأة. وأنا أعوّض عن ذلك في هذه الأسطر. أكّد لي هذا اللقاء الخاطف أنّ في إسرائيل، كي يكون المرء «يهوديّاً»، عليه قبل كلّ شيء ألّا يكون عربيّاً.
منذ تأسيس دولة إسرائيل، واجهت الصهيونية العلمانية سؤالاً أساسيّاً لمّا تجب عنه حتى اليوم، ولم يجب عنه كذلك مؤيّدوها في الخارج، وهو: من هو اليهوديّ؟

القوانين الدينية والقوانين المدنية

لم تطرح اليهودية التلمودية هذا النوع من الأسئلة. فعلى خلاف التوراة التي تصف اليهودي على أنّه المؤمن بالله، لطالما كان اليهوديّ هو الذي ولد من أمّ يهودية أو الذي اعتنق الديانة اليهودية وفقاً للقانون الديني وأتمّ التعاليم الأساسية. في الزمن الذي لم يكن فيه الإلحاد خياراً، كان الذي يتخلّى عن الديانة اليهودية لاعتناق ديانة أخرى (كحال كثيرين آنذاك)، يكفّ عن كونه يهوديّاً في نظر أتباع الديانة. ومع ظهور العلمانية، أصبح اليهودي الذي يكفّ عن تأدية الفرائض الدينية من دون أن يعتنق ديانة أخرى، يثير أسى المقرّبين منه، ولكنّه يبقى يهوديّاً بالنسبة إليهم، ذلك أنّ الأمل يبقى موجوداً بأن يعود مجدّداً إلى ربوع الإيمان، بما أنّه لم يعتنق لا المسيحيّة ولا الإسلام.
في السنوات الأولى بعد تأسيس دولة إسرائيل، حين أرسلتْ موجاتُ الهجرات حصّتَها من «الأزواج المختلطين»، حاولت الصهيونية تخفيف حدّة المشكلة، بيد أنّها سرعان ما فهمت أنّ تعريف اليهوديّ لا يمكن أن يرتكز على مبدأ التطوّع. بموجب «قانون العودة»، منحت الدولة الجديدة تلقائيّاً إمكانية الهجرة والحصول على الجنسية إلى جميع الذين يُعرَّف عنهم على أنّهم يهود. كان يحتمل أن يزعزع فتحُ أبواب الهجرة على هذا الشكل شرعيةَ الاستيطان الإثنية ـ الدينية التي ترتكز عليها الصهيونية العلمانية. بالإضافة إلى ذلك، عرّفت الصهيونية اليهود على أنّهم «شعب» من أصل واحد، الأمر الذي جعلها تخشى، على غرار اليهودية قبلها، «تشبيه» اليهود بالشعوب المجاورة.
وهكذا، مُنع الزواج المدني في الدولة العلمانية طور التأسيس، ولم يُسمح إلّا بالزواج الديني. ولا يحقّ ليهودي الزواج إلّا من يهودية، ولمسلم الزواج إلّا من مسلمة. وينطبق هذا القانون التمييزي جدّاً على المسيحيين والدروز أيضاً. ولا يجوز على الزوج اليهودي الذي لم ينجب أطفالاً أن يتبنّى طفلاً «غير يهودي» (مسلماً أم مسيحيّاً) إلّا بعد جعله يهوديّاً بحسب القانون الحاخامي اليهودي؛ أمّا فرضيّة تبنّي زوج مسلم طفلاً يهوديّ الأصل فغير واردة. فعلى خلاف التفكير السائد، لا يُعزى استمرار هذا التشريع الديني الكاذب والمضاد للّيبرالية إلى القوة الانتخابية التي يتمتّع بها المتديّنون، بل إلى الشكوك التي تحوم حول الهوية الوطنية العلمانية وإرادة الحفاظ على العرقية اليهودية. لم تظهر إسرائيل يوماً على أنّها ثيوقراطية حاخامية، إذ ما زالت منذ تأسيسها عبارة عن إثنوقراطية صهيونية. لطالما واجهت هذه الإثنوقراطية مسألة في غاية الأهمية: فهي تعرّف عن نفسها على أنّها «دولة يهودية»، أو حتى «دولة الشعب اليهودي» من كافة أنحاء العالم، بيد أنّها عاجزة عن تحديد من هو اليهودي. وتجدر الإشارة إلى أنّ المحاولات التي أُجريت في خمسينيات القرن المنصرم لتحديد العرق اليهودي من خلال البصمة، أو الاختبارات الحديثة العهد الرامية إلى تمييز حمض نووي يهودي، باءت كلّها بالفشل. وعبثاً حاول بعض العلماء الصهيونيين في إسرائيل وخارجها الإعلان عن «نقاوة وراثية» حافظ عليها اليهود على مرّ الأجيال، بيد أنّهم لم ينجحوا حتى اليوم في تمييز اليهودي استناداً إلى نموذج من الحمض النووي.
لم يكن ممكناً الاحتفاظ بالمعايير الثقافية أو اللسانية: فلم تتشارك ذرّيتهم قطّ لغة واحدة أو ثقافة واحدة. ولم يبقَ متاحاً للمشرّعين العلمانيين سوى المعايير الدينية: الذي وُلد من أمٍّ يهودية أو اعتنق اليهودية بموجب القانون والفريضة الدينية تعترف به دولة إسرائيل على أنّه يهوديّ له حقّ حصريّ وأبديّ في امتلاك الدولة والأرض التي تحكمها هذه الدولة. من هنا الحاجة المتزايدة إلى الحفاظ على اللباس الديني اليهودي في سياسة الهويات الرسمية.

دولة يهودية أو دولة طائفية

منذ أواخر السبعينيات، وأكثر حتى في الثمانينيات، ثمة تشديد على أنّ إسرائيل دولة يهودية لا إسرائيلية. بينما تشمل الصفة الأولى يهود العالم بأسره، لا تشمل الثانية «سوى» مجموع مواطني إسرائيل: من مسلمين ومسيحيين ودروز ويهود من دون التمييز في ما بينهم. وعلى الرغم من أنّ الأسرَلة الثقافية تزداد إيناعاً في الحياة اليومية (يشهد الفلسطينيون ـ الإسرائيليون تثاقفاً مع اليهود)، أصبحت الدولة يهدويّة أكثر فأكثر، بدلاً من أن تعترف بهويّتها وتجعل منها بوتقة وعي جمهوري وديموقراطي.
إنّ الواقع الثقافي الإسرائيلي والهوية اليهودية الكبرى أحدثا فصاماً غريباً في سياسة الهويات في إسرائيل: فمن جهة، تعلن إسرائيل أكثر فأكثر أنها دولة يهودية وتلتزم بتقديم الدعم المتزايد لمؤسسات ثقافية ومنشآت دينية ووطنية تقليدية، على حساب تعليم الإنسانيات العامّة والمعارف العلمية. ومن جهة أخرى، لا تزال النخب الفكرية القديمة وشريحة من الطبقة الوسطى العلمانية تشكو القيود الدينية. وهي تودّ التحليق خارج السرب الديني، شرط ألّا تنفصل عنه كلّيّاً: فهي تودّ أن تبقى يهودية ببساطة خارج إطار الديانة اليهودية، من دون أن تدرك أنّ هذا الأمر مستحيل.
تعلّل أسبابٌ كثيرة التشديد على التهويد في هوية الدولة. وينجم هذا التوجّه عن واقع أنّ دولة إسرائيل سيطرت في ليلة وضحاها على شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني. إذ يشكّل الفلسطينيون المقيمون في مناطق «الأبارتهايد» في الأراضي المحتلّة، فضلاً عن عرب إسرائيل، كتلةً ديموغرافية يُعتبر أنّها تشكّل خطراً وتهديداً على الطابع اليهودي الكاذب لدولة إسرائيل.
تنبثق الحاجة المتزايدة إلى الصفة اليهودية من أجل تعريف الدولة بانتصار اليمين الصهيوني الذي استفاد أساساً وليس حصراً، من دعم الإسرائيليين من أصل يهودي ـ عربي. حافظ هؤلاء على هويّتهم اليهودية بشكل أشدّ وضوحاً بكثير من مجموعات المهاجرين الآخرين. فقد نجحوا منذ العام 1977 في ترجمتها سياسيّاً وبشكل فاعل على الصعيد الانتخابي، الأمر الذي وجّه باستمرار البوصلة الإسرائيلية.
إنّ وصول «الرّوس» إلى إسرائيل ابتداءً من أواخر الثمانينيات، بما يحملون من صفاتٍ مختلفة جدّاً، قد فاقم التوجّه العامّ في البلاد أيضاً: فغياب التقاليد اليهودية عن هؤلاء المهاجرين الجدد وعدم معرفتهم بالثقافة الإسرائيلية دفعا المؤسسات الإسرائيلية إلى التشديد على اليهودية المشبعة لا بالإرث الثقافي، بل بجوهر اليهود، أي بحمضهم النووي. وتبيّن أنّ حملة الهويّة هذه معقّدة، لأنّ شريحةً لا يُستهان بها من الشعب لم تكن يهوديّة: وهكذا، أعاد عدد من المهاجرين الروس اكتشاف «يهوديّتهم» عبر إبداء عنصرية شديدة تجاه العرب.
ظهرت في إسرائيل مؤشّرات تنبئ بانحدار القومية التقليدية في العالم الغربي مقابل تصاعد الطائفية أو القبلية العابرة للحدود. فأيّ قيمة لهوية ثقافية إسرائيلية صغرى في عصر العولمة؟ ألا يُفضّل إذا تطوير هويّة «إثنية» تتخطى القومية، وتمنح يهود العالم الشعور بأنّ إسرائيل ملكٌ لهم، وتصون شعور اليهود الإسرائيليين بأنّهم جزءٌ من شعب يهودي عظيم يتسلّم بعضه سلطات بارزة في سائر عواصم الغرب؟ ألا يُفضَّل الانتماء إلى «شعب عالميّ» تحدّر منه كثيرٌ من الحائزين «جائزة نوبل»، وكثيرٌ من العلماء، وكثيرٌ من المخرجين السينمائيين؟ فقدت الهوية المحلية الإسرائيلية أو العبرية هيبتها السابقة، وتركت المنبر لهوية يهودية تلقائية ومتضخّمة. لذلك، ارتَدَت اليهوديةُ التقليدية حلّةً معاصرة لدى عدد من «اليهود الجدد».

لماذا يقتلك؟ لم تفعل شيئاً!
تنتقد طرفةٌ يديشية شعبية، على سبيل التندّر والسخرية من الذات، الطابعَ الطائفي المتجذّر في الأخلاق اليهودية. وتروي أنّ أمّاً يهودية كانت ترافق ابنها الذي جُنِّد في جيش القيصر الروسي للقتال في حرب القرم (بين الإمبراطورية الروسية والدولة العثمانية). وما إن همّت الأمّ بالرحيل، أوصَت ابنها قائلةً: «يا بنيّ، لا تنسَ أن تتناول الطعام بعد أن تقتل تركيّاً.» فأجابها الشاب: «حسناً يا أمّي». فأضافت الأم: «واحرص على أن تأخذ قسطاً من الراحة بعد كلّ هجوم تقتل فيه أتراكاً!» فوافق الجنديّ الشاب مجدّداً: «بالتأكيد». وبعد هنيهة من التردّد، تساءل قائلاً: «ولكنْ، ماذا لو قتلني التركيّ؟» فجحظت عينا الأم استهجاناً: «يقتلك؟! لماذا؟ هل فعلت له شيئاً؟!!».
دولة يهودية أم دولة طائفية
ترمي المقارنة الآتية إلى فكّ رموز قانوني المواطنة وتعليم الهوية اليهودية اللذين دخلا حيّز التنفيذ في إسرائيل منذ الثمانينيات: إذا قرّرت الولايات المتحدة الأميركية أنّها ليست دولة جميع المواطنين الأميركيين، بل دولة كلّ من يُعرَّف عنهم حول العالم على أنّهم أنغلو ـ ساكسونيّون بروتستانتيّون، فسيكون وجه الشبه صاعقاً بينها وبين إسرائيل. حتماً، سيبقى من حقّ الأميركيين الأفارقة والأميركيين اللاتينيين والأميركيين اليهود المشاركة في انتخابات الكونغرس ومجلس الشيوخ، شرط أن يتذكّر المنتخَبون أنّ الدولة الأميركية أنغلو ـ ساكسونية إلى الأبد.
سنذهب بالمقارنة أبعد من ذلك من أجل فهم الإشكالية فهماً أفضل: لنسلّم جدلاً أنّ فرنسا قرّرت تعديل الدستور، وقضت بتعريف البلاد على أنّها دولة “غاليّة – كاثوليكية” وأنّ نسبة 80 في المئة من أرضها لا يُمكن أن تُباع إلا لمواطنين غاليّين ـ كاثوليكيين، موضِّحةً أنّ مواطنيها البروتستانتيين أو المسلمين أو اليهود يتمتّعون بحقّ الاقتراع وحقّ الترشّح للانتخابات. ولنفترض أنّ التيّار القبليّ والمعادي للديموقراطية امتدّ إلى سائر القارة الأوروبية: ها هي ألمانيا تواجه صعوبات عدّة ناجمة عن ندبات الماضي وهي تحاول إعادة إرساء المبادئ العرقيّة القديمة. وها هي بريطانيا تعلن رسميّا أنّها لم تعد دولة البريطانيين من مواطنين اسكتلنديّين وغاليّين وأبناء المهاجرين من مستعمراتها السابقة، وأنّها أصبحت من الآن فصاعداً دولة الإنكليز المولودين من أمّهات إنكليزيّات. وها هي إسبانيا تحذو حذو جيرانها وتقرّر أن تضع حدّاً للخبث القوميّ وتعلن أنّها لم تعد ملكاً لجميع الإسبانيين وتصبح صراحةً دولة قشتالية ديموقراطية تسخو على أقلّياتها الكتلانية والأندلسية والباسكية وتمنحهم استقلالية محدودة.
إذا تجسّدت هذه التغييرات التاريخية على أرض الواقع، فستحقّق إسرائيل مصيرها وتغدو “منارة بين الأمم”. وهكذا، تشعر براحة أكبر وتصبح أقلّ انعزالاً هي وسياسة الهويّة الحصريّة التي تنتهجها. ولكن، ثمة ما يشوب هذه اللوحة: فالإجراءات من هذا النوع غير مقبولة في دولة “طبيعية” ترتكز على مبادئ جمهورية. لم تكن الديموقراطية الليبرالية يوماً مجرّد أداة لتنظيم العلاقات الطبقيّة، بل ظهرت أيضاً على أنّها وسيلة يحدّد من خلالها المواطنون هويّتهم. ويُفترض أن يؤمنوا بأنّ هذه الديموقراطية هي ملكهم وأنّ من خلالها يعبّرون مباشرةً عن سيادتهم. أدّى البعد النموذجي والتكاملي دوراً بارزاً في ظهور الدولة القومية الديموقراطية، على الرغم من الفجوة التي تفصل ما بين النماذج والوقائع.
تغيب عن عالمنا اليوم سياسات شبيهة بتلك التي تمارسها إسرائيل تجاه الأقلّيات التي لا تنتمي إلى الإثنية المسيطرة، إلا عن البلدان الشيوعية سابقاً من أوروبا الشرقية حيث يتمتّع اليمين القومي بحضور بارز، لا بل مهيمن.

روح القوانين
بحسب روح القوانين السائدة، لا تنتمي إسرائيل إلى مجموع المواطنين المقيمين فيها بقدر ما تنتمي إلى أشخاص غير إسرائيليين. وتظهر على أنّها الإرث الوطني “لليهود الجدد” من حول العالم (مثل بول وولفويتز، الرئيس السابق للبنك الدولي، أو مايكل ليفي، فاعل الخير البريطاني الشهير، أو دومينيك ستروس ـ كان، المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، أو فلاديمير غوسينسكي، الأوليغارشي الروسي المقيم في إسبانيا) أكثر ممّا هي عليه لعشرين في المئة من مواطنيها، وهم عرب وُلد أهلهم وأجدادهم وأهل أجدادهم على هذه الأرض. لذلك، يشعر بعضٌ من كبار الأثرياء اليهود في كل أنحاء العالم أنّ من حقّهم التدخّل في شؤون إسرائيل: فمن خلال الاستثمار الهائل في وسائل الإعلام وفي العملية السياسية، يؤثّرون أكثر فأكثر على الزعماء الإسرائيليين وتوجّهات البلاد.
نجد من بين “اليهود الجدد” أيضاً مثقّفين يعرفون أنّ دولة اليهود ملكٌ لهم. فأمثال برنار هنري – ليفي أو ألان ديرشويتز أو ألكساندر آدلر أو هوارد جايكوبسون أو هنريك برودر والعشرات غيرهم من مناصري الصهيونية الناشطين في مجالات عدّة من وسائل الإعلام الجماهيرية، لا يخطئون في ولاءاتهم السياسية: فالقُدس ملكُهم، على خلاف ما كانت تمثّل كلّ من موسكو للشيوعيين السابقين غير السوفياتيين، وبيجينغ للماويّين في الستينيات. ومن غير الضروري لهذه الغاية أن يعرف “اليهود الجدد” تاريخ هذه الأرض أو جغرافيتها، أو أن يتعلّموا إحدى لغتيها (العبرية أو العربية)، أو أن يعملوا فيها، أو أن يسدّدوا الضرائب والرسوم، أو ـ لا سمح الله ـ أن ينخرطوا في جيشها! جُلّ ما عليهم فعله زيارة إسرائيل لمدّة قصيرة ونيل بطاقة الهوية والحصول على إقامة مؤقّتة، قبل العودة إلى ثقافتهم الوطنية ولغتهم الأم، وامتلاك الدولة اليهودية إلى الأبد؛ يا لحظّ الذي يولد من أمٍّ يهودية!
أمّا السكّان العرب في إسرائيل، فحتّى إن تزوّجوا فلسطينية من الأراضي المحتلّة، لا يحقّ لهم اصطحابها إلى إسرائيل، خوفاً من أن تصبح مواطنة إسرائيلية ويرتفع بالتالي عدد السكّان غير اليهود في أرض الميعاد.
لمزيد من الوضوح: إذا جاء إسرائيل مهاجرٌ يهودي من روسيا أو الولايات المتحدة برفقة زوجته، تصبح هذه الأخيرة مواطنة إسرائيلية، ولا تُعتبر هي وأطفالها يهوداً إلا إذا اعتنقوا اليهوديّة بحسب القانون الديني. بعبارة أخرى، يتغلّب واقع ألّا يكون المرء عربيّاً في بلاد “اليهود الجدد” على واقع ألّا يكون يهوديّاً. لطالما تمّ التساهل أكثر مع المهاجرين “البيض” الذين أتوا من القارّة الأوروبية أو الأميركية، على الرغم من أنّهم ليسوا يهوداً. ومن أجل تخفيف الثقل الديموغرافي الذي يشكّله العرب، بدا من المستحسن زيادة عدد السكان غير اليهود من الأوروبيين البيض.
ومع ذلك، ليست الدولة اليهودية يهوديةً جدّاً! أن يكون المرء يهوديًّا في إسرائيل لا يعني بالضرورة أن يحترم الوصايا أو أن يؤمن بربّ اليهود. فلا ضير أن يلهو مثلاً بالمعتقدات البوذيّة، على غرار ديفيد بن غوريون، أو أن يأكل القريدس الرمادي على غرار أرييل شارون. ويمكنه ألّا يعتمر الكيبا، مثل غالبية زعماء إسرائيل وقادتها العسكريين. طبعاً، لا تعمل وسائل النقل أيّام السبت، ولكنّ استخدام السيارات الخاصّة مسموح. وقد يتبادل الناس الإهانات في ملاعب كرة القدم يوم الراحة المقدّس من دون أن يتجرّأ أي سياسيّ متديّن على الاحتجاج. حتّى في عيد الغفران، وهو اليوم الأكثر تقديساً في الديانة اليهودية، يستطيع أطفال إسرائيل اللهو على درّاجاتهم الهوائية في كلّ ساحات المدينة. حتّى انّ التظاهرات المعادية لليهود مشروعة في دولة “اليهود” شرط ألّا ينظّمها العرب.
إذاً، ما معنى أن يكون المرء يهوديّا في دولة إسرائيل؟ يعني أن يكون مواطناً محظوظاً يتمتّع بامتيازات مرفوضة لغير اليهود، ولا سيّما العرب منهم. إن كان المرء يهوديّا، يمكنه أن يتماهى مع الدولة التي ترى نفسها انعكاس الجوهر اليهوديّ. إن كان يهوديّا، يمكنه أن يشتري قطعاً من الأرض لا يحقّ لمواطن غير يهودي الحصول عليها. إن كان يهوديّا، وحتى إن لم يفكّر في المكوث في إسرائيل سوى لفترة مؤقّتة، وحتى إن لم يُتقن اللغة العبرية، يمكنه أن يصبح حاكم المصرف المركزي الإسرائيلي الذي لا يوظّف أيّ مواطن إسرائيلي عربي. إن كان يهوديّا، يمكنه أن يكون وزير الشؤون الخارجية وأن يعيش بصفة دائمة في إحدى المستوطنات الواقعة خارج الحدود القانونية لإسرائيل، بجوار الفلسطينيين المجرَّدين من كل حقوقهم المدنية والمحرومين السيادة على أنفسهم. إن كان المرء يهوديّا، يمكنه أن ينشئ مستوطنات على أراضٍ ليست ملكه، وأن يجول أيضاً في يهودا والسامرة وعلى الطرق الملتفّة، حيث لا يحقّ للسكان المحليين التجوال بحرّية، وهم في داخل وطنهم. إن كان يهوديّا، فلن يقف على الحواجز، ولن يتعرّض للتعذيب، ولن يفتّش أحدٌ منزله في ساعات الليل المتأخّرة، ولن يُقتل برصاصة طائشة، ولن يشاهد تدمير منزله سهواً… فكلّ هذه الأفعال التي تتراكم منذ حوالى نصف قرن خلا مخصَّصة لاستهداف العرب لا غير.
ألا يتطابق وضع اليهوديّ في دولة إسرائيل في مطلع القرن الحادي والعشرين مع البيض جنوب الولايات المتحدة في الخمسينيات أو مع الفرنسيّين في الجزائر قبل العام 1962؟ ألا يشبه وضع اليهودي في إسرائيل وضع الأفريكان (المستوطنين الأوروبيين) في جنوب أفريقيا قبل العام 1994؟
كيف يستطيع شخصٌ ليس مؤمناً متديّناً، بل إنسانوي ديموقراطي أو ليبرالي يتمتّع بحدٍّ أدنى من النزاهة، أن يستمرّ بالتعريف عن نفسه على أنّه يهودي؟ هل يرضى المتحدّر من اليهود المضطهدين أن يندرج ضمن قبيلة اليهود العلمانيين الجدد الذين ينظرون إلى إسرائيل وكأنّها ملكٌ حصريّ لهم؟ ألا يشكّل إعلان المرء أنّه يهودي في إسرائيل فعلَ انتماء إلى طبقة متميّزة تعيث حولها ظلماً لا يُحتمل؟
وما معنى أن يكون المرء يهوديّا علمانيّا خارج إسرائيل؟ هل من شرعيّة أخلاقيّة بعد في العام 2013 للموقف الذي اتخذه جوليان تويم في العام 1944، أو للموقف الذي اتخذه والداي اللذان هاما كلاجئين في أوروبا؟

يئير اورون، الكارثة، النهضة والنكبة، تل أبيب: ريسلينغ، 2013

Leave a comment

مراجعة: د. محمود محارب
رفضت الرواية التاريخية الرسمية الإسرائيلية للصراع العربي – الإسرائيلي ولحرب عام 1948 الاعتراف بجريمة قيام المنظمات العسكرية الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي بطرد الشعب العربي الفلسطيني من وطنه، وادعت أن العرب الفلسطينيين غادروا فلسطين بمحض إرادتهم. واتخذت السلطات الإسرائيلية في سياق تعزيزها لروايتها الرسمية، لا سيما في العقود الأولى لتأسيس إسرائيل، إجراءات قانونية وإدارية أبقت من خلالها على محاضر اجتماعات الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي وجميع المؤسسات الإسرائيلية الأخرى ذات الصلة بطرد الفلسطينيين وارتكاب المجازر بحقهم مغلقة في الأرشيفات الإسرائيلية. وقد كشف تحقيق مهم نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 18 – 5 – 2013، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية ومؤسس إسرائيل دافيد بن غوريون لم يكتف بالدعاية الاعلامية الإسرائيلية التي روجت إلى أكذوبة مغادرة الفلسطينيين وطنهم عام 1948 بمحض إرادتهم، وإنما طلب من معهد شيلواح في عام 1961، على إثر ضغط الرئيس الأميركي جون كنيدي على إسرائيل بقبول عودة جزء من اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، القيام بفبركة “أبحاث أكاديمية” التي تثبت أن:
” أ- قيادات عربية في فلسطين وخارجها وهيئات عربية وفلسطينية شجعت العرب الفلسطينيين على الفرار من فلسطين في حرب عام 1948″.
“ب – الجيوش العربية والمتطوعون العرب ساعدوا الفلسطينيين في الهروب، سواء كان ذلك بإخلائها قرى عربية أو بعلاقاتها السيئة مع الفلسطينيين”.
“ج – الجيش البريطاني ساعد العرب الفلسطينيين في الهرب في العديد من الأماكن”.
“د – مؤسسات ومنظمات يهودية بذلت جهدا لمنع الهروب”1.
وقد استجاب معهد شيلواح لطلب بن غوريون وكلف مجموعة من الباحثين الإسرائيليين القيام بما طلبه بن غوريون بدقة. وكان معهد شيلواح ملائما جدا لتنفيذ ما أراده بن غوريون، فقد أسسته وزارتا الدفاع والخارجية الإسرائيلية بالتعاون مع الجامعة العبرية وعمل به المستشرقون الإسرائيليون الذين كانوا يخدمون أو سبق لهم أن خدموا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وعند تأسيسه في عام 1959 رأسه الرائد في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يتسحاق أورون، وظل هذا المعهد تابعا للجامعة العبرية إلى أن انتقل في عام 1965 لجامعة تل أبيب.
بعد عدة عقود على النكبة ظهرت في إسرائيل بعض الكتب والأبحاث التي اختلفت مع الرواية الرسمية الإسرائيلية بشأن حرب 1948 وبدأت تنتقدها وتكشف شيئا فشيئا تفاصيل عن حرب 1948 التي تتناقض مع الرواية التاريخية الإسرائيلية. ويساهم كتاب الكارثة والنهضة والنكبة في تعزيز هذا النقد للرواية التاريخية الإسرائيلية ويدعو إلى اعتراف إسرائيل بالنكبة التي الحقتها بالشعب الفلسطيني.
يتكون كتاب الكارثة والنهضة والنكبة الذي صدر باللغة العبرية في عام 2013 وجاء في 374 صفحة، من مقدمة ومدخل وأحد عشر فصلا وخاتمة وملحقين. مؤلف الكتاب هو يئير أورون استاذ التاريخ في الجامعة المفتوحة في إسرائيل، وصدر له 20 كتابا اختص قسم منها في حروب الإبادة. عالجت فصول هذا الكتاب: البحث التاريخي الإسرائيلي لحرب 1948، أطراف الصراع في الحرب، اللقاء بين الناجين من الكارثة مع الييشوف اليهودي، الموقف الصهيوني من العرب منذ ظهور الصهيونية وحتى حرب 1948، حضور الكارثة في النكبة، تأثير الكارثة على موقف المقاتلين اليهود من العرب في حرب 1948، المجازر في حرب 1948، النقاش بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين خلال وبعد حرب 1948، الأوراق الحربية: من أبواب فيلنا إلى مدخل اشدود، روايات الحرب ليزهار سميلانسكي، العرب والألمان والكارثة، أخلاق الحرب – نظرة مقارنة.
سعى المؤلف في كتابه إلى تقديم قراءة جديد لما أطلق عليه ثالوث الكارثة والنهضة والنكبة كمواضيع مرتبطة مع بعضها البعض. لم يبحث الكتاب الكارثة أو المحرقة اليهودية، وإنما تمحور في دراسة تأثير الكارثة على الييشوف اليهودي في فلسطين وعلى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لا سيما على حرب 1948. واستند المؤلف إلى مجمل الكتابات التاريخية الإسرائيلية التي عالجت حرب 1948 وإلى الأدب العبري الإسرائيلي الذي انعكست فيه حرب 1948.
أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن إسرائيل بلورت رواية تاريخية وأساطير تأسيسية عن حرب 1948 المرتبطة بالكارثة وبالنهضة، أي بتأسيس إسرائيل. وأبرزت الرواية التاريخية والأساطير الإسرائيلية بطولة الييشسوف اليهودي في فلسطين وكيف انتصرت الأقلية على الأكثرية وتجاهلت “الثقوب السوداء” الكثيرة التي رفضت ولا تزال الرواية التاريخية الإسرائيلية رؤيتها. واعتبر المؤلف أن البحث عن الحقيقة يستوجب رؤية هذه “الثقوب السوداء”، لأنه من غير الممكن الحياة في خداع ذاتي مستمر، ولأن مواجهة الحقيقة و”الثقوب السوداء”، مهما بلغت صعوبتها، تشكل شرطا ضروريا للصحة النفسية الفردية والجماعية،( ص.17). وأشار المؤلف إلى أن إسرائيل وروايتها التاريخية ما زالت ، رغم مرور أكثر من ستة عقود ونيف على النكبة، تتنكر للحقائق التاريخية وتسن قوانين التي تهدف إلى محو ذكرى النكبة، وتحاول منع إجراء أي حوار بين روايتها التاريخية والرواية التاريخية الفلسطينية وتعمل على استمرار فرض وهيمنة روايتها هي، التي تتنكر لمجرد حدوث النكبة. فلا زالت إسرائيل تتنكر إلى أنها طردت الفلسطينيين من أكثر من 532 مدينة وقرية، وأنها قامت بتدمير معظمها الساحق وبتأسيس على أنقاضها كيبوتسات وبلدات ومدن يهودية، وبتوطين مهاجرين يهود في بيوت القرى والمدن الفلسطينية التي أبقت عليها.
عالج المؤلف في الفصل الخامس تأثير الكارثة على الييشوف اليهودي وعلى موقف المقاتلين اليهود تجاه العرب الفلسطينيين في حرب 1948. ذكر المؤلف أن بن غوريون أدرك مدى تأثير الكارثة على الييشوف اليهودي في فلسطين وعلى السعي لإقامة الدولة اليهودية فيها. فمن ناحية قلص قتل ملايين اليهود بشكل كبير جدا من أعداد اليهود الذين قد يهاجرون إلى فلسطين، ولكن أدرك بن غوريون من ناحية أخرى أن العالم الذي اهتز عندما رأى حجم فظائع الكارثة، سيقف إلى جانب الييشوف اليهودي لتحقيق أهدافه. أكد المؤلف أن الكارثة احتلت مكانا مهما في فكر بن غوريون السياسي وفي كيفية استغلالها واستثماها لتحقيق أهداف الصهيونية. فقد استوعب بن غوريون وفق ما ذكره المؤلف الإمكانات العظيمة الكامنة في الكارثة ليس فقط لجهة تأثيرها على العالم في دعم أهداف الصهيونية وتأثيرها على اليهود الناجين من الكارثة في الهجرة إلى فلسطين، وإنما أيضا في تأثيرها على الييشوف اليهودي في تحذيره وإنذاره وشحذ هممه وتعزيز محفزاته للقتال في الحرب ضد الفلسطينيين والعرب لتجنب وقوع كارثة جديدة. فقد أكد بن غوريون مرارا في سياق تعبئته لليشوف ولليهود في العالم “علينا عدم القول أن ما حدث في أوروبا لستة ملايين يهودي لا يمكن أن يحدث ل 650 ألف يهودي في فلسطين… فقد يحدث في فلسطين ما حدث في إوروبا… إذا لم نستعد بجدية ومن دون تسويف”،(ص. 108). استخلص المؤلف أن استعمال بن غوريون للكارثة أثر تأثيرا كبيرا على قيادة الييشوف اليهودي وأفراده وقواته المسلحة، وساهمت ضمن عوامل أخرى في أن يعتبر الييشوف، قيادة ومجتمع، أنه يخوض صراع وجود فإما النصر على الفلسطينيين والعرب أو الموت، فما ينتظر الييشوف في حال هزيمته سيكون شبيه بالكارثة التي لحقت بيهود أوروبا.
أشار المؤلف إلى أن قيادة المنظمة العسكرية “الهاجاناه” وضعت خطة “دالت” موضع التنفيذ عند اشتداد المعارك بين الييشوف والفلسطينيين في آذار 1948، والتي تضمنت طرد العرب الفلسطينيين من المناطق التي ستقام عليها الدولة اليهودية في فلسطين. وأفرد المؤلف مساحة واسعة في توجيه النقد لليسار الصهيوني وخاصة إلى حزب مبام وأتباعه في كيبوتسات “هاشومير هاتسعير” الذين كما أكد المؤلف كانوا الأكثر ضغطا ومناداة ومبادرة لطرد العرب الفلسطينيين من قراهم ومدنهم. وأشار المؤلف إلى أن حزب مبام الصهيوني اليساري قد غير، عمليا وإن لم يكن رسميا، خلال حرب 1948 مطلبه الأساسي الذي كان يدعو للتعايش بين العرب واليهود، واستبدله بمطلب طرد العرب الفلسطينيين من قراهم ومدنهم. ولم يكتف مثلا كيبوتس مشمار هاعيمق بمطالبة بن غوريون في الثامن من نيسان/ إبريل 1948 بطرد العرب من المنطقة، وإنما طالب أيضا بحرقها،(ص. 113).
أشار المؤلف إلى أن بن غوريون أدرك التحول في موقف حزب مبام وكيبوتساته ورحب به، فقد قال بن غوريون في 24 تموز/ يوليو 1948 إن قيادة حزب مبام، ذلك الحزب الذي كان برنامجه يدعو إلى الأخوة اليهودية – العربية، أدركت عقم شعار الأخوة اليهودية – العربية وأنها “رأت أنه يوجد طريق واحد فقط وهو طرد سكان القرى العربية وحرقها، وقد نفذوا ذلك”، (ص. 114). علاوة على ذلك، مارس حزب مبام والكيبوتسات التابعة له في الجليل الغربي، الذي كان تابعا للدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين/ الثاني نوفمبر1947، ضغطا كبيرا على قيادة الدولة السياسية والعسكرية، وفق ما ذكره المؤلف، لاحتلال القرى والبلدات العربية في الجليل الغربي وطرد سكانها العرب منها.
جرائم إسرائيلية شبيهة بجرائم النازية
أوضح المؤلف أن الكارثة اليهودية أثرت على القيم والأخلاق القتالية للمقاتلين الإسرائيليين، بما في ذلك الناجين اليهود من الكارثة والذين هاجروا إلى إسرائيل وانضموا للجيش الإسرائيلي، فباتوا أكثر قسوة وأشد إجراما، (ص. 117). وأعطى المؤلف الكثير من الأمثلة عن الفظائع والعمليات الإجرامية والقتل بدم بارد وقتل الأسرى وهم مكتوفي الأيدي واغتصاب النساء التي قام بها الجيش الإسرائيلي والمنظمات العسكرية الإسرائيلية ضد العرب الفلسطينيين. ومن تلك الأمثلة ما ارتكبه الجيش الإسرائيلي من جرائم عند احتلال قرية الصفصاف الجليلية. فقد ذكر أحد الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في احتلال الصفصاف أن قرية الصفصاف “رفعت الأعلام البيضاء عند احتلال الجيش الإسرائيلي القرية، وجمع الجيش الرجال على حدة والنساء على حدة، وربط أفراد الجيش أيدي خمسين – ستين فلاحا ثم أطلقوا النار عليهم وقتلوهم جميعا ثم دفنوهم في حفرة واحدة. ثم اغتصبوا عددا من النساء”. وأضاف، أنه رأى “عددا من النساء مقتولات بالقرب من الغابة وكانت بينهن إمرأة مقتولة تمسك في حضنها طفلها المقتول أيضا”،(ص. 118). وعندما احتل الجيش الإسرائيلي قرية عيلبون في الجليل، أمر سكانها بمغادرتها. وعندما احتج البعض من سكان القرية وقالوا إن طردهم من القرية يتناقض مع المنشورات التي ألقاها الجيش الإسرائيلي عليهم، أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم وقتل ثلاثين فلسطينيا مدنيا بدم بارد. ولتدليل على مستوى الإجرام الذي وصله الجيش الإسرائيلي في حرب 1948 اقتبس المؤلف ما كتبه يوسف نحماني في مذكراته (الموجودة في أرشيف كفار جلعادي، والتي جرى حذفها عندما نشر يوسف فايتس هذه المذكرات عام 1969 في كتاب حمل اسم: يوسف نحماني رجل الجليل) والتي قارن فيها بين جرائم الجيش الإسرائيلي وجرائم النازيين في وصفه احتلال قرية الصالحة التي استسلمت ورفعت الأعلام البيضاء، فقد كتب يوسف نحماني في مذكراته: “قام الجيش الإسرائيلي بذبح العرب فعلا بالسكاكين. لقد ذبحوا 60 – 70 رجلا وإمرأة. من أين أتوا بهذه القسوة مثل النازيين؟ لقد تعلموا منهم. قال لي أحد الضباط لقد برز في الأعمال الإجرامية أولئك الجنود الذين جاءوا من المعسكرات[ النازية]”،(ص. 118).
المجازر في حرب 1948
أشار المؤلف إلى أن عدد المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي والمنظمات العسكرية الإسرائيلية كان أكثر مما توقعه وأشد قسوة مما كان يعتقد قبل بحثة هذا الموضوع. وضح المؤلف أن ارتكاب الجيش الإسرائيلي للجرائم والمجازر وقتل المدنيين وقتل الأسرى والاغتصاب والسطو على ممتلكات الفلسطينيين كانت أمرا روتينيا في حرب 1948. واستند المؤلف في عرضه وتحليله للمجازر وعمليات الاغتصاب التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية إلى الكثير من الكتب والدراسات الإسرائيلية التي كتبها باحثون ومؤرخون إسرائيليون، لا سيما بيني موريس وإيلان بابه ويوآف غيلبر. وأشار المؤلف إلى أن غالبية الدراسات والكتب التي ألفها باحثون إسرائيليون التي عالجت المجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية، تجنبت كشف كل الحقيقة ودأب قسمها الأعظم على طمس الحقيقة أو إنكار حدوثها. وقد تمشى ذلك مع سياسة المؤسسة الإسرائيلية والرقابة العسكرية التي عملت على إخفاء الحقائق في كل ما يتعلق بجرائم الحرب والمجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية في حرب 1948. وأشار المؤلف إلى أن جزءا كبيرا من محاضر جلسات الحكومة الإسرائيلية في الفترة الممتدة من أيار/مايو 1948 إلى آذار/ مارس 1949 لا زالت مغلقة، لا سيما تلك المحاضر التي عالجت طرد العرب، تدمير القرى العربية، المجازر، عمليات الاغتصاب، عمليات السطو على الممتلكات العربية ونهبها. واستخلص المؤلف إن كل ذلك يقود إلى الافتراض أن “عمليات طرد العرب، تدمير قرى عربية، أعمال السطو والنهب، الاغتصاب والقتل التي اقترفتها قوات الهاجاناه والجيش الإسرائيلي كان أكثر بكثير عما نعرفه حتى الآن”، (ص.176). والدليل على ذلك كما ذكر المؤلف هو ظهور حقائق جديدة في السنوات الأخيرة بين الفينة والأخرى عن الجرائم والمجازر والاغتصاب التى ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في حرب 1948.
خصص المؤلف مساحة واسعة من فصل المجازر في حرب 1948 (ص.129 – 179) في وصف وتحليل أبرز المجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين وهي مجازر: الطنطورة ودير ياسين واللد وعين زيتون. وقد عرض المؤلف المصادر الإسرائيلية التي عالجت هذه المجازر وبحث عدد الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا فيها ووصف كيفية حدوثها وكيفية قتل القوات العسكرية الإسرائيلية بدم بارد المدنيين الفلسطينيين أطفالا ونساء ورجالا، وعرض مذكرات وشهادات إسرائيليين الذين شاهدوا هذه المجازر. ووضح المؤلف الدور البارز لقوات “البلماح” (كتائب الانقضاض) التي انتمت الغالبية العظمة من قيادتها وضباطها وجنودها إلى اليسار الصهيوني، في ارتكاب معظم هذه المجازر مثل مجزرتي اللد وعين الزيتون وغيرها الكثير. واستعرض المؤلف مجزرة عين الزيتون التي كشف النقاب عنها في عام 1985. فذكر المؤلف أنه في سياق احتلال القوات الإسرائيلية للجليل الشرقي احتلت قوات “البلماح” في بداية أيار/مايو 1948 قرية عين الزيتون الواقعة بالقرب من صفد ودمرتها وأسرت حوالي 100 عربي وقامت بربط أيديهم وأرجلهم وأبقتهم في الوادي بالقرب من القرية، وبعد مرور يومين قامت “البلماح” بقتل جميع هؤلاء الأسرى وهم مكتوفي الأيدي والأرجل، (ص.170). فالقوات العسكرية الإسرائيلية ، كما ذكر المؤلف، لم تكن تبقي الأسرى على قيد الحياة، فقتل الأسرى العرب كان أمرا عاديا وروتينيا حتى تلك الفترة من الحرب.
عبر المؤلف عن اعتقاده أنه لم يتم الكشف حتى الآن عن جميع المجازر والجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في حرب عام 1948. ونقل المؤلف عن الباحث الإسرائيلي دان ياهف تأكيده أنه كان معروفا حتى عام 2002 حدوث عشرين مجزرة بحق الفلسطينيين، وبعد ذلك بسنوات قليلة كشف النقاب عن ثماني مجازر جديدة التي لم تكن معروفة من قبل. وذكر المؤلف أن المدير السابق لأرشيف الجيش الإسرائيلي أرييه يتسحاقي أكد أن القوات العسكرية الإسرائيلية ارتكبت عشر مجازر كبيرة التي ذهب ضحيتها أكثر من 50 فلسطيني في كل مجزرة منها، ومئة مجزرة صغيرة التي قتل في كل مجزرة منها أقل من 50 فلسطينيا،(ص.313).
اغتصاب النساء الفلسطينيات
أفرد المؤلف حيزا في كتابه لبحث ظاهرة اغتصاب جنود وضباط من الجيش الإسرائيلي نساء وفتيات فلسطينيات في حرب 1948. أشار المؤلف استنادا إلى مؤرخين إسرائيليين، لا سيما بيني مورس، إلى جرائم اغتصاب ارتكبها جنود وضباط إسرائيليون في 12 مدينة وقرية فلسطينية على الأقل خلال حرب 1948. وقد كان الجنود والضباط الذين ارتكبوا هذه الجرائم من خلفيات مختلفة، فبعضهم كان من الناجين من معسكرات الاعتقال النازي وبعضهم الآخر كان من الييشوف اليهودي في فلسطين. وكان نمط الاغتصاب يتكرر مرة تلو الأخرى، إذ تقوم مجموعة من الضباط والجنود الإسرائيليون باغتصاب عددا من النساء أو الفتيات الفلسطينيات عند احتلال القرية أو المدينة ثم يقومون بقتلهن. ويرى المؤلف أنه لم يتم حتى الآن الكشف عن مجمل جرائم اغتصاب النساء الفلسطينيات التي ارتكبها جنود وضباط من الجيش الإسرائيلي في حرب 1948، لأن الملفات التي عالجت هذه الظاهرة لا زالت مغلقة حتى الآن رغم مرور ستة عقود ونيف على هذه الجرائم.
عرض المؤلف بالتفصيل جريمة اغتصاب عشرات الضباط والجنود في الجيش الإسرائيلي لفتاة عربية فلسطينية من النفب والتي تم كشف النقاب عنها في عام 2005. وتدل هذه الجريمة على القيم والممارسات التي كانت سائدة في الجيش الإسرائيلي خلال حرب عام 1948 تجاه هذه المسألة. ذكر المؤلف أن قوات الجيش الإسرائيلي كانت بعد احتلالها لمنطقة النقب في جنوب فلسطين تقوم بعمليات قتل وتطهير عرقي ضد العرب الفلسطينيين في النقب، بناء على أوامر شفوية في البداية ومن ثم أوامر مكتوبة من قيادة الجيش الإسرائيلي،(ص.134). وذكر المؤلف أنه في 12 آب/ أغسطس 1949 صادفت وحدة آلية من الجيش الإسرائيلي عربيا فأطلقت النار عليه وأردته قتيلا. وبعد ذلك بقليل صادفت نفس الوحدة العسكرية رجلين عربيين وفتاة عربية، فأرغمت الرجلين على الفرار واعتقلت الفتاة العربية التي لم يتجاوز عمرها 15 عاما. وأثناء عودتها إلى قاعدتها العسكرية، مرت هذه الوحدة العسكرية بقطيع من الجمال تابعا للعرب يزيد عددها عن 60 جملا فأطلقت النار عليها وقتلتها. وعند وصول الوحدة العسكرية إلى قاعدتها في “نيريم” في النقب جرد جنود من الجيش الإسرائيلي الفتاة العربية من جميع ملابسها، وأحرقوا الملابس، ثم غسلوا الفتاة وقصوا شعرها، وجرى كل ذلك أمام عشرات الضباط والجنود الموجودين في القاعدة العسكرية. وبعد ذلك، أمر قائد القاعدة العسكرية بجعل الفتاة العربية “جارية جنس” لجنود وضباط القاعدة. وفعلا اغتصبها عشرات الضباط والجنود. وبعد أن أشبعوا غرائزهم الوحشية أمر قائد القاعدة بنقل الفتاة العربية بسيارة إلى بعد 500 متر وقتلها ودفنها هناك، فقام عدد من الجنود بوضع الفتاة في السيارة وهي عارية وساروا بها مسافة معينة وقاموا بقتلها ودفنها، (ص.134 – 135).
أكد المؤلف في خاتمة كتابه أن جنودا وضباطا في الجيش الإسرائيلي ارتكبوا مجازر وفظائع في حرب 1948 ضد الفلسطينيين وأنه لم يقدم أحد منهم للمحاكمة، وأن القوات الإسرائيلية المسلحة قامت بعمليات تطهير عرقي في مناطق مختلفة من فلسطين المخصصة لقيام الدولة اليهودية، وأن طرد الفلسطينيين وعمليات التطهير العرقي جرت وفق سياسة واستراتيجية الحكومة الإسرائيلية.

1 – شاي حزقني، “البحث الذي كان من المفترض أن يثبت أن العرب هربوا في 1948″، هآرتس، 18 – 5 – 2013.
http://www.haaretz.co.il/magazine/.premium-1.2021786

لماذا أصبح تكوين رأس المال يمثل لغزا كبيرا ؟ ولماذا لم تشرح دول العالم الغنية لغيرها من الدول أن نظام الملكية الرسمى لا غنى عنه لتكوين رأس المال ؟

Leave a comment


اقتبست هذه المقالة من الفصل الثالث من كتاب هيرناندو دى سوتو، ” لغز رأس المال : لماذا تنتصر الرأسمالية فى الغرب وتفشل فى أماكن أخرى “. (
New York : Basic Books and London : Bantam Press/Random House 2000).

هيرناندو دى سوتو يعمل رئيسا لمعهد الحرية والديمقراطية (ليما)، وهو مستشار اقتصادى وسياسى سابق لرئيس بيرو، وهو مؤلف كتاب ” الدرب الآخر : الثورة غير المنظورة فى العالم الثالث (القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر،
________________________________________

تجول فى معظم الطرق فى الشرق الأوسط، أو الاتحاد السوفياتى السابق، أو أمريكا اللاتينية وسترى أشياء كثيرة : هناك بيوت تستخدم كمأوى، وقطع من الأراضى يجرى حرثها وزرعها وحصادها؛ وسلع يجرى شراؤها وبيعها. والأصول فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة تخدم فى الأساس هذه الأغراض المادية العاجلة. غير أن نفس الأصول تحقق أيضا، فى الغرب، حياة موازية : كرأسمال خارج العالم المادى. إذ يمكن أن تستخدم لتحقيق إنتاج أكبر عن طريق كفالة مصالح الأطراف الأخرى ” كضمان ” للرهن العقارى مثلا، أو من خلال توفير أشكال أخرى من الائتمان والمرافق العامة.
لماذا لا تستطيع المبانى والأراضى فى أنحاء العالم الأخرى أن تحقق هذه الحياة الموازية ؟ ولماذا لا تستطيع الموارد الضخمة فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة، التى يقدرها معهد الحرية والديمقراطية ( ليما )، بمبلغ 3ر9 تريليون دولار، كرأس مال غير منتج، أن تنتج قيمة تزيد على قيمة حالتها ” الطبيعية ” ؟ وجوابى على ذلك هو أن وجود رأس المال غير المنتج يرجع إلى أننا نسينا ( أو ربما لأننا لم ندرك فى أى وقت ) أن تحويل أصول مادية لتوليد رأس المال ـ كاستخدام منزلك لاقتراض نقود أو تمويل مشروع ـ يتطلب عملية شديدة التعقيد. وهى تختلف كثيرا عن العملية التى علمنا إياها ألبرت اينشتاين ومؤداها أن قرميدة واحدة يمكن استخدامها لإطلاق كمية ضخمة من الطاقة فى شكل انفجار ذرى. وبالمثل فإن رأس المال هو نتاج اكتشاف وإطلاق طاقة محتملة ناتجة عن تريليونات القرميدات التى راكمها الفقراء فى مبانيهم.

إيماءات من الماضى
يتعين علينا، لحل لغز رأس المال، الرجوع إلى المعنى الذى تطور للكلمة. ويبدو أن كلمة ” رأس المال ” كانت تعنى فى لاتينية القرون الوسطى رؤوس الماشية أو غيرها من أشكال الثروة الحيوانية، التى كانت دائما مصادر مهمة للثروة بغض النظر عما تنتجه من لحوم وألبان وجلود وصوف ووقود. وتستطيع الماشية أيضا أن تتوالد. ولذا فإن لفظ ” رأس المال ” يبدأ فى تحقيق عملين فى وقت واحد، وهما أن يعكس البعد المادى للأصول ( الثروة الحيوانية ) وكذلك إمكاناتها فى توليد فائض القيمة. ولم تكن هناك سوى خطوة قصيرة بين مخازن الحبوب وبين مكاتب مخترعى علوم الاقتصاد الذين قاموا بتعريف ” رأس المال ” بوجه عام بأنه جزء من الأصول التى تعطى فائض الانتاج، وتزيد الإنتاجية؟
وكان فى يقين كبار الاقتصاديين التقليديين مثل آدم سميث، وبعد ذلك كارل ماركس، أن رأس المال يعتبر القاطرة التى توفر القوة المحركة لاقتصاد السوق. وقد أكد سميث فى كتابه ” ثروة الأمم ” نقطة تكمن فى لب اللغز الذى نحاول حله، ومؤداها أنه لكى تصبح الأصول المتراكمة رأسمالا نشيطا تعطى دفعة لتحقيق فائض الانتاج، فإنه يجب تثبيتها وتجسيدها فى موضوع خاص ” يستمر لبعض الوقت على الأقل بعد انتهاء العمل، وهذا يعنى كمية معينة من العمل المختزن المزمع استخدامها، إذا دعت الضرورة، فى فرصة أخرى “. وما أفهمه من عبارة سميث هو أن رأس المال ليس الرصيد المتراكم من الأصول ولكن ما ينطوى عليه من إمكانيات لنشر إنتاج جديد. وهذه الإمكانات تجريدية بالطبع، إذ يجب تجهيزها وإعدادها فى شكل ملموس قبل أن نستطيع إطلاقها ـ مثل إمكانات الطاقة الذرية فى قطعة القرميد التى أشار إليها أينشتاين.
وقد ضاع هذا المعنى الجوهرى لرأس المال عبر التاريخ. فمعنى رأس المال اختلط الآن بالنقود، التى لم تعد واحد فقط من الأشكال التى يتحرك فيها رأس المال، ومن الأيسر دائما تذكر مفهوم صعب فى أحد مظاهره الملموسة عن تذكر جوهره. والذهن يتجه نحو معنى ” النقود ” بشكل أيسر مما يتجه نحو معنى ” رأس المال “. ولكن من الخطـأ افتراض أن النقود هى التى تحدد رأس المال فى النهاية. فالنقود تيسر عقد الصفقات وتتيح شراء الأشياء وبيعها، ولكنها ليست فى حد ذاتها مصدر الإنتاج الإضافى.

الطاقة الكامنة فى الأصول
ماذا يثبت إمكانات أحد الأصول بحيث يستطيع توفير إنتاج إضافى ؟ ما القيمة التى يمكن استخلاصها من منزل مثلا وتحديدها بطريقة تتيح لنا إدراك أنها تمثل رأس مال ؟
فى وسعنا أن نبدأ باكتشاف جواب على ذلك السؤال عن طريق استخدام مثال الطاقة السابق. دعنا نتصور بحيرة جبلية. إننا نستطيع أن نفكر فى هذه البحيرة فى محيطها المادى وننظر فى بعض منافعها الأولية، مثل التجديف فيها وصيد الأسماك. ولكن عندما نفكر فى هذه البحيرة ذاتها كما يفكر فيها المهندس من خلال التركيز على قدرتها فى توليد الطاقة الكهربائية بواسطة محطة كهرومائية، أى كقيمة مضافة تتجاوز الوضع الطبيعى للبحيرة كمسطح من المياه، فإننا نرى فجأة الإمكانات التى يحققها وضع البحيرة المرتفع. والتحدى الذى يواجهه المهندس هو اكتشاف الوسيلة التى يستطيع بها تحويل هذه الإمكانية إلى شكل يمكن استخدامه لتحقيق عمل إضافى.
إن رأس المال، مثل الطاقة، قيمة نائمة. وإيقاظها لن يكون بالنظر إليها على أنها مجرد موجودات ولكن بالتفكير فيها يمكن أن تصنعه. ويتطلب الأمر عملية لتحويل الإمكانات الاقتصادية للأصول إلى شكل يمكن استخدامه للحصول على إنتاج إضافى.
ورغم أن العملية التى تحول إمكانات الطاقة فى المياه إلى كهرباء معروفة جيدا، فإن العملية التى تعطى الأصول الشكل المطلوب لتحقيق المزيد من الإنتاج ليست معروفة. ويرجع هذا إلى أن العملية الأساسية لم يتم إعدادها بطريقة مدروسة لخلق رأس المال، ولكن من أجل غرض بسيط هو حماية الملكية. ومع نمو نظم الملكية فى الدول الغربية، فإنها تطورت ببطء وتضمنت آليات متنوعة توحدت بالتدريج فى شكل عملية تمخض عنها رأس المال بصورة لم تعرف من قبل.

