في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين ترددت في الحلقات الشيوعية المصرية همسات عن مناضل شيوعي سجين “مثير للجدل” اسمه الرفيق محجوب، كان يحاور وينتقد ولا يقبل بالتبريرات الموسكوبية الرسمية بل يناقش الخط العام للحركة الشيوعية المصرية والعالمية داخل زنازين السجن.. وفي سجن الواحات الخارجية دهش “الرفاق” لرؤية الطبيب يقوم بالخدمة العامة دون تفلسف أو تأفف ومهما كانت طبيعة الخدمة وصولاً حتى إلى قيام الدكتور بتنظيف الزنزانة الجماعية.. وحين انضم في العام 1959 إلى نزلاء معسكر التعذيب في ليمان أبو زعبل اشتهر الرفيق محجوب بصموده الأسطوري تحت سياط الجلادين الذين كانوا يشهرّون به أمام السجناء (ومعظمهم من الإخوان المسلمين وفيهم عشرات الشيوعيين) بترداد اسمه الحقيقي: الدكتور رؤوف نظمي ميخائيل عبد الملك صليب… نعم مسيحي… فهو فلاح قبطي صعيدي ، وُلِدَ في بني سويف عام 1932 وانتقل مع الأسرة إلى القاهرة. نشأ في الحيّ الشعبي “حوض الزهور” بالسبتيّة حيث كان والده رئيس لجنة “الوفد” وساهم في ثورة 1919. في الجامعة، التي دخلها في أكتوبر 1948 كطالب في كلية الطبّ، التقى بقائد “اللجان الشعبيّة-المقاومة الوطنيّة” التابعة للحزب الشيوعي المصري. كانت هذه اللجان تعمل في إطار الكفاح المسلّح الذي انطلق سنة 1950-1951 الموجّه ضد القوات البريطانية في منطقة القنال. وكان هذا أوّل عهد رؤوف نظمي مع الحزب الشيوعي. أصبح مسؤول الجامعة ثم القاهرة (1952)، وعضواً في اللجنة المركزية للحزب. لعب دورا في تقارب الحزب الشيوعي المصري مع سائر التنظيمات ومنها جماعة الإخوان المسلمين في إطار سياسة “مدّ اليد لكل القوى” المناهضة للاحتلال البريطاني. تمّ القبض عليه في نوفمبر عام 1954 حيث أمضى عشر سنوات في السجن وخرج في العام 1964 ليعود مجدداً إلى المعتقل في العام 1966 ويمكث فيه إلى ما قبل نكسة حزيران بقليل..

كان محجوب كما عرفناه دائم الابتسام ولا يتحدث إلا عن التفاؤل.. الشعب والثورة كانا حياته وكيانه.. ورغم العذاب الرهيب الذي استمر سنوات اعتقاله في أبي زعبل الشهير فقد استمر مؤمناً بالجماهير ولكنه خرج من تجربة المعتقلات مولياً ظهره للعمل التنظيمي الشيوعي السري دون أن تنقطع صلاته بهموم مصر وشعبها ومناضليها من كل الاتجاهات والتيارات وخصوصاً رفاق السجن والتعذيب... بعد خروجه من السجن في العام 1964 تابع انجاز دراسة الطب في القصر العيني، ثم عمل طبيباً بمستشفى بنها ثم مستشفى دمياط التابعين لوزارة الصحة المصرية حيث طار صيته كطبيب للفقراء وكانسان متواضع لا يأنف من القيام بأي عمل لخدمة الناس… واشتهرت كلمته الخالدة التي صارت عنواناً لنا أيضاً في بيروت: “خدّام اللطافة”… وجاءت نكسة حزيران ثم انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني بقيادة حركة فتح ليبدأ محجوب عملية مراجعة قاسية قدّم فيها نقداً ذاتياً وموضوعياً لتجربة العمل اليساري والسري في مصر والعالم العربي على السواء وليتبنى شعار حرب الشعب الطويلة الأمد كعنوان لمسيرته الجديدة… وحين أعلن لرفاق دربه (وخصوصاً صديقه ورفيقه الدكتور قدري حفني) أنه حسم خياره بالالتحاق بحركة فتح (1967) وقرر أن يسافر إلى الجزائر حيث مركز الشهيد القائد خليل الوزير قال لهم إنه يريد الذهاب إلى حيث القضية الأولى وحيث الاشتباك المباشر مع العدو… عمل محجوب طبيباً في مستشفى مدينة تلمسان بغرب الجزائر بانتظار انتقاله إلى الأردن حيث كان يلح بشدة على قيادة فتح بضرورة الموافقة على تحوله إلى مقاتل.. وحين جاءت الموافقة من ياسر عرفات في منتصف شهر أيار 1969 احتار خليل الوزير ماذا يكتب على قرار التحاقة بقوات العاصفة (في 21 أيار 1969)..هل يلتحق كطبيب وهو يرفض ذلك، أم كمقاتل وهو دكتور؟؟ فكتب أبو جهاد: “يلتحق الدكتور محجوب عمر بقوات العاصفة بصفة بَرَكة للقوات”…

الأردن بداية المشوار

في الأغوار الأردنية عاش محجوب عمر عيشة المقاتلين… وقد لمع اسمه وخطه عندما أقامت فتح معسكر العمل الدولي في ضواحي مدينة الكرك صيف 1970 والذي شاركت فيه مجموعات من الشباب من أوروبا وأميركا.. في هذا المعسكر الشبابي الدولي ناقش محجوب مع المناضلين والمثقفين الغربيين اليساريين شعار فتح في إقامة دولة فلسطين الديموقراطية العلمانية.. وقد التقى مجدداً برفيقه وصديقه الدكتور يسري هاشم في قواعد فتح في الأردن حين جاء يسري مع وفد اتحاد الأطباء العرب… وفي قواعد الأردن أسهم محجوب في إنشاء الخدمات الطبية لقوات العاصفة ومن خلالها قام بتأسيس عيادات شعبية منتظمة لا سيما في منطقة جنوب الأردن الصحراوية (معان والطفيلة والشوبك) التي يغلب على تركيبتها السكانية الطابع العشائري البدوي..عينته قيادة قوات العاصفة مسؤولاً عن القطاع الجنوبي ومفوضاً سياسياً للقوات في الأردن (وبعده لبنان).. يروي رفيقه الدكتور النفساني قدري حفني أن مريضة ذهبت إلى عيادة فتح في جنوب الأردن تطلب مقابلة الطبيب ووجدت شخصاً منهمكاً في تنظيف العيادة رجاها الانتظار واستمر بالتنظيف وهي تنتظر وصول الطبيب.. وينتهي الأخ من التنظيف ليستدير لها الدكتور محجوب ويسألها عن شكواها…هذا القائد الجماهيري العظيم أرسى في جنوب الأردن نمط تعامل كسر من خلاله الفدائيون الأفكار المسبقة عن البدو والمفاهيم الخاطئة عن الثوار..  وأسس لعمل سياسي حول فلسطين دعمه أسلوب ثوري مبني على خدمة الناس ومشاركتهم همومهم اليومية… فالتحم الفدائيون مع العشائر في تجربة حضارية تضافرت خلالها قيم البداوة العربية مع قيم الفدائية الثورية لتصنع ملحمة قل نظيرها في تجربة الثورات المعاصرة… وارتقى العمل الفدائي في جنوب الأردن إلى مستوى منهج أخلاقي مبدأه شعار محجوب عمر:”لن نطلق النار على الجماهير حتى لو كانت تطلق النار علينا”..وقصة هذا الشعار تعود إلى استشهاد أربعة مقاتلين من أصدقاء محجوب رفضوا الرد على إطلاق النار عليهم يوم بدأت الفتنة الأردنية الفلسطينية عشية أيلول الأسود 1970..

