كريستيان غازي… مئة حياة وحياة متخيلة في صورة سيرة
وضاح شرارة
C17

لم يلق الكاهن الناحل الطويل، صاحب الوجه الدقيق والقسمات الهادئة والمتأملة والصوت الواضح النبرة من غير جهورية، عسراً في إدخال كريستيان غازي (1934-2013)، على ما أنبأ مستطيل نحاسي ألصق بالنعش المسجى بحيال المذبح بين صفي المقاعد الخشبية في كنيسة سيدة الوردية في دار أبيه، الآب، وأولاده. ولم تعزه الحجة، لا من الاناجيل، ولا من رسالة الرسول بولس الى اهل كورنثوس، ولا من سيرة الصديق الراحل. فنوه بانتصاره للفلسطينيين المظلومين، ومدح جمال صوته وغناءَه سموَّ الكائنات والمخلوقات، وأشاد بسعيه الدؤوب في معرفة الناس وصداقتهم ومحبتهم. وجمع هذا في باب انجيلي هو “الولادة الجديدة”، بالروح، وعارضها بالولادة بالجسد وتقادمها، وأيلولتها لا محالة الى المرض والموت وانحسار الرجاء وقضائها في الحياة بالعبث والبدد.
ولا أعلم، وأنا مصغ الى الكاهن يؤبن كريستيان الساعة الثالثة والنصف من الاحد في 15 كانون الاول، من اين استقى الكاهن الخطيب، وهو أحد أربعة رهبان تناوبوا على قراءات من غير ذبيحة إلهية، بعض معالم سيرة الرجل الذي يؤبنون. والحق ان هذا شأن ثانوي. فما يتكلم فيه الكاهن، ويخاطب به الاحياء والحضور فوق ما يتوسل به الى تدوين سيرة امرءٍ قضى، انما هو دعوته: الى اعتقاد ابوة الآب وعموميتها ورحابتها وخلوها من الاشتراط، صاحبنا، والى الفيء اليها وتعليق الرجاء عليها وترك القنوط منها. ولا تعدم مثل هذه الدعوة المجربة موافقات بين رسمها العام وبين رسوم حيوات وسير إنسية عادية واستثنائية. وقد يعجب السامع وهو يرى الكاهن يتناول من حوادث سيرة صاحبنا أو وقائعها قرينة مشهورة عن ميله الفلسطيني، هي أحد أشرطته السينمائية، “فدائيون”، أو وسم الشريط، فيترجمها انعطافاً الى المتألمين والضعفاء والمشردين.
وأياً كان رأي المستمع في تأويل الكاهن اليقظ، والراغب رغبة قوية في مخاطبة الجمهور وهو على دراية ببعض الحاضرين أو يحدس فيمن قد يكون بعضهم هذا، لا ريب في ان الخطيب رجح تأويلاً على آخر، أو على تأويلات كثيرة أخرى. وإذا حاولت، أنا اليوم، الادلاء برأيي فيما دعا كريستيان غازي في الثلث الاخير من الستينات الى الانضواء تحت لواء الحركة الفلسطينية الوطنية، السياسية والمسلحة معاً ومن غير تمييز تقريباً، لاحترت طبعاً في تعليل الدواعي وإحصائها وترتيبها. وربما يسع واحدنا- وكريستيان نفسه لو كان بيننا، شأنه قبل نحو ثلاثة أشهر يوم التقينا وغنينا أغاني بذيئة من زمن مضى كناية عن ذلك الزمن من غير الإلماح اليه “بالاسم” ولا التوسع في تقصي وجوهه- النعي على “تحزب” تأويل الكاهن، وظن الميل والهوى فيه. والمقارنة السريعة بين مقالات كريستيان وأصحابه يومها وبين مقالة التأبين المسيحية الانجيلية (المارونية) غداة نحو أربعين سنة مضت على المقالات، قد تحمل من يقارن ويتذكر، شأني، الى تحفظ مشفق، لا يخلو من العجب ولا من التردد والحيرة.
وأما التحفظ فالباعث عليه واضح وظاهر. فالمقالات الفلسطينية، السياسية (” القومية” والوطنية) والمسلحة، كانت تستظهر بالمسوغات التي استظهرت بها مثيلاتها في حركات التحرر، على ما سمت نفسها وسميت. وهذه المسوغات هي رد العدوان الصهيوني، ورفع السيطرة والتسلط الغربيين والاستعماريين، واستعادة المغتصب والمصادر، وجمع الشتيت الفلسطيني على أرضه، ومؤازرة الشقيق العربي والحليف الاشتراكي على مُفرِّقه ومناوئه. وترتبت على هذه المسوغات النتائج المعروفة، من تجويز القتل والدمار في أحوال الضرورة وفي غير أحوالها، وتقديم المعايير العامة والجمعية المغفلة على أحكام العمل الفردية والشخصية، الاخلاقية والحقوقية والمهنية، الى تحكيم الفروق وموازين الغلبة والمصالح المباشرة والضيقة في الأحلاف والخلافات. وهذه ليست معايير العمل المسيحية السائرة، وجه الضبط. وإذا ذهب بعض كهنة أو رهبان اميركا اللاتينية الكاثوليك الى تسويغ ثورة الفلاحين العراة والأقنان على سلطان المتربعين المتعجرفين والانانيين في سدة الملك والثراء والأمر، فقلما باشر هؤلاء القتال باليد، الى مباشرته باللسان والرد على انحياز كنيسة متخمة الى المتخمين المتجبرين.
وأما الحيرة، وهي فوق التردد وأبعد منه، فمردها الى مراودة تشكك مبهم خارجٍ من ركام الصور والكلمات والاوضاع والايماءات الكريستيانية، ما حسبته (أنه) كريستيان غازي، وما ثبت على تشابه شديد الاضطراب أنه قد يكون كريستيان غازي فحضرني غداء الى مائدة مادونا (غازي، من طريق الزواج، ومجدلاني، من طريق الولادة) وكريستيان، في منتصف الستينات تماماً، تصدره جان عزيز، الكولونيل على قول ابنه الثلاثيني يومها، غازي وزوجه، أم كريستيان (أم جيلبير الديبلوماسي) الفرنسية. ولم تكن صدارة الاب، نائب فؤاد شهاب على قيادة الجيش قبل إقالته في مطلع الخمسينات، صورية أو شكلية. فهو كان صدراً عريضاً ومتين العضل، تعلوه رأسٍ رومانية القسمات فقد أعلاها لمة شعره ولم تخلف نقصاً أو فقراً، فكمال الرأس أقرها على حالها وعبارتها. وكلام الكولونيل على المثال إياه، يخرج بطيئاً، مسكوكاً ومتصلاً، يطوي إيجابه شكه ونفيه. والمرأة الأم قبالته، ناحلة القوام، ويصح فيها ما كان كريستيان يقول في والده:” ليس فيه درهم دهن”. وعلى خلاف الكولونيل، نُحتت المرأة أو قدت في الرهافة واللطافة. والقول “على خلاف” لا محل له، والمقايسة لا تصح في الاثنين. فهما تامان، الواحد على حدة من الآخر.
وقلب توسط جان عزيز غازي المائدة وزوجته في مقابلته، ما عهدته حجرة الطعام والاستقبال والمعيشة في بيت مادونا وكريستيان (وميشال وهدى، قبل ولادة كارل) من ضحك وغناء وكلام وجلوس ووقوف ومخاطبات بالحركات وطريقة طعام وشراب. فخيمت على الحجرة رزانة لا تكلف فيها، أقرت أشياء الحجرة وأقرتنا معها، على افتراق وانفصال آمنين، وردّتها وردتنا الى دواخل وطوايا حارة و”حالمة”، على قول الشاعر المُغنَّى (“كل هذه الاشياء الوحيدة/تحلم بك و هي تنتظرك”). وكأن كريستيان آخر (ومادونا أخرى) خرج من طوره الهائج والمائج، والمتناثر والمجتمع، والصارخ والهامس، والراقص والقاعد، والمقهقه والمحدق الى طور الابن الولد المنكفئ على حده، وعلى حده الذي رسمه النسب. وكان الكولونيل ابتدأ الجلوس الى المائدة بصلاة التثليث القصيرة وعلامته. ومن غير كلمة واحدة في “الدين”، طيلة الجلوس، كان ظاهراً وقاطعاً ان السيدة والسيد مؤمنان، وأن مسيحيتهما، يقينهما ورجاءهما، وجه راجح من علاقتهما وشراكتهما.