عملية التحول الخفى فى الغرب
بدأ نظام الملكية الرسمى فى الغرب فى تحويل الأصول إلى رأس المال عن طريق توصيف وتنظيم أكثر النواحى المفيدة اقتصاديا واجتماعيا المتعلقة بالأصول، والحفاظ على هذه المعلومات فى نظام مسجل ـ مثل إدراجها فى دفتر الاستاذ المكتوب أو على شاشة الكمبيوتر ـ ثم تجسيدها فى سند الملكية. وتحكم كل هذه العملية مجموعة من القواعد القانونية الدقيقة والمفصلة. ومن ثم فإن سجلات الملكية الرسمية وسندات الملكية تمثل مفهومنا المشترك لما هو مهم اقتصاديا بشأن أية أصول. وهى تهيمن وتنظم كل المعلومات ذات الصلة والضرورية لإدراك القيمة الكامنة فى أية أصول مما يتيح لنا السيطرة عليها.
إن أية أصول لم يتم تحديد جوانبها الاقتصادية والاجتماعية فى نظام رسمى للملكية يصبح تداولها فى السوق صعبا للغاية. إذ كيف يمكن السيطرة على كميات ضخمة من الأصول التى يتغير مالكوها فى اقتصاد سوقى عصرى ؟ وبدون هذا النظام، فإن الاتجار فى أية أصول، ولو فى قطعة من عقار، يتطلب جهدا ضخما لمجرد تحديد القواعد الأساسية للصفقة. هل يملك البائع العقار وله الحق فى نقل ملكيته ؟ هل يستطيع أن يرهنه ؟ هل سوف يحظى المالك الجديد بالقبول من جانب من ينفذون حقوق الملكية ؟ ما الوسائل الفعالة لاستبعاد المدعين الآخرين لحقول الملكية ؟ هذا هو السبب فى أن تبادل معظم الأصول خارج بلدان الغرب مقصور على دوائر محلية من الشركاء التجاريين.
ومن الواضح أن المشكلة الرئيسية للبلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة ليست الافتقار إلى القدرة على تنظيم المشروعات : فالفقراء كدسوا ما تبلغ قيمته تريليونات الدولارات من العقارات خلال السنوات الأربعين الماضية، ولكن ما يفتقرون إليه هو تيسير الحصول على آليات الملكية التى يمكن أن ترسخ قانونا الإمكانات الاقتصادية لما يحوزونه من أصول بحيث يمكن استخدامها لإنتاج وتأمين وضمان قيمة أكبر لها فى السوق الواسعة.
لماذا أصبح تكوين رأس المال يشكل هذا اللغز ؟ لماذا لم تشرح الدول الغنية، السريعة فى تقديم مشورتها الاقتصادية، كيف أن الملكية الرسمية لا غنى عنها لتكوين رأس المال ؟ والجواب عن ذلك هو أن العملية داخل نظام الملكية الرسمى، التى تحول الأصول إلى رأسمال من الصعب جدا تصورها. وهى تتوارى خلف آلاف من بنود القوانين، واللوائح، والأنظمة والمؤسسات التى تحكم هذا النظام. أى شخص يقع فى شرك هذا المستنقع القانونى سيضطر إلى تصور كيف يعمل هذا النظام بالفعل. والطريقة الوحيدة لتصوره تكون من خارج النظام ـ من القطاع غير القانونى ـ الذى يمارس فيه زملائى وأنا معظم بحوثنا. وتنتج نظم الملكية الرسمية فى بلدان الغرب ستة آثار تتيح لمواطنيها توليد رأس المال.
(1) تثبيت الإمكانات الاقتصادية للأصول. إذ أن رأس المال يولد من خلال التسجيل كتابة ـ على شكل سند ملكية، أو ضمان، أو عقد، أو غير ذلك من الوثائق ـ لأكثر الصفات الاقتصادية والاجتماعية فائدة فى مواجهة النواحى اللافتة للنظر التى يمكن تصورها للأصول. وهذا ما يتم توصيفه وتسجيله فى البداية بشأن القيمة الكامنة. وفى اللحظة التى تركز فيها انتباهك على سند ملكية منزل ما مثلا وليس على المنزل ذاته، فإنك تكون قد خطوت تلقائيا من العالم المادى إلى العالم الفكرى حيث يعيش رأس المال.
والدليل الذى يثبت أن الملكية الرسمية هى مفهوم صرف يأتى حين يتغير ملاك المنزل : حيث لن يكون هناك تغيير مادى، فالملكية ليست هى المنزل ذاته وإنما هى فكرة اقتصادية بشأن المنزل، تتجسد فى تمثيل قانونى لا يصف صفاته المادية ولكن يصف بالأحرى الصفات الاقتصادية والاجتماعية التى نعزوها نحن كبشر إلى المنزل ( إمكانية استخدامه لأغراض متعددة لتوفير الأموال ـ من أجل استثماره مثلا فى مجال الأعمال دون الحاجة إلى بيعه ـ ليكون بمثابة ضمان للمقرضين فى شكل توقيع الحجز عليه أو الرهن أو حق الارتفاق أو غير ذلك من العقود ). وفى الدول المتقدمة يعمل هذا التمثيل الرسمى للملكية كضمان لمصالح الأطراف الأخرى وتحقيق الخضوع للمساءلة عن طريق توفير كل المعلومات، والمراجع، والقواعد، وآليات التنفيذ اللازمة لتحقيق ذلك.
ولذا فإن الملكية القانونية أعطت لبلدان الغرب الأدوات اللازمة لإنتاج فائض القيمة علاوة على أصولها المادية. وسواء أراد أى شخص ذلك أو لم يرد، فإن نظام الملكية القانونى أصبح بمثابة الدرج الذى صعدت عليه هذه البلدان من عالم الأصول فى وضعها المادى إلى العالم الفكرى لرأس المال حيث يمكن النظر إلى الأصول بكل إمكاناتها الإنتاجية.
(2) إدماج المعلومات المتفرقة فى نظام موحد. يرجع سبب انتصار الرأسمالية فى الغرب وانتشارها فى باقى أنحاء العالم إلى إدماج معظم الأصول فى بلدان الغرب فى نظام تمثيلى رسمى واحد. ولم يتم هذا الإدماج عرضا. فخلال عشرات السنين فى القرن التاسع عشر قام سياسيون ومشروعون وقضاة بتجميع الحقائق والقواعد المبعثرة التى كانت تحكم الملكية فى المدن والقرى والمبانى والحقول وإدماجها فى نظام واحد. وأتاح هذا الإدماج لعناصر الملكية، وهو ما يمثل مرحلة ثورية فى تاريخ البلدان المتقدمة، وضع كل المعلومات والقواعد التى تحكم الثروة المتراكمة لمواطنيها فى قاعدة واحدة للمعرفة. وقبل هذه الفترة كان من المتعذر للغاية الحصول على معلومات. وكانت كل مزرعة أو مستوطنة تقوم بتسجيل أصولها وقواعدها التى تحكمها فى دفاتر استاذ بدائية أو فى شكل رموز أو شهادات شفوية. ولكن المعلومات كانت متناثرة ومتفرقة ولم تكن متاحة لأى عميل فى أى وقت معين.
ولم تنشئ البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة نظما موحدة للملكية الرسمية. وفى كل البلدان التى دارت بحوثى حولها لم أجد أى نظام قانونى واحد، بل وجدت عشرات ومئات النظم التى تمارسها كل أنواع المنظمات، بعضها قانونى والبعض الآخر غير قانونى، وتتراوح بين جماعات صغيرة تقوم بتنظيم المشروعات ومنظمات ضخمة تتولى أعمال الإسكان. ومن ثم فإن ما يستطيعه الناس فى هذه البلدان تجاه ممتلكاتهم كان محدودا بتصور مالكيها ومعارفهم. أما فى البلدان الغربية، حيث يتم معايرة المعلومات وتصبح متاحة للجميع، فإن ما يستطيع الملاك عمله بما لديهم من أصول يستفيد من تصور جماعى لشبكة واسعة من الناس.
ومما قد يثير الدهشة لدى القارئ الغربى أن معظم بلدان العالم لم تقم بعد بتوحيد اتفاقيات الملكية غير القانونية فى نظام قانونى رسمى. وبالنسبة لسكان غرب أوروبا من المفترض أن يكون هناك قانون واحد، هو القانون الرسمى. غير أنه كانت القاعدة السائدة فيما مضى هى وجود ترتيبات مختلفة للملكية غير الرسمية فى كل بلد، أما اعتماد الغرب على نظم موحدة للملكية فإنه يمثل ظاهرة لا يزيد عمرها على المائتى سنة الأخيرة. والسبب فى صعوبة متابعة تاريخ توحيد تلك الطائفة الكبيرة من نظم الملكية، هو أن العملية استغرقت وقتا طويلا جدا من الزمن.
(3) إخضاع الناس للمساءلة. إن إدماج كل نظم الملكية فى قانون رسمى واحد نقل مشروعية حقوق الملاك من المحيط السياسى للمجتمعات المحلية إلى السياق الموضوعى للقانون العام. وأدى إعفاء الملاك من قيود الترتيبات المحلية وإدخالهم فى نظام قانونى أكثر اندماجا إلى تيسير إخضاعهم للمساءلة.