نجح محجوب في التعامل مع العشائر البدوية وفي صياغة التلاحم معها رغم كل محاولات الفتنة حتى كان يوم 2 ايلول حين انطلقت الفتنة من منطقة الشوبك ثم امتدت إلى معان فالطفيلة وانتهى يوم 6 أيلول وقد انتهى معه الوجود الفدائي العلني في جنوب الأردن… وليخرج معها محجوب بخبرة لخصها في تقرير انتهى بهذه الجملة: يقول “خبراء” إن البدوي لا يحترم إلا أحد أحمرين: الدم أو الذهب، وتقول خبرة الثورة الفلسطينية في جنوب الأردن أن شيئاً آخر يحبه البدوي ويحترمه أكثر من هذين الأحمرين، ذلك هو الانتماء الفعلي للناس وللأرض وللقضية…. وهذه باختصار هي ثلاثية حياة محجوب وعمره النضالي: الناس والأرض والقضية… وكان من نتيجة هذا الإلتحام مع الجماهير أن قامت العشائر في أكثر من موقف بحماية الفدائيين. وعلى سبيل المثال، يذكر الدكتور محجوب في أحد المواقف التي تعرضوا فيها لهجوم، كيف تحلقت حوله عشائر الشوبك لحمايته عندما تم تهديد عيادة الشوبك، ومنعوا امكانية أذيته وأذية من كانوا يعملون معه في العيادة. وقد شاركت العشائر في انتقال محجوب ورفاقه من الجنوب إلى عمان بعد أن انتهى الوضع هناك إلى هزيمة الثورة. وقد كتب محجوب تقريراً مفصلاً عن وقائع الوضع في جنوب الأردن قدمه لقيادة الثورة في عمان يوم 15 ايلول 1970 عقب وصوله من الجنوب مباشرة..

من الجنوب انتقل محجوب إلى عمان المحاصرة والمقاتلة والتحق فوراً بمستشفى الأشرفية … صمد المستشفى أمام هجمات وحشية استمرت من الخميس 17 ايلول حتى السبت 26 أيلول حين سقط المستشفى بعد استشهاد وجرح العشرات… وقد كتب محجوب تجربته تلك في كراس صغير صدر باسمه عن دار الطليعة، بيروت، أيار 1971، بعنوان: “قصة مستشفى الأشرفية”…

وصف محجوب عمر الحياة في مستشفى الأشرفية، لم يكن يتحدث كطبيب فقط، بل أيضاً كإنسان رهيف استطاع التقاط النبض الانساني، وفي نفس الوقت انتبه إلى التغيّر في القيم والمفاهيم التي ولدها الظرف الخاص الذي ساد مستشفى الأشرفية. يقول محجوب: “الإنسان نفسه تغير في تلك الأيام… سقطت الأقنعة الاجتماعية… وبرزت بطولات بسيطة ومجهولة. وتجسدت الكلمات التي تحدثت عن طاقات الجماهير الخلاقة التي لا تفنى وقدرة الإنسان على التحمل” . وفي مكان آخر يقول:”انتهى التحفظ في القاعات… لم تعد هناك نساء وأقسام رجال وأقسام أطفال، الجميع معاً…الجميع على الأرض”.

وفي مكان آخر، يقول: “في الأشرفية………كانت الحياة والموت، الحب والكراهية، الأنانية والتفاني… الاخلاص والإنتهازية… البساطة والتعقيد… كل شيء، كل متناقضات الإنسان ونزواته ومخططاته. لا شيء يمكن أن يحيط بكل ماحدث إلا ابتسامات الأطفال وبكاء الأمهات” .

في خاتمة الكتاب نقرأ: “بعد الخروج من جبل الأشرفية وصل الناجون إلى ناعور… شاهد الطبيب طفلة في السادسة من عمرها يدل مظهرها على البداوة والمرض..شو اسمك يا حلوة..صبيحة..من وين يا صبيحة..من بير السبع… وانغسلت هموم الطبيب…من بير السبع.. وعمرها ست سنوات.. إنها لم تر هذه البلدة.. وولدت في غيرها.. ولكنها من بير السبع!!”.

تقول روز شوملي مصلح: “لقد سجل د محجوب، وهو يروي المحادثة اليومية في مستشفى الأشرفية، قدرة عالية في كتابة النص المسرحي، ومن يقرأ مسرحية “السبع في السيرك” التي كتبها محجوب عمر وأخرجها المخرج اللبناني المعروف روجيه عساف، وعرضها في مخيم شاتيلا في صيف 1974، يدرك هذه القدرة. وما يلفت النظر في نصوص محجوب هو هذه الأناقة في التقاط الحركة، وفي التعبير عن العمق الإنساني بطريقة أدبية رهيفة”.

كانت علاقات محجوب وثيقة مع الشهيد (أبو علي إياد) الذي استشهد في جرش في الأردن في تموز 1971… كما كسب احترام الشهيد أبو جهاد نائب القائد العام للثورة، واحترام وتقدير القائد العام أبو عمار.