وكريستيان يصدع بذلك كله، و”يعود” ابناً لرجل وامرأة، ويجلس الى مائدتهما، في بيته ومنزله وبين أولاده وبعض أصحابه. ويوجه كلامه الى الكولونيل العسكري الفرنسي، واللبناني الماروني الرجعي، وخريج مدرسة الحرب بسان سير، والعاقد على فرنسية بورجوازية كاللاتي غناهن جاك بريل (مغني كريستيان ومادونا الاثير مع ليو فيريه طبعاً)، وروى بول بورجيه بعض قصصهن في مقتبل القرن العشرين- وهو والد بنتين وطفل ذكر سماه متيمناً بالنبي ماركس، فيقول له: “بابا” (على نحو قولهم بابا نويل، وليس حلويات البابا) من غير خشوع ولكن بتأدب لا يخطئ الشاهد تعرفه صدى من اصداء طفولة لم تأفل ولا تزال حية في صدر المكتهل.
فعندما نوه الكاهن أمام النعش المسجى، وحضور يساري وفلسطيني وبقية عائلية من شجرة مادونا على الارجح، بنازع مسيحي ربما دعا كريستيان الى اعتناق ايمان فلسطيني والى ميل ثوري قلبه الصديق على وجوهه كلها، غريبها وأليفها- بادرتُ الى الاستهجان والانكار وبعض السخرية، على عادة قديمة لا يبرأ الواحد منها بيسر. ولكن “تحرك” صور كريستيان الكثيرة، والبعيدة من الانسجام والاتفاق، حمل على التروي والسؤال (أو المسألة): ألم أكن شاهداً على كريستيان في حضرة الكولونيل جان عزيز غازي الروماني وزوجه البعيدة والملائكية الطيفية؟ ألم أره الولد المتأدب والمهذب والناعم والحنون؟ ألم يتخلص في لحظة لا تدرك من خليطه الفوضوي والأوبرالي والراقص والدامع؟ أليس هو من زارني مرة، وفي صحبته شابة فرنسية جميلة وشهية، كما لا ينبغي لامرأة أن تكون، أرملة مظلي قتل في حرب الجزائر القريبة يومها، جاءت في رحلة طويلة زادها فيها فتنتها، فأخذ كريستيان، على شاكلة السامري الطيب، يرجوها ان ترجع الى بلدها، وأن تعتاش من عمل موصوف ولا تنقاد للمصادفات الكثيرة الطارئة من غير بقية؟
وأنا لا أريد عمادة كريستيان مرة اخرى. ولا عذر لي إذا فعلت، ولست بفاعل. ولكن صاحب “مئة وجه ليوم واحد”، وهو ربما أراد بوسم فيلمه الروائي (الوحيد؟) الانكار والثلب والنقد، على ما كان ليقول في فرنسيته القح، كان صاحب مئة سيرة وسيرة في حياة تحمل اسم رجل واحد، وهو روى سيرته هذه امام عدسة كاميرا ومسجلة، أو روى إحدى سيره المتخيلة والحقيقية نصف المتخيلة ونصف الحقيقية كلون عيني سوان في مطلع “ملحمة” مارسيل بروست، “نصفٌ ذاكرة نصفٌ نسيان”- فإذا بها لا تشبه ولا شبهاً طفيفاً ولا بعيداً ما رواه وروته مادونا ورواه من عرفه طيلة سنين كثيرة قبل أن أخالط دائرة صحبه وزملائه. فأراد في سيرته “الرسمية”، وهي ما تراوته صحافة سقيمة أو كسولة وقاعدة غداة وفاته، أن يخلف وراءه رسم بطل محلمي، استفاق، شأن أبيه على ما روى، على “فلسطين” ومعانيها المعاصرة والدارسة. ولا يدرك الواحد، وفي المعرض هذا الواحد هو أنا، ولا يعلل كيف يسع رجلاً علنياً تدل آثاره الكثيرة على معالم سيرته وتثبتها من غير خلاف، الاسترسال وراء قصص اسطوري قوي الشبه بالسير الشعبية والفروسية المعروفة. فيلاعب الكالاشنيكوف محل الأسنة، ويستبيح حمى العدو في غفلة ليس عن راداراته بل عن جرائه النابحة، ويصول في البلاد المحتلة ويعود غانماً لا خدش في جسده. ولا ينبغي للمستمع أو للمشاهد أن يشك في صدق انفعالات كريستيان الراوي وصاحب الخبر. فهو لو فعل حقيقة ما يروي لما اختلف الامر في شيء، ولالتمعت عيناه بضوء دمع رقيق، ووارى بالالتماعة وبصوت عميق وحار، من لجة الصدر وقرارة الحنجرة، حناناً مشبوباً وصاخباً يحل في كريستيان ويتلبسه، ويصيبه بالدوران، ويتركه مرهقاً وعلى حد الاختناق.
ولم تكن حاله هذه وقفاً على “فلسطين”. ففي موقف الصداقة والألم والشرب والمغازلة والغناء والشعر والقنوط والاعجاب والاشتهاء والسماع والسياسة، وفي اشراقاتها جميعاً، كان كريستيان يجمع ما يقوى على قوله وإبلاغه وما لا طاقة له عليه أو على “تثبيت دواره الكثير”. وهو حاول مداراة جموحه الى اقاصي أهواء تعصف به، أراد قولها في شعره السري، فتفتقت عن وجوه منحوته في الغرانيت البارد والأملس وتختزن، على أمل ورجاء، حياة هوى، متلظية ودفينة. فتغمر الرؤى والأخيلة كلامه ومحاورته ومقالاته، وتؤاتي أخباره وقصصه حيوات كثيرة، بعضها “عاشها” عاشق هائل العشق، وبعضها “عاشها” صديق عظيم الصداقة، وبعضها الثالث سعى في مناكبها وتقلب بين أظهرها مناضل لا تسع العوالم شفقته ورأفته وألمه وبلاءه. وحيث كان كريستيان، وهو أقام عقوداً في بلاده هذه، لا تتناقض الافعال والروايات والاحكام، ولا يدفع بعضها بعضاً، ولا تترتب على مراتب الصدق والاحتمال والاستحالة. و”التناقضات الداخلية” كانت ديدنه أو ديدن مقالاته وخطابته. فلا الأخيلة تخييل وشطح ولا الوقائع والحوادث مقصورة على ما هي وعلى أكوانها. فلم يعر انتباهاً، وأقنعنا بألا نعير انتباهاً هذا الرفيق الغريب الذي يصوغ في عبارات التوسيرية وسبينوزية، فولاذية المباني والبراهين، أهواء وانتشاءات رامبالدية. فكنا في حضرة رؤاه أعياء ومقيدين ومقعدين، على شاكلة ذلك الاوروبي النازل في قبيلة غابونية افريقية اشهده راقصوها ومحاربوها على رقصهم الحربي. ولم يغره الامر، ولم يدعه الى التعليم والتدريب والدعوة، وهو العارف أن الحياة الحق هي ربما على الدوام هناك أو هنالك، والمنكر أشد الانكار وأقواه نزوحها هذا و”حقها” فيه. فالتقت “ثورته”، الثورة (البروليتارية وثورة مستضعفي الارض ومعدميها والحفاة العراة)، بفكرة الثورة ومثالها المحدثين والمرسلين لا إلى غاية ولا إلى صورة.

Advertisements