ونتيجة لتحويل الناس الذين لهم مصالح حقيقية فى الملكية إلى أفراد خاضعين للمساءلة تحول الجمهور المختلف إلى أفراد محددين. فلم يعد الناس فى حاجة إلى الاعتماد على علاقات الجوار أو اتخاذ ترتيبات محلية لحماية حقوقهم فى الأصول. وبذلك تحرروا لكى يكتشفوا كيف يمكن توليد فائض القيمة من أصولهم الخاصة. ولكن كان هناك ثمن يتعين دفعه : إذ بمجرد دخول الملاك فى نظام الملكية الرسمية فإنهم يفقدون وضعهم كأشخاص مجهولين فى حين يقوى خضوعهم الفردى للمساءلة. فالأفراد الذين لا يدفعون ثمن السلع أو الخدمات التى استفادوا منها يصبح فى الإمكان تحديدهم وتوقيع جزاءات عليهم فى شكل فوائد وتغريمهم وفرض حظر على شحن السلع إليهم وخفض معدلات ائتمانهم. وفى وسع السلطات معرفة المخالفات القانونية والعقود التى لم تنفذ، ووقف الخدمات وفرض الحجز على الممتلكات وسحب بعض امتيازات الملكية القانونية. إن احترام البلدان الغربية للملكية والمعاملات ليس مسجلا فى جينات مواطنيها وإنما هو ناجم من أن لديهم نظما للملكية الرسمية قابلة للتنفيذ. ويشجع دور الملكية الرسمية فى حماية الملكية وكذلك أيضا تأمين المعاملات، المواطنين فى البلدان المتقدمة على احترام سندات الملكية، وتنفيذ العقود والامتثال للقانون. ومن ثم فإن الملكية القانونية تدعو إلى الالتزام
ولذا فإن افتقاد الملكية القانونية يفسر لماذا لا يستطيع مواطنو البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة التوصل إلى عقود مربحة مع الأجانب ولا يستطيعون الحصول على الائتمان أو التأمين أو خدمات المرافق العامة : إذ ليس لديهم ممتلكات يخسرونها. ونظرا لأنه ليس لديهم ملكية رسمية، فإنه لا ينظر إليهم جديا على أنهم أطراف متعاقدة إلا من قبل أفراد أسرتهم وجيرانهم المباشرين. إن الأشخاص الذين ليس لديهم ما يفقدونه يجدون أنفسهم وقد وقعوا فى شراك البيئة السيئة التى كانت سائدة فى عصر ما قبل الرأسمالية.
(4) جعل الأصول قابلة للاستبدال. إن أحد أهم الأشياء التى يحققها نظام الملكية الرسمى هو تحويل الأصول من حالة تقل فرص التصرف فيها إلى حالة تزيد فرص التصرف فيها، وبذلك يمكن أن تحقق مهمة إضافية. وبعكس الأصول المادية، فإن الأصول القانونية يمكن تجميعها، وتقسيمها، وإسالتها بسهولة واستخدامها لتحفيز الصفقات التجارية. إذ من خلال فصل السمات الاقتصادية لأحد الأصول عن حالته المادية الصلبة فإن شكله القانونى يجعله ” قابلا للاستبدال “، ويمكن تشكيله بحيث يصلح عمليا لأية صفقة.
ومع توصيف كل الأصول فى فئات معيارية، يمكن نظام الملكية الرسمى الموحد من المقارنة بين بنائين مختلفين هندسيا تم إنشاؤهما لنفس الغرض. وهذا يسمح بالتمييز بسرعة وبدون تكلفة بين أوجه التماثل والاختلاف فى الأصول دون أن تكون هناك حاجة للتعامل مع كل أصل منها كما لو كان فريدا فى حد ذاته. ويتم أيضا فى دول الغرب توصيف الملكية المعيارية كتابة لتيسير توحيد الأصول. وتقتضى قواعد الملكية الرسمية وجود أصول يتعين توصيفها وتمييزها بطريقة تبين ليس فقط سماتها الخاصة ولكن تشير أيضا إلى أوجه التشابه بينها وبيم الأصول الأخرى، وبذلك تجعل أوجه التوحيد الممكنة الأخرى أكثر وضوحا. ومن خلال استخدام السجلات المعيارية، يستطيع المرء تحديد كيفية استغلال أصل ما بأكثر الطرق ربحية.
ويمكن التمثيل أيضا المرء من تقسيم الأصول دون أن يمسها. ففى حين أن أى أصل من الأصول كمصنع مثلا يمكن أن يكون وحدة لا يمكن تقسيمها فى العالم الحقيقى، فإنه فى العالم النظرى لتمثيل الملكية الرسمية يمكن تقسيمه إلى أجزاء عديدة. ولذا يستطيع المواطنون فى البلدان المتقدمة تجزئة معظم أصولهم إلى حصص يستطيع أن يمتلك كلا منها أشخاص مختلفون لهم حقوق مختلفة، ويردون وظائف مختلفة.
وسند تمثيل الملكية الرسمية يمكن أيضا أن يكون بديلا منقولا للأصول المادية، مما يتيح للملاك ومنظمى المشروعات محاكاة أوضاع افتراضية بغية استكشاف استخدامات أخرى مربحة لأصولهم. وفضلا عن ذلك فإن جميع وثائق الملكية الرسمية المعيارية تصاغ بطريقة تيسر قياس الأصول بسهولة. وأدى توفير المقاييس المتعلقة بنظم الملكية الرسمية الغربية إلى خفض ملحوظ فى تكلفة صفقات حشد الأصول واستخدامها.
(5) ربط الناس فى شبكات. ترتب على جعل الأصول قابلة للاستبدال، وربط الملاك بالأصول، وربط الأصول بالعناوين، وربط الملكية بالتنفيذ، وتيسير الحصول على المعلومات المتعلقة بتاريخ الأصول والملاك، تحويل نظم الملكية الرسمية للمواطنين فى الغرب إلى منظمات عمل تتكون من عملاء تجاريين يمكن تحديدهم ومساءلتهم شخصيا. وقد خلقت عملية الملكية الرسمية بنية أساسية كاملة من أدوات الاتصال التى تتيح للأصول ( القطارات )، مثلما تفعل أجهزة تحويل السكك الحديدية، أن تجرى بأمان بين الناس ( المحطات ). ولا يتمثل إسهام الملكية الرسمية للجنس البشرى فى حماية أولئك الذين يحتلون الأراضى دون وجه حق، فمنظمات الإسكان وعصابات المافيا، حتى القبائل البدائية تحمى أصولها بكفاءة تامة. ولكن الإنجاز الحقيقى لنظام الملكية أنه أدى إلى تحسين جذرى فى تدفق الاتصالات بشأن الأصول وإمكاناتها، كما أنه عزز وضع الملاك.
وتقوم الملكية القانونية أيضا فى دول الغرب بتزويد دوائر الأعمال بالمعلومات حول الأصول وملاكها، والعناوين المثبتة، والتسجيلات الموضوعية لقيم الملكية، وكلها تؤدى إلى تيسير عمليات الائتمان.
ويبدو أن الكثيرين يلاحظوا أن نظام الملكية القانونية لبلد متقدم يعتبر مركزا لشبكة معقدة للاتصالات التى تعبئ المواطنين العاديين لخلق روابط مع كل من الحكومة والقطاع الخاص، ومن ثم الحصول على سلع وخدمات إضافية. ومن الصعب، دون وجود أدوات الملكية الرسمية، تصور كيف كان يمكن استخدام الأصول فى أى شئ مما أنجزته فى دول الغرب.
(6) حماية المعاملات. من الأسباب المهمة التى تفسر كيف يعمل نظام الملكية الرسمية الغربى كشبكة موحدة، أن جميع وثائق الملكية (سندات الملكية، وصكوك الملكية العقارية، والضمانات، والعقود التى تصف الجوانب الاقتصادية البارزة للأصول) يتم تتبعها وحمايتها باستمرار خلال مراحل سيرها فى الزمان والمكان. والهيئات العامة هى القيم على التمثيل فى الدول المتقدمة. فهى تتولى إدارة الملفات التى تحتوى على الأوصاف المفيدة اقتصاديا للأصول، سواء كانت أراضى، أو مبانى، أو قطعان ماشية، أو سفنا، أو صناعات، أو مناجم، أو مطارات. وهذه الملفات تنبه أى شخص يتوق إلى استخدام أحد الأصول إلى الأشياء التى قد تقيد أو تعزز استخدامها، مثل الديون العقارية، أو حقوق الارتفاق، أو عقود الإيجار، أو المتأخرات، أو الإفلاس، أو الرهن العقارى. وبالإضافة إلى النظم العامة لامساك السجلات أنشئ الكثير من الخدمات الخاصة الأخرى ( مثل منظمات الضمان المجمد، أو المنظمات المقفلة، أو المثمنون ) لمساعدة الأطراف على تثبيت أو تحريك أو تتبع تمثيل الأصول لكى يمكن أن تنتج فائض القيمة بسهولة وأمان.
ورغم أن النظم الغربية أنشئت لحماية أمن الملكية والمعاملات على السواء، فمن الواضح أنها تؤكد على المعاملات. ويتركز الأمن فى الأساس على توفير الثقة فى المعاملات لكى يسهل على الناس جعل أصولهم تحظى بمعاملة موازية كرأس المال. والتأكيد فى الغرب على أمن المعاملات يسمح للمواطنين بتحريك كميات كبيرة من الأصول بقدر قليل جدا من المعاملات. وفى البلدان النامية، على العكس، يقع القانون والهيئات الرسمية فى شراك القانون الاستعمارى والرومانى السابق الذى يميل إلى حماية الملكية، وبذا أصبحت حامية لرغبات الموتى.

