ميشيل كيلو- سوريا

يحار سوريون كثيرون في فهم ما جرى لبلادهم. وبما أنهم لا يجدون مسوغات لسلوك النظام الحربي ضد شعبهم، فإنهم يتهمون أهل السلطة بالجنون تارة، وبنقص الوطنية أو الخبرة تارة أخرى، ولا يكفون عن طرح سؤال يحيرهم: ما هذا الجنون الذي يعتمده الحكام وما أسبابه؟

هذا السؤال تحدى أيضا المهتمين والعارفين بالشأن السوري، بمن في ذلك مفكرون وكتاب كبار، يتبادلون طرح هذا السؤال الصعب على بعضهم البعض، حين يتحادثون بالهاتف أو يلتقون. لماذا حدث ما تعيشه بلادنا اليوم؟ ولماذا لم يكن يخطر لنا ما عاشته خلال العامين الماضيين على بال؟ ولماذا لم نصدق أنه يحدث فعلا حتى بعد قيام الثورة بفترة غير قصيرة؟

سأضع نفسي في مكان أهل السلطة، لإيجاد مقاربة معقولة للطريقة التي اعتمدوها في فهم الحدث السوري ومعالجته. أعتقد أن الرئيس وطاقمه القيادي والاستشاري فهموا العلاقة بينهم وبين الشعب على نحو جعلهم يقررون نمط سلوكهم الحالي، الذي قام منذ البداية على اللجوء إلى قدر أقصى من العنف، أرادوا له أن يكون رادعا إلى أبعد حد يمكن تصوره. وأعتقد أن الرئيس وجماعته كانوا على ثقة من أنه لن تكون هناك ثورة في سوريا، وأن عدد من سينزل إلى الشارع من السوريين لن يكون كبيرا في جميع الأحوال، لذلك سيكفي لإعادته إلى رشده قدر صاعق ومفرط من القوة، بالإضافة إلى اتهامه بالعمالة للأجنبي في الخارج، وللإسلاميين في الداخل. أما العنف، فهو سيعيدهم إلى رشدهم وسيجعلهم يدركون أن المسألة لا تحتمل المزاح، وأن النظام لن يحجم عن فعل أي شيء لقمع وقتل من يتظاهر منهم، بينما ستكفي تهمة العمالة لإقناع السوريين عموما بأن عقوبة من يتظاهر منهم هي الإعدام.

وقد قال الأسد شيئا من هذا قبيل الثورة، عندما نفى أن يكون هناك خطر ثورة من الطراز التونسي أو المصري في سوريا، وأشار إلى وجود تطابق بين النظام والسوريين في الوطنية والممانعة، وانتفاء التذمر في البلاد. في ظني أن الرئيس كان يفكر على النحو التالي: لدينا من أصل 23 مليون سوري نيف ومليون مواطن في الأمن والجيش والشبيحة، وقرابة ثلاثة ملايين في الحزب والجبهة الوطنية التقدمية، وملايين الشباب في المنظمات الطلابية الشبابية المختلفة، بينما تم تأطير الشعب كله في «منظمات شعبية» تخضع لرقابة أمنية دائمة، وتخترق المجتمع تكوينات موالية للنظام تنقل إليه كل شاردة وواردة فيه، فمن أين ستأتي الثورة، إن كان لا يوجد شعب في سوريا، وكانت المعارضة ضعيفة ومتهالكة، والمواطنون بلا خبرة سياسية، ولا يشكلون كتلة واحدة أو كتلا متقاربة أو متشابهة، بل جماعات مشتتة لا يربط بينها رابط؟ لن تكون هناك ثورة، بل أعمال شغب متفرقة في أسوأ الأحوال، وهذه لن يخاطر بالانخراط فيها غير قلة من المتأدلجين المذهبيين، الذين سيبتعد الشعب عنهم بمجرد أن نسميها كجهة تحركهم ونتهمهم بالعمالة. لن تكون هناك ثورة، وقد لا تكون هناك أعمال شغب، فلنكن مطمئنين إلى أن سوريا ليست ولن تكون تونس أو مصر أو اليمن. إنها بلاد لا شعب فيها، ينضوي مواطنوها ضمن النظام وتنظيماته، ويعيشون ويموتون تحت أعين أجهزته الأمنية الساهرة ليلا ونهارا!

نشبت الثورة في منطقة طرفية يديرها أقوى تنظيم حزبي بعثي، هي حوران، فعالجها النظام كما كان قد قرر أن يعالج أي تحرك احتجاجي: بأقصى عنف ممكن، وبوصفها حراكا إسلاميا وعميلا تقوم به قلة لا شأن لها. هل أخطأ العقل الأمني القمعي، ولم يفهم معنى أن يكون بين شهداء الثورة الأولى ثمانية بعثيين شاركوا في المظاهرات واقتحام قصر المحافظ ومقر عاطف نجيب، مدير الأمن السياسي، الذي كان قد اعتقل وعذب أطفال درعا وأهان وجهاءها المطالبين بوضعهم في السجن مقابل إطلاق سراح أبنائهم؟ لا أهمية اليوم لهذا السؤال. ومن الأهمية بمكان متابعة ظاهرة لم تكن تخطر ببال أهل السلطة، هي تشكل شعب سوري جديد منفصل عن النظام، في إطار حاضنة كانت مغيبة تماما هي الحرية، حامل الثورة الحقيقي والحافز المعنوي الذي مكن الشعب من الصمود أمام آلة القتل الرهيبة طيلة قرابة عامين، علما بأن انبعاث الشعب السوري في إطار المطالبة بالحرية وضعه منذ لحظات الصراع الأولى خارج عالم السلطة، وأخرجها من عالمه وجعله يعاملها كاستعمار داخلي تكتسب المعركة ضده طابعا وطنيا يتخطى أي سياسات حزبية أو محلية. هذه الحقيقة عمقت شعور السوريين بوطنيتهم المجتمعية الحرة، التي حلت محل وطنية زائفة فرضتها السلطة عليهم كي تضمن استسلامهم لها. هنا يكمن، في اعتقادي، السبب في ظاهرة مهمة جدا تتلخص في حقيقة أن هذه الوطنية الحرة هي التي حالت دون زج الشعب فيما سعى النظام إليه من صراع طائفي واقتتال أهلي، وأن أعدادا هائلة من المواطنين السوريين يدافعون عن أنفسهم منذ عام ونيف دون أن ينزلقوا إلى هوة الاقتتال مع من يختلفون عنهم في الدين أو المذهب أو الموقف السياسي أو الانتماء القومي.

هذه الوطنية الجامعة، التي صمدت أمام آلة القتل وسياسات التحريض والشحن والتعبئة الطائفية، كانت المفاجأة التي واجهها النظام وعجز عن فهم معناها أو امتلاك القدرة على مواجهتها، رغم أنه اندفع إلى قتالها كثور هائج يريد كبحها، بيد أنه لم يحقق شيئا غير كسر قرنيه وجعلها أصلب عودا وأكثر قوة واستعدادا للعيش، وقدرة على دحره قرية بعد أخرى، ومدينة بعد مدينة، وشارعا بعد شارع. في هذه النقطة بالذات تكمن غلطة النظام الاستراتيجية، التي لن يتمكن من تصحيحها حتى إن أخمد الحراك والمقاومة. وفي هذه النقطة يكمن تفوق الشعب، الذي كسب المعركة على الصعيد الاستراتيجي رغم ما كابده من خسائر تكتيكية أوهمت أرباب السلطة أنها ستكسبهم المعركة، رغم أنهم كانوا يتعرضون لهزيمة استراتيجية بدءا من اليوم الذي هتفت فيه دوما: «يا درعا نحنا معاكي للموت»، وحمص: «يا دوما نحنا معاكي للموت»، ودير الزور: «يا حمص نحنا معاكي للموت»، وحماه: «يا دير الزور نحنا معاكي للموت»… وهكذا دواليك في كل شبر من أرض سوريا تسابق مواطنوها لافتداء بقية مكونات الوطنية المجتمعية الجديدة بحياتهم.

كان أحد الحكماء يقول: في حياة كل شخص غلطة إن هو اقترفها ضيع نفسه وعجز عن الخروج منها. هذه الغلطة اقترفها النظام عندما عجز عن فهم احتمالات وممكنات الواقع السوري، وتبنى نهجا عنيفا لم يكن أي سوري يصدق أنه قد يمارسه ضد الشعب. إنها الغلطة القاتلة التي لا يمكن إصلاح نتائجها، والتي ستقضي حتما عليه، والتي نزعت عنه أي صفة وطنية أو مجتمعية أو سياسية، وألغت جميع مسوغات وجوده.

Advertisements