لبنان أرض التلاحم والمبادرات

بعد أيلول السبعين خرج محجوب مع قوات الثورة إلى جنوب لبنان حيث استمر في موقعه كمفوض سياسي للقوات وقد التحق أولاً بكتيبة نسور العرقوب بقيادة القائد الفذ نعيم وشاح في منطقة الـمنطار – محافظة طرطوس في سورية حيث كانت الكتيبة تقوم بعملية إعادة تدريب وتنشيط، وكان الدكتور محجوب يثقف الشباب ويناقشهم ويشد أزرهم بحضوره بينهم…ثم انتقل مع النسور إلى العرقوب اللبناني وبعد ذلك صار رفيق درب للشهيد جواد أبو الشعر في القطاع الأوسط.. ومن القوات في جنوب لبنان إنتقل محجوب إلى إدارة مركز التخطيط الفلسطيني في بيروت برفقة نبيل شعث ومنير شفيق..حيث ساهم معهما في صياغة الخط النضالي الوحدوي الجماهيري لحركة فتح عبر مواقف مميزة من حرب أكتوبر 1973 ومن موضوعة التضامن العربي (التي كان له الفضل مع منير شفيق في بلورتها على أسس ثورية واضحة) كما من الوضع الفلسطيني الرسمي والدولي. وقد كان له ولمركز التخطيط فضل إعداد الخطاب التاريخي الذي ألقاه أبو عمار في الأمم المتحدة يوم الأربعاء 13 نوفمبر 1974 (وقد شارك في تحضيره وكتابته محجوب عمر ومنير شفيق ونبيل شعث وآخرون وخصوصاً من الرفاق اللبنانيين الذين كانوا يعملون مع مركز التخطيط…وقام محمود درويش بتحريره، وأضاف إليه جملته النهائية المشهورة “لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”). . وإلى تلك المرحلة ينتمي كتاب محجوب التاريخي: “حوار في ظل البنادق: التاريخ والأمة والطبقة والتجمع الصهيوني” (دار الطليعة، بيروت، أيار 1975)، الذي ناقش فيه فكرة فلسطين الديمقراطية على أساس المساواة في المواطنة بين المسلمين والمسيحيين واليهود.. والكتاب بدأ في الأصل على شكل حوار مع رفاق يهود ثوريين حملوا السلاح مع الثورة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني، وفيه علق على خطابات الرفاق رامي ليفنه ويهودا أديف أمام المحكمة العسكرية في حيفا التي حاكمتهما مع غيرهما من تنظيم “الجبهة الحمراء” التي ضمت يهوداً وعرباً من فلسطين على رأسهم المرحوم المناضل داوود تركي..

بعد الخروج من الأردن انتقل محجوب كغيره إلى لبنان حيث عمل أولاً في الجنوب مع القائد الكبير جواد أبو الشعر وكوكبة من خيرة أبناء فلسطين..

في 22 كانون الأول/ديسمبر 1972 التقيت بالقائدين الدكتور محجوب عمر وجواد أبو الشعر في معسكر لفتح في منطقة بيت نايم قرب دمشق… كنا مجموعة ثورية تضم عشرات المناضلين اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق خرجنا من أحزاب اليسار اللبناني وأردنا صنع تجربة مختلفة فكان أن التقينا بفتح ومعها بدأ المشوار الطويل.. في معسكر بيت نايم تعرفنا على محجوب إذن وكانت بداية رحلة نضالية كان فيها أباً وأخاً ورفيقاً لنا وقد صنعنا معه ومع العديد من رفاقنا الشهداء منهم والأحياء، أحلى لحظات هذا العمر ..

وخلال السنوات 1972-1975 تكوكبنا حول مدرسة مركز التخطيط وحول شخصيتي محجوب ومنير وتبلور معهما ومن خلالهما فكرنا النقدي وثوريتنا الحالمة ومغامرتنا التاريخية (ربيع عربي بكل معنى الكلمة) التي توجتها تجربة السرية الطلابية بقيادة الشهداء سعد جرادات وعلي أبو طوق ومروان كيالي وأبو حسن البحيص وحمدي سلطان التميمي والعشرات العشرات..”منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”…

في أواخر العام 1975 أصدرتُ مع الأخ مازن جريدة “الفجر” (أسبوعية سياسية جماهيرية توزع مجاناً في كل لبنان) بدعم مادي ومعنوي من أبو جهاد وبتوجيه مباشر من محجوب، وذلك بهدف طرح خط مستقل عن خط القيادة المشتركة اللبنانية-الفلسطينية، حيث أننا كنا ضد سياسات العزل والنبذ والتفرقة والتخوين ومع سياسات الوحدة والتضامن والمصالحة والسلم الأهلي..عرفت جريدة الفجر نجاحاً هائلاً وتحولت إلى كابوس للقوى التتكفيرية والتخوينية.. ومحجوب كتب لنا عدة افتتاحيات أشهرها تلك التي نشرناها يوم وفاة ماوتسي تونغ وكانت بعنوان: “منك نتعلم يا رفيق”…

في بيروت تلك السنوات حلمنا بتحرير فلسطين وبتغيير الوضع العربي برمته انطلاقاً من شعار أن الثورة الفلسطينيية هي رأس الحربة للثورة العربية الشاملة وأن حرب الشعب هي طريق النصر.. في تلك السنوات تعاطفنا مع ثوار أرتيريا لا بل وذهبنا للقتال معهم.. كما تعاطفنا مع ثورة ظفار وعُمان ومع كل أشكال المقاومة والثورة في العالم الثالث من زيمبابوي وأنغولا إلى آشيه سومطرة وفطانيا تايلاند… وفي تلك المرحلة تبلورت موضوعاتنا الرئيسية: الوحدة والتضامن، نبذ الخلافات الجانبية، التعالي على الأمور الهامشية، تركيز الجهد صوب المسائل المركزية، حفظ الناس وخدمة الشعب والتضحية في سبيله..الاستقامة على الحق والعدل لكل الناس.. وبالتالي فلم يكن غريباً أن محجوب عمر ومنير شفيق ومركز التخطيط والسرية الطلابية كانوا أول من فتح قلبه وعقله للقائد الإمام موسى الصدر ولتجربة حركة المحرومين التي احتضنها خطنا وسار بها ومعها رغم حملات بعض اليسار اللبناني- الفلسطيني الذي كان يتهم الصدر بالعمالة للمخابرات المركزية وللشاه الايراني.. حتى أن الصدر وجه التحية بالاسم إلى مركز التخطيط وإلى الدكتور محجوب عمر ومنير شفيق في احتفال بالكلية العاملية في آب1977 في ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد المفكر الدكتور علي شريعتي.. كما كان قد وجه التحية إلى مركز التخطيط والكتيبة الطلابية في مهرجان النبي شيت في تموز 1977 في الذكرى السنوية الأولى لشهداء منطقة النبعة- تل الزعتر.. المهم في هذه المرحلة أن محجوب عمر صاغ رؤية وحدوية إنسانية حاولت أن تتخطى انقسامات الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1976) وعملت على نسج علاقات حوار وتضامن بين اللبنانيين وخصوصاً بين الفاعلين الرئيسيين أمثال الامام موسى الصدر والزعيم كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد والرئيس صائب سلام.. وقد تبلورت هذه الرؤية يومها برفضنا شعار “عزل الكتائب” وممارسات التصعيد والتوتير، وبالدعوة إلى منع الانزلاق نحو الحرب الأهلية… وكانت هذه مواقفنا برغم استشهاد العشرات من شبابنا دفاعاً عن الثورة وعن الناس في أصعب المواقع وأشرسها حيث كنا نذهب إلى حيث لا يجرؤ الآخرون كما كنا نواجه في الوقت عينه كل أشكال التشبيح والبلطجة التي كانت تقوم بها قوى فلسطينية ولبنانية وكنا نطرح على أنفسنا مهمة حماية المدنيين مسلمين ومسيحيين ومنع التهجير ومنع القتل والانتقام.. هذه كانت سياسة محجوب عمر (ومنير شفيق) خلال الحرب الأهلية وهو كان يعمل على أن يحمل أبو عمار وأبو جهاد هذا الموقف الإنساني الوطني التاريخي لتجنيب فلسطين عار الحرب الأهلية اللبنانية ولتجنيب المناضلين عار التقاتل والحروب الأهلية المدمرة.. وقد نجحنا مع الامام الصدر، بعد مؤتمري القاهرة والرياض، في نقل قوات الكتيبة الطلابية وقوات حركة المحرومين إلى جنوب لبنان (بالتعاون مع الشهيد الدكتور مصطفى شمران) لمواجهة العدو الصهيوني الذي كان بدأ يتوسع عبر بوابات “الجدار الطيب” ودولة سعد حداد.

وفي آذار 1978 سطرنا معاً ملحمة كرامة الجنوب خصوصاً في منطقة بنت جبيل وعلى تلال شلعبون ومسعود وصف الهوا وكان لمحجوب الدور الكبير في التعبئة والتنظيم وفي التوعية والتحليل السياسي السليم للوضع (ودائماً من خلال مركز التخطيط مع رفيقه واستاذنا منير شفيق).

كامب دايفيد واستراتيجية الصراع

في 1 /7/1980 كتب محجوب عمر تقريراً داخلياً محدود التداول عرض فيه لوجهة نظر جريئة حول استراتيجية المفاوض المصري (أي أنه جاء بعد زيارة الرئيس السادات للقدس في 19 نوفمبر 1977 ثم توقيع اتفاق كامب دايفيد في في 17 سبتمبر 1978 وهي الاتفاقية التي مهدت لتوقيع اتفاقية السلام في واشنطن يوم 26 آذار/مارس 1979.. يقترح محجوب في ورقته قراءة منهجية للحدث ويبيّن أنه يرفض منهج تفسير الأحداث الكبرى (كالصلح بين مصر واسرائيل) على أساس غيبي فردي (مؤامرة سرية نفذها عميل مدرب وتقاضى ثمنها) فمثل هذا الحدث ما كان ليتم، وإن تم ما كان ليستمر لأكثر من 3 سنوات حتى الآن، لولا أن الظروف الموضوعية في مصر والوطن العربي وفي العالم تسمح له بالتحقق والاستمرار..ويقول محجوب أيضاً بأن الخطأ في تفسير الأحداث والوقائع الراهنة يؤدي إلى خطأ في خطط التأثير فيها.. كما أن الاكتفاء بتوجيه تهم العمالة تعني التوقف عن تقييم ما يحدث إلى أن يختفي العميل عن المسرح السياسي…والأخطر أنها تعفي الأطراف الأخرى المعنية التي يلعب موقفها ووزنها دوراً في تحديد موقف الطرف المصري، تعفيهم من أي مسؤولية…كما أن التصور الذي تطرحه الورقة عن خطة المفاوض المصري يرفض الافتراض القائل بأن كل ما يحدث هو مخطط أميركي يقوم السادات وبيغن (مناحيم) بتنفيذ أدوارهما فيه.. ويرى محجوب في ورقته أن زيارة القدس وما تلاها لم تكن هي بداية المسار التفاوضي بين العرب واسرائيل كما أنها  لاتعني نهاية الصراع بينهم، فليست هذه المرة الأولى التي يفاوض فيها رئيس عربي العدو الصهيوني ولا هي المرة الأولى التي يلتقي فيها حاكم عربي بمندوبي العدو، ولا هي المفاوضات الأولى في تاريخ الصارع، وإن تكن الأولى من ناحية العلنية والمباشرة، كما أن التفاوض هو الأسلوب الغالب على سلوك الأنظمة العربية في مواجهة العدو الصهيوني… وبنظر محجوب فإن معاهدة الصلح المصرية الاسرائيلية هي حدث يؤرخ التاريخ به قبل وبعد..فما قبله كان، وما بعده يحتاج إلى استعداد وإعداد وتجديد… ويقول محجوب أيضاً بأن منطلق الورقة هو حتمية استمرار الصراع بين الكيان الصهيوني ومجموع الأمة العربية حتى يزول..وذلك مع تفاوت في درجة حدة الصراع ومدى اشتراك قطاعات الأمة على اختلافها فيه، وتعدد طرق ممارسته من الصمود السلبي إلى الهجوم الايجابي، ومن تجميد الجبهات بحجة الاستعداد، إلى تسخينها بهدف التحريك والضغط..إنه صراع طويل ترتبط به كل قضايا الصراع الأخرى في الوطن العربي…وهو صراع من أجل الاستقلال العربي الذي ينقضه وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين…

لا أظن أن مثقفاً عربياً أو مناضلاً ملتزماً مقاتلاً تجرأ على مقاربة موضوع كامب دايفيد والرئيس السادات بمثل هذه الجرأة المنهجية وبمثل تلك الرؤية المتكاملة للصراع بكل أبعاده وتاريخيته وآفاقه..

في صيف 1982 واجه محجوب عمر مع اللبنانيين والفلسطينيين آلة الحرب الاسرائيلية الوحشية التي قامت بغزو لبنان واحتلت جنوبه وبقاعه الغربي وجبله الجنوبي ووصلت إلى مشارف بيروت حيث أخضعت العاصمة لحصار مرير ولتدمير وقتل وتهجير ومذابح لم يسبق أن شهدتها عاصمة عربية من قبل.. سقط في حرب لبنان تلك عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمهجرين والمعوقين… وخرج محجوب من بيروت مع قوات الثورة الفلسطينية ليكتب شهادته التاريخية على أيام بيروت صيف 82 والتي صدرت في كتاب بعنوان (الناس والحصار) عن دار العربي للنشر، القاهرة، 1983…يبدأ محجوب شهادته بمقطع من موال مصري (أعتقد أنه هو مؤلفه) يقول فيه:

أول الموال: أنا لو شكيت ربع ما بي للحديد… ليدوب

الأولة للنبي…والثانية لأيوب

والثالثة غربتي…والرابعة المكتوب

والخامسة من فعل الزمان شقّيت القميص والثوب

والسادسة قولوا لي أثنّي في العشق والّا أتوب

والسابعة يا حاضرين اسمعوا مني الكلام مطلوب..

فكأن محجوب الجماهيري أراد أن يقول لنا أنه يتحدث عن الناس (كما عنوان الكتاب) وهم في حالة حراك تحت أقسى ظروف عرفها بشر، ودون أن يكون لهم تعبير سياسي خاص .. وهذه من منطلقات محجوب الرئيسة في فهمه لحراك الجماهير بمعزل عن القيادات والأحزاب..فهو الشعبي حتى النخاع، إلى حدود فوضوية برودون وباكونين، وجماهيرية ماوتسي تونغ وشؤان لاي، وهو صاحب قصيدة أنا اسمي جمهر…مفرد جمهور…مفرد جماهير… لقد وجد محجوب في ناس بيروت تحت الحصار أنموذجاً أخلاقياً إنسانياً رائعاً أراد أن ينقل لنا صورته ووهجه قبل انطفاء الشعلة..

“للأحد طعم خاص في بيروت فهو يتميز بالهدوء وهو أيضاً يوم راحة المقاتلين.. ولم يرتبك هذا التقليد إلا في بداية دخول القوات السورية عام 1976 لأن العطلة في سوريا هي الجمعة”..”لكن أحد لبنان سرعان ما ابتلع جمعة سوريا وعاد مرة أخرى إلى الهدوء”… ولأحد بيروت 6 حزيران 1982 حكايات… في بيروت صيف 1982 يشتاق محجوب لزيارة مقابر الشهداء الذين رحلوا ويصادف الأحد 6 حزيران ذكرى استشهاد جواد فيزوره محجوب مع رفاق الدرب وأولهم الشبل أبو الفهود مرافق جواد وصاحب الجرأة الأسطورية.. وفي بيروت هذا الأحد يقف أبو علي الحلواني وأولاده أمام المحل.. وكان محجوب قد خلده بقصيدته التي مطلعها “أبو علي التوسعي… رأسمالي تطلعي” حين وسع صالة محله للحلويات عند مدخل بناية مركز التخطيط الشهيرة.. في أول أكتوبر 1981 انفجرت سيارة مفخخة استهدفت مركز التخطيط وساكنيه وقتلت 83 شخصاً وجرحت أكثر من مئتين.. ونجا أبو علي وأخوته وأولاده.. ليعودوا ويفتحوا المحل ويتوسعوا “نكاية بالتوسعية الصهيونية” على ما كان يردد محجوب.. وفي بيروت صيف 1982 تستشهد رفيقتنا نِعم فارس التي كانت تنقل أخبار القتال والصمود عبر صوت الإذاعة المتنقلة.. وتستشهد أم علي النصراوية.. أم الشهداء..ومن منا لا يعرف أم علي التي كانت تتقدم كل جنازات الشهداء طوال أعوام 1973-1982 لأن كل شهيد كان بالنسبة لها واحداً من ابنائها الذين فقدتهم خلال المسيرة..أم علي جليلية ستينية جاءت لبنان عام 1948.. ام علي التي دفنت عشرات الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين دفنت وحيدة..

في بيروت 1982 ينقل محجوب تاريخ الفنادق والشواطئ والمخيمات المحيطة كما ينقل صورة البيروتي الاجتماعي بطبعه، الكريم، وصاحب النكتة المجلجلة مع النرجيلة..ويتحدث عن حياة المقاتلين والأهالي وفرق الإنقاذ والمفوضين السياسيين والصحفيين المحليين والأجانب…وصولاً إلى يوم الرحيل.

وفيما بعد ترجمت منى عبد الله زوجة محجوب كتاب أمنون كابليوك “تحقيق حول مذبحة صبرا وشاتيلا” وقدّم له محجوب بقراءة إنسانية “تنزع عن الضحايا صفة المجهول لتصورهم في جهدهم البسيط، اليومي، المتراكم، ثمرة العبقرية التلقائية للمظلومين العزّل التي يهزمون بها الخوف ويعيدون بناء الحياة فوق أنقاض الحياة” (صدر عن دار العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1984)..

خرج محجوب من بيروت مع قوات الثورة الفلسطينية ولكنه قرر العودة إلى مصر لخدمة القضية والمشاركة في بناء مركز للدراسات والأبحاث الفلسطينية يرفد نشاط تونس (حيث أعاد منير شفيق تأسيس وتفعيل مركز التخطيط يعاونه ثلة من شباب المركز الذين كانوا معه ومع محجوب في بيروت، وقد عملت أنا معهم من أيلول 1982 وحتى آب 1983)..وكان محجوب يعمل في القاهرة ويرصد بدايات الانتفاضة الفلسطينية التاريخية التي انطلقت في ديسمبر 1987 وكان لمحجوب وأبو جهاد شرف الدور الرؤيوي والريادي في تلك الأيام.. نعم: أول الرصاص أول الحجارة..

ومن سنة 1984 إلى سنة 2000، كان محجوب يحرّر مقالا أسبوعيّا في جريدة “الشعب” المصرية بطلب من صديقه ورفيق دربه القديم المرحوم الدكتور عادل حسين، يتابع فيه تطورات الوضع في فلسطين… وكانت جريدة “القدس العربي” تعيد نشر مقال محجوب بعد صدوره بيومين في “الشعب” نظراً لأهميته..

محجوب صاحب الدور التربوي الفلسطيني الرائد

كتبت عنه روز شوملي مصلح: “لم يكن محجوب سياسياً بالمطلق، ولا طبيباً بالمطلق، ولا عسكرياً بالمطلق، ولا كاتباً بالمطلق، بل كان كل ذلك، وفي كل ذلك، كان مبدعاً، ذواقاً، رهيفاً، وصاحب رؤية، والأهم من ذلك أنه كان إنساناً، يعشق الأطفال، ويحترم المرأة. لعب وجود الدكتور محجوب دوراً في بلورة وعيي التربوي، السياسي والجماهيري. كان مقنعاً ليس لأنه متحدث يعرف كيف يكسب مستمعيه، وليس لأنه مثقف ثقافة عالية، بل لأنه زاوج ما بين الفكر والممارسة، بين النظرية والتطبيق العملي لها. وكان شعاره الدائم الجماهير هي المحك. وبوجود الدكتور محجوب، بدأت أتخفف تدريجياً من كوني مجرد ست بيت، وأستعيد نفسي كإنسان له دور في الحياة العامة، ساعد في ذلك منى صديقتي. وبدأت أنظر إلى دوري ليس فقط كزوجة وأم، بل أصبحت أرى نفسي بأدوار أخرى توقفت عن القيام بها منذ أن حل بنا المطاف في بيروت”.

وفي تقييمها لدور محجوب التاريخي في العمل التربوي الفلسطيني تذكر روز شوملي مصلح أن “المتتبع لدار الفتى العربي، يدرك تماماً دور د. محجوب في تأسيس هذه الدار وفي وضعها على السكة من خلال استقطاب كفاءات للبدء في العمل، مثل إسماعيل عبد الحكم الذي تولى إدارة الدار بنجاح، والرسامَين حلمي التوني ومحيي الدين اللباد ، حيث رسم الأخير قصة “البيت” عن نص قصير رائع للكاتب السوري زكريا تامر في العام 1974. حصل الكتاب على جائزة معرض ليبزيغ الدولي للكتاب قبل وحدة الألمانيتين.  ولم يقتصر دور د. محجوب على ذلك، بل تعداه لكتابة قصص الأطفال التي شاء لها أن تكرس المفاهيم التي طرحتها فلسفة التربية للشعب الفلسطيني، مثل قصة “جزيرة الضياع” التي تشجع الاعتماد على النفس والمبادرة والمخاطرة والشجاعة. كما كتب شعراً للأطفال وأخص بالذكر قصيدة “الحمار” التي لحّنها الفنان بول مطر. واهتمام محجوب بالحمار لا يبعد عن اهتمام محمود درويش بالحمار، فهو العنيد الصبور، الذي يعرف طريقه جيداً نحو الهدف، لا يثنيه شيء عن ذلك، وهو القائد الذي يستطيع أن يقود قافلة من الجمال بسلام في صحراء الجفاف لتصل إلى شط الأمان”.

وتضيف روز بأن “فلسفة التربية للشعب الفلسطيني، التي أسست لكافة الأنشطة التي قام بها مركز التخطيط الفلسطيني، كانت من أهم ما تم إنجازه لوضع رؤية تربوية تكون منطلقاً لما سيتم ترجمته عملياً في المجال التربوي الفلسطيني.وقد عملت مجموعة من الفلسطينيين التربويين والملتزمين بالقضية، وممثلين عن قطاعات مختلفة، في وضع هذه الرؤية، نذكر منهم الدكتور نبيل شعث، الدكتور ابراهيم أبو لغد، الدكتور الشهيد حنا ميخائيل (أبو عمر) ، عبد الفتاح القلقيلي (أبو نائل)، الدكتور نبيل بدران، الدكتور راجي مصلح. وكانت هذه الرؤيا الأساس لوضع فلسفة التربية للشعب الفلسطيني. كانت هذه أول محاولة جدية لتحديد القيم التي نريد أن يتحلى بها أطفالنا وفتياننا وفتياتنا في المستقبل. ولكوننا شعب مقتلع من أرضه، ولأن أطفالنا كانوا يدرسون في مدارس غير فلسطينية، ولا يعرفون إلا ما ترويه لهم أمهاتهم أو جداتهم عن فلسطين، كان من الضروري أن يتم وضع القيم الانسانية والنضالية التي تعمل على تطور الفرد وتنميته دون الانفصال عن الروح الجمعية والتطوعية. ومن هنا جاءت فكرة رياض الأطفال التي تبناها مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي كان لي شرف متابعتها منذ تأسيسها في العام 1973 وشاركتني زميلتي سميرة خوري في وضع منهاج لتدريب مربيات الروضات، ومنهاج للروضات.وإنطلاقاً من هذه الرؤية أيضاً، قام المركز بالاهتمام بالفئة العمرية في المرحلة الابتدائية والإعدادية، ووضع المنطلقات الأساسية لتطوير مناهج الزهرات والأشبال، ومن ضمنه، تم إعداد منهاج لتاريخ وجغرافيا فلسطين ليتم استخدامه مع هذه الفئة العمرية. ولنفس السبب، انطلقت فكرة أدب الطفل الفلسطيني، الذي عملت عليه بداية نبيلة برير ، التي استشهدت في الحرب الأهلية في بيروت. ورغم أن الدكتور محجوب كان واحداً من أركان القسم السياسي الرئيسيين مع منير شفيق والدكتور نبيل شعث، مدير المركز، إلا أنه كان مطلاً على كل هذه التطبيقات العملية المنطلقة من فلسفة التربية للشعب الفلسطيني، ومستندة إليها”.

محجوب من الانتفاضة الفلسطينية إلى الربيع العربي

مع سقوط الاتحاد السوفياتي (25 ديسمبر 1991) لا بل منذ غزو صدام للكويت (2 آب 1990) ومنذ انطلاق الهجرة اليهودية السوفياتية باتجاه الكيان الصهيوني، كان لمحجوب دور بارز وكبير (مع منير شفيق) في رسم صورة واضحة وسياسات صحيحة لمواجهة المرحلة..

في مداخلة له في منتدى “مناقشة أزمة الخليج ومنعكاساتها الإقليمية والعربية والدولية” الذي انعقد بين 13 و17 يناير 1991 في ليماسول- قبرص بدعوة من مجلة “الاتجاه”، طرح محجوب قراءة عميقة للواقع العربي رصد فيها عوامل التغيير على الأصعدة الثلاثة (العربية والإقليمية والدولية) وارتباطها ببعضها البعض، وتدخل عوامل العفوية والتطور غير المتكافئ-والتناقضات التي تولّدها-في رسم المعطيات الراهنة والمستقبلية، في عالم يحكمه النظام الدولي الجديد بما يعنيه من خطر السيطرة الخارجية على القرار المحلي، كما تحكمه مفاهيم الحرية وحقوق الانسان والانفتاح على المحيط والتفاعل الايجابي مع العالم…وهو يرى في هذه المفاهيم سلاحاً لا بد أن يمسك به الانسان العربي للخروج من أزمته والسير نحو الوحدة أي نحو الهدف المنطقي الذي يرتسم في أفق العالم العربي بالرغم مما خلفته عهود ماضية من ظلم وإحباط بتعاملها الفوقي القاهر مع فكرة الوحدة.. فبناء هذا الصرح يبدأ في نظر محجوب من قاعدة الهرم، ويعتمد على اكتساب استقلالية حقيقية على مختلف المستويات، تتبلور في احترام حقوق الفرد والجماعة والأمة والوطن…

ويؤكد محجوب في ورقته هذه اقتناعه “بالوجود العربي وهو وجود لا يتعارض مع الهويات القطرية كما لا يتناقض مع الهوية الإسلامية، فالأولى (الهويات القطرية) هي من مكوناته، والثانية (الهوية الإسلامية) هي مصدره ومجاله وحافظته التاريخية.. العروبة باختصار هي الأرض واللغة، وهذان ثابتان مستقران..”.

يقول الصحفي محمد حمدي (الأهرام) : “فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى وأثناء عملي فى صحيفة الشعب (التابعة لحزب العمل القريب من الإخوان المسلمين) ذهبت إلى محافظة المنيا لإجراء تحقيق صحفي حول الجماعة الإسلامية فى المدينة وجامعتها، حيث جمعني لقاء أول وأخير مع محمد الإسلامبولي شقيق خالد الإسلامبولي فى أرض المولد معقل الجماعة الإسلامية بالمدينة، كان الإسلامبولي يقف بين الآلاف من أنصاره زعيماً لا يشق له غبار والكل يأتمر بأمره، وبعد اللقاء جلست أتجاذب أطراف الحديث مع أعضاء الجماعة ولفت انتباهي إعجابهم الكبير جداً “بالكاتب الإسلامى الدكتور محجوب عمر” الذي كان يكتب الصفحة الأخيرة فى جريدة الشعب. حينما عدت إلى القاهرة أبلغت الدكتور محجوب عمر بإعجاب أعضاء الجماعة الإسلامية بكتاباته باعتباره كاتباً إسلامياً مميزاً، فضحك ضحكة ذات مغزى، فما لم يعرفه الإسلاميون المتشددون فى صعيد مصر أن من وصفوه بالكاتب الإسلامي هو مسيحي مصري له أصول صعيدية، واسمه الحقيقى رؤوف نظمى، أما محجوب عمر فهو اسمه الحركي فى الحزب الشيوعي المصري وفي حركة فتح التي انضم لها بعد ذلك!”..

وفي 21 تموز/يوليو 2001 يكتب محمد عمارة في جريدة الشرق الأوسط عن محجوب عمر تحت عنوان “عندما يعتبر المسيحي العربي أن الإسلام مرجعية الأمة”، وينقل في مقاله هذا كلاماً قاله الدكتور محجوب أو كتبه قبل ذلك بسنوات يقول فيه:  «اذا كان هناك خلاف بين الإسلاميين والعلمانيين فهو خلاف صادر عن الاختلاف في المرجعية، وهو خلاف في الأصول لأن قسماً من العلمانيين لا يعترف بأن الإسلام هو المرجع، وهذا الخلاف هو خلاف بين النخبة، أما الأمة فمرجعيتها واحدة وهي الإسلام، بما له من تراث وعقائد وأصول.. والأساس هو أن يكون للأمة مرجعية واحدة فإذا كانت الأمة إسلامية فمرجعيتها الإسلام، واذا كانت كونفوشيوسية فمرجعيتها الكونفوشيوسية..  إن آخر كلام كتبه «ياسوهيرو ناكاسوني» ست صفحات عن مواجهة المستقبل، ثلاث منها يدعو فيها العالم الى أن يأتوا الى اليابان كي يتعلموا فلسفة اليابان، أي المرجعية العقائدية التي تحقق التماسك لأمة اليابان. ومهما قالت أوروبا عن مرجعيتها انها علمانية فهي مسيحية، حتى الفلسفة الماركسية صدرت من تحت عباءة الفلسفة المسيحية. وبالنسبة لنا، المطلوب أن نعود الى مرجعيتنا، والنداء ليس موجهاً الى النخبة، لتتناقش في حكاية المرجعية: إسلام؟ أو لا إسلام؟ إن أغلبية الأمة مسلمون والمطلوب هو توجيه الجهود للعمل مع الأغلبية التي لا تزال على مرجعيتها التاريخية، على تراثها الحضاري، على عقيدتها. نحن لدينا دستور يقول: إن دين الدولة هو الإسلام وكافة مواد القانون تكون في حدود الشريعة، والمطلوب فقط ترويج هذا الفهم لاطلاق طاقات الابداع في المشروع الحضاري.. اذن الامر لا يحتمل مناقشة… الناس كلها مسلمة، والذي يشاهد مظاهر رمضان ومظاهر يوم الجمعة ومظاهر يوم العيد صباحاً، يدرك أن المسائل لا تحتاج الى مناقشة. فنحن ـ النخبة ـ الذين بعدنا عن القافلة، وها نحن نعود، فكيف نلحق لنستقل القطار؟ هذه مشكلة نخبة، مشكلة أقلية، أما أغلبية المجتمع فهي أغلبية مسلمة، على عقيدتها، وعلى صلتها بالشريعة، نحن اذن مضطرون، حتى لأسباب «براجماتية» حتى لو كنا انتهازيين، أن نخاطب الناس بلغتهم.. لقد كان عبد الله النديم ومحمد عبده حزباً وطنياً، كانوا حزب الأمة، لكن كانوا مسلمين، كانت مرجعيتهم الإسلام، كاملة دون تردد، واذا كانت المرجعية الإسلامية هي مرجعية الجميع تنتهي المشكلة.. فالمطلوب أن يكون مشروعنا حضارياً، من حضارتنا، وحضارتنا إسلامية، فالمطلوب أن يكون الإسلام هو المرجعية العامة للجميع».

عُرف محجوب بقربه من القائدين التاريخيين أبو عمار وأبو جهاد وحبه لهما وانهماكه الدائم في توفير شروط شرح وتعميم خطهما الفتحاوي الأصيل.. وهو كان يرى فيهما عكازتي فلسطين والمقاومة والتحرير ويرفض كل دعوات التخوين والتشهير ليس فقط ضدهما بل ضد أي كان حتى أولئك الذي اختلفنا معهم واستخدموا التخوين والتشهير وصولاً إلى القتل.. فمحجوب هو صاحب نظرية “تغليب التناقض الرئيسي على كل التناقضات الثانوية”، و”كل البنادق نحو العدو: و”وحدة- صراع- وحدة” و”التضامن العربي” والتفاعل مع الناس واحترام آراء الجميع، وممارسة الحوار والنقد الذاتي…

في 3 آب 1978 سقط رفيقه وصديقه (ورفيقنا الحبيب) عز الدين قلق ممثل فلسطين في باريس على أيدي عصابة أبو نضال.. وقبله وبعده سقط العديد من قادة وكوادر حركة فتح في سلسلة اغتيالات نفذها أبو نضال لمصلحة دول عربية مختلفة (سوريا والعراق وليبيا) وصبت كلها بالتأكيد في خدمة مصلحة العدو الصهيوني.. يومها كتب محجوب كراسة بعنوان : “عز الدين قلق: الكلمة والبندقية” نشرتها مجلة شؤون فلسطينية (العدد 83، تشرين الأول/أكتوبر 1978) جعل لها عنواناً ثانوياً يقول: “في أن الكلمة الحرة هي الكلمة المسؤولة وإلا اصابت في مقتل وحصدت خيرة الشباب”… يقول محجوب في كلمته الرائعة تلك بأن الجميع كان يتوقع ما حدث “حتى أن عز الدين نفسه كتب رسالة من صورتين على ورق”… “ولا يعفينا هذا كله من أن نقر بمسؤوليتنا جميعاً: إننا لم نناضل بالدرجة الكافية ضد الأفكار القديمة”.. “بسطاء الناس في بلادنا يعرفون قيمة البندقية ويعرفون أن من يملك بندقية يجب أن يملك لسانه معها وإلا صار أضحوكة الآخرين..ويعرفون أن للبندقية تقاليدها وحقوقها وواجباتها ومسلكيتها..يعرفون أن البندقية في يد الأطفال تقتل وفي يد العقلاء تصون”… “لقد تعوَّد البعض قبل البندقية أن يجمع الأعداء في سلة واحدة ويرجمها بالكلمات.. وما أسهل أن تصف الأعداء جميعاً في سطر واحد أو فقرة واحدة في مقال أو كتاب ثم تنهال عليهم بالنعوت واللعنات… ولكن البندقية لا تستطيع”.. “إن البعض في قديم الزمان وحديثه تعود حرفة الكلام والكلام كما يقول بسطاء الناس يزداد كلما مضغته ويكبر كلما ابتل بريق الفم فما بالكم ببريق الدنانير؟ والكلمة تجريد، والانتقال من التجريد الى التجريد سهل، فإن كنت مخالفاً في الرأي فأنت “مضلَّل”، وإن كنت مضلَّلاً فأنت “منحرف”، وإن كنت منحرفاً فأنت “انتهازي”، وإن كنت انتهازياً فأنت “تصب الحب في طاحونة الأعداء”، فأنت “جاسوس” أو “عميل”..وللتبسيط، إن كنت مخالفاً في الرأي فأنت “عميل”.. وهكذا إن كنت عميلاً فأنت عدو وأخطر من الأعداء أنفسهم…والمقياس في كل ذلك هي “ذات” الذي سيصدر عليك الحكم، فيدينك أو يضمك إلى أتباعه.. ولكن اعتماد البندقية شعاراً وخطة لا يتحمل هذه الرفاهية الفكرية والاستمتاع اللفظي. فالرجل الذي يحمل البندقية يعرف أن عليه “إن قال فعل” وإن أدان نفَّذ. وأن الطلقة إن خرجت من بندقيتها هي كالكلمة الصادقة، لا تعود ثانية. وأن الموتى لا يقومون في هذا العصر، وإن قرانا على قبورهم آلاف صفحات النقد الذاتي..لذا لا يتسلى الذين يحملون البنادق بالكلام، ولا يسرعون بالأحكام، ولا يخلطون بين العدو والصديق، ويحترمون القلم و الكلمة كما يحترمون البندقية فيحافظون عليها نظيفة لا تشوبها شائبة، ويعرفون أن هناك فرقاً كبيراً بين البندقية وبين عصا الراعي… والعجيب أن الذين يرمون مخالفيهم في الرأي بتهم العمالة والجاسوسية والاستسلام واليمينية والرجعية فيفتحون بذلك باب رميهم بالرصاص ، يطالبون بأن تسود الساحة علاقات “الحوار الديمقراطي”….. “ثم كيف يمكن تصور إجراء حوار ديمقراطي، أي حوار سينتهي بالتزام، بين من يسوق الاتهامات بالاستسلام والرجعية واليمينية والخيانة والعمالة إلى آخر هذا القاموس، وبين الذين يتهمهم. إن الحوار الديمقراطي هو شكل الصراع الذي ينطلق من وحدة ليؤدي إلى مزيد من الوحدة..أليس القانون كما يكررون هو: وحدة- صراع- وحدة ؟ فأي وحدة هذه التي بين الرجعيين والثوار؟..”.انتهى كلام محجوب… وما أشبه اليوم بالبارحة!!

في 18/2/2004، قلّده الرئيس ياسر عرفات “وسام نجمة القدس الشريف” : “تقديراً وتكريماً لدوره الكبير وفكره القومي الأصيل من أجل تحقيق تطلعات شعبنا الفلسطيني بقيام دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.

وبالأمس ودعه رفاقه في جنازة متواضعة انطلقت من مستشفى فلسطين بالقاهرة حيث حملوا نعشه ملفوفاً بالعلمين المصري والفلسطيني..

وخلال اليومين الماضيين تدفق رفاق دربه من لبنان وفلسطين إلى منزله في القاهرة ليلتحموا مع زوجته ومع رفاقه وأصدقائه القدامى ومع “أولاد محجوب” وهم عشرات الشباب والصبايا من جيل ميدان التحرير الذين حملوا ابتسامة محجوب وروحه الثورية التفاؤلية وجعلونا نعيد اكتشاف قدرة هذا الرجل العظيم على صنع الانتصار وعلى بث روح الصمود والمثابرة والتفاؤل في اصعب الظروف… منك نتعلم دائماً يا رفيق.. على بابك يا ست.. أنا ع الباب
محسوبك وأنا.. من يومى وأنا
أشرق أغرب.. أبعد أقرب
أطلع جبال.. أنزل هنا
أرقد فى جوف الأرض للدود وانحنى
يقف على رأسى جحر يشهد على عشقى
محسوب ولد محسوب
للست والأحباب
وكأنه كان مكتوب
أطلع أنا المحسوب
من يومى وأكون ع البابقف على رأسى جحر يشهد على عشقى
محسوب ولد محسوب
للست والأحباب
وكأنه كان مكتوب
أطلع أنا المحسوب
من يومى وأكون ع الباب

Advertisements