الخلاصة
يحدث قدر كبير من تهميش الفقراء فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة بسبب عدم قدرتهم على الإفادة من الاثار الستة التى تحققها الملكية الرسمية، والتحدى الذى تواجهه هذه البلدان ليس ما إذا كان ينبغى لها أن تنتج أو تتلقى أموالا أكثر، ولكن ما إذا كانت تستطيع أن تدرك قيمة المؤسسات القانونية والتزود بالإرادة السياسية اللازمة لإقامة نظام للملكية يمكن للفقراء استخدامه بسهولة.
وقد رأى المؤرخ الفرنسى فرناند بروديل أنه مما يثير الحيرة الشديدة أن الرأسمالية الغربية فى مستهل وجودها كانت فى خدمة القلة الممتازة فقط، وهو ما يحدث تماما فى كل مكان من العالم اليوم :
” إن المشكلة الرئيسية هى اكتشاف السبب فى أن ذلك القطاع من المجتمع الذى لا أتردد فى وصفه بأنه رأسمالى، كان يتعين عليه فى الماضى أن يعيش كما لو كان فى ناقوس زجاجى لا صلة له بأى شئ آخر، ولماذا لم يكن هذا القطاع قادرا على التوسع وغزو المجتمع كله ؟ … [ ولماذا كان ] تكوين نسبة كبيرة من رأس المال ممكنا فى قطاعات معينة فقط وليس فى كل الاقتصاد السوقى فى ذلك الزمن ؟ “.
أعتقد أن الرد على سؤال بروديل يكمن فى وجود قيود تحول دون الحصول على الملكية الرسمية، سواء فى الغرب فيما مضى أو فى البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة اليوم. إن المستثمرين المحليين والأجانب لديهم رؤوس أموال، وأصولهم إلى حد ما متكاملة، وقابلة للاستبدال، ومتشابكة وتحظى بحماية نظم الملكية الرسمية. ولكنهم أقلية ضئيلة فقط تتكون من أولئك الذين فى وسعهم تحمل نفقات المحامين الخبراء، والاتصالات مع أصحاب النفوذ، والصبر، وهى أمور ضرورية للتغلب على الروتين السائد فى نظمهم المتعلقة بالملكية الرسمية. أما الأغلبية الكبيرة ممن لا يستطيعون جنى ثمار عملهم الذى يمثله نظام الملكية الرسمية، فإنهم يعيشون خارج الناقوس الزجاجى الذى أشار إليه بروديل.
إن الناقوس الزجاجى يجعل الرأسمالية ناديا خاصا لا تدخله إلا النخبة القليلة من أصحاب الامتيازات، ويثير غضب الملايين الذين يقفون خارجه متطلعين إليه. وهذا التمييز العنصرى الرأسمالى سوف يستمر إلى أن يتم تصحيح الخلل الشديد الذى يسود النظم السياسية والقانونية فى كثير من البلدان، وهى النظم التى تحول بين الأغلبية وبين الدخول فى نظام الملكية الرسمية.
وقد حان الوقت لمعرفة لماذا لم تستطع معظم البلدان إنشاء نظم مفتوحة للملكية الرسمية. هذا هو الوقت الملائم، حيث يقوم العالم الثالث والبلدان الشيوعية السابقة بأكثر محاولاتهما طموحا لإقامة النظم الرأسمالية، ولإزالة هذا الناقوس الزجاجى.

المراجع : Fernand Braudel, The Wheels of Commerce —New York: Harper and Row,1982.
Adam Smith, The Wealth of Nations —1776; reprint, London: Everyman’s Library, 1977.

Older Entries

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: