مراجعة: د. محمود محارب
رفضت الرواية التاريخية الرسمية الإسرائيلية للصراع العربي – الإسرائيلي ولحرب عام 1948 الاعتراف بجريمة قيام المنظمات العسكرية الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي بطرد الشعب العربي الفلسطيني من وطنه، وادعت أن العرب الفلسطينيين غادروا فلسطين بمحض إرادتهم. واتخذت السلطات الإسرائيلية في سياق تعزيزها لروايتها الرسمية، لا سيما في العقود الأولى لتأسيس إسرائيل، إجراءات قانونية وإدارية أبقت من خلالها على محاضر اجتماعات الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي وجميع المؤسسات الإسرائيلية الأخرى ذات الصلة بطرد الفلسطينيين وارتكاب المجازر بحقهم مغلقة في الأرشيفات الإسرائيلية. وقد كشف تحقيق مهم نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 18 – 5 – 2013، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية ومؤسس إسرائيل دافيد بن غوريون لم يكتف بالدعاية الاعلامية الإسرائيلية التي روجت إلى أكذوبة مغادرة الفلسطينيين وطنهم عام 1948 بمحض إرادتهم، وإنما طلب من معهد شيلواح في عام 1961، على إثر ضغط الرئيس الأميركي جون كنيدي على إسرائيل بقبول عودة جزء من اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، القيام بفبركة “أبحاث أكاديمية” التي تثبت أن:
” أ- قيادات عربية في فلسطين وخارجها وهيئات عربية وفلسطينية شجعت العرب الفلسطينيين على الفرار من فلسطين في حرب عام 1948″.
“ب – الجيوش العربية والمتطوعون العرب ساعدوا الفلسطينيين في الهروب، سواء كان ذلك بإخلائها قرى عربية أو بعلاقاتها السيئة مع الفلسطينيين”.
“ج – الجيش البريطاني ساعد العرب الفلسطينيين في الهرب في العديد من الأماكن”.
“د – مؤسسات ومنظمات يهودية بذلت جهدا لمنع الهروب”1.
وقد استجاب معهد شيلواح لطلب بن غوريون وكلف مجموعة من الباحثين الإسرائيليين القيام بما طلبه بن غوريون بدقة. وكان معهد شيلواح ملائما جدا لتنفيذ ما أراده بن غوريون، فقد أسسته وزارتا الدفاع والخارجية الإسرائيلية بالتعاون مع الجامعة العبرية وعمل به المستشرقون الإسرائيليون الذين كانوا يخدمون أو سبق لهم أن خدموا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وعند تأسيسه في عام 1959 رأسه الرائد في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يتسحاق أورون، وظل هذا المعهد تابعا للجامعة العبرية إلى أن انتقل في عام 1965 لجامعة تل أبيب.
بعد عدة عقود على النكبة ظهرت في إسرائيل بعض الكتب والأبحاث التي اختلفت مع الرواية الرسمية الإسرائيلية بشأن حرب 1948 وبدأت تنتقدها وتكشف شيئا فشيئا تفاصيل عن حرب 1948 التي تتناقض مع الرواية التاريخية الإسرائيلية. ويساهم كتاب الكارثة والنهضة والنكبة في تعزيز هذا النقد للرواية التاريخية الإسرائيلية ويدعو إلى اعتراف إسرائيل بالنكبة التي الحقتها بالشعب الفلسطيني.
يتكون كتاب الكارثة والنهضة والنكبة الذي صدر باللغة العبرية في عام 2013 وجاء في 374 صفحة، من مقدمة ومدخل وأحد عشر فصلا وخاتمة وملحقين. مؤلف الكتاب هو يئير أورون استاذ التاريخ في الجامعة المفتوحة في إسرائيل، وصدر له 20 كتابا اختص قسم منها في حروب الإبادة. عالجت فصول هذا الكتاب: البحث التاريخي الإسرائيلي لحرب 1948، أطراف الصراع في الحرب، اللقاء بين الناجين من الكارثة مع الييشوف اليهودي، الموقف الصهيوني من العرب منذ ظهور الصهيونية وحتى حرب 1948، حضور الكارثة في النكبة، تأثير الكارثة على موقف المقاتلين اليهود من العرب في حرب 1948، المجازر في حرب 1948، النقاش بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين خلال وبعد حرب 1948، الأوراق الحربية: من أبواب فيلنا إلى مدخل اشدود، روايات الحرب ليزهار سميلانسكي، العرب والألمان والكارثة، أخلاق الحرب – نظرة مقارنة.
سعى المؤلف في كتابه إلى تقديم قراءة جديد لما أطلق عليه ثالوث الكارثة والنهضة والنكبة كمواضيع مرتبطة مع بعضها البعض. لم يبحث الكتاب الكارثة أو المحرقة اليهودية، وإنما تمحور في دراسة تأثير الكارثة على الييشوف اليهودي في فلسطين وعلى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لا سيما على حرب 1948. واستند المؤلف إلى مجمل الكتابات التاريخية الإسرائيلية التي عالجت حرب 1948 وإلى الأدب العبري الإسرائيلي الذي انعكست فيه حرب 1948.
أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن إسرائيل بلورت رواية تاريخية وأساطير تأسيسية عن حرب 1948 المرتبطة بالكارثة وبالنهضة، أي بتأسيس إسرائيل. وأبرزت الرواية التاريخية والأساطير الإسرائيلية بطولة الييشسوف اليهودي في فلسطين وكيف انتصرت الأقلية على الأكثرية وتجاهلت “الثقوب السوداء” الكثيرة التي رفضت ولا تزال الرواية التاريخية الإسرائيلية رؤيتها. واعتبر المؤلف أن البحث عن الحقيقة يستوجب رؤية هذه “الثقوب السوداء”، لأنه من غير الممكن الحياة في خداع ذاتي مستمر، ولأن مواجهة الحقيقة و”الثقوب السوداء”، مهما بلغت صعوبتها، تشكل شرطا ضروريا للصحة النفسية الفردية والجماعية،( ص.17). وأشار المؤلف إلى أن إسرائيل وروايتها التاريخية ما زالت ، رغم مرور أكثر من ستة عقود ونيف على النكبة، تتنكر للحقائق التاريخية وتسن قوانين التي تهدف إلى محو ذكرى النكبة، وتحاول منع إجراء أي حوار بين روايتها التاريخية والرواية التاريخية الفلسطينية وتعمل على استمرار فرض وهيمنة روايتها هي، التي تتنكر لمجرد حدوث النكبة. فلا زالت إسرائيل تتنكر إلى أنها طردت الفلسطينيين من أكثر من 532 مدينة وقرية، وأنها قامت بتدمير معظمها الساحق وبتأسيس على أنقاضها كيبوتسات وبلدات ومدن يهودية، وبتوطين مهاجرين يهود في بيوت القرى والمدن الفلسطينية التي أبقت عليها.
عالج المؤلف في الفصل الخامس تأثير الكارثة على الييشوف اليهودي وعلى موقف المقاتلين اليهود تجاه العرب الفلسطينيين في حرب 1948. ذكر المؤلف أن بن غوريون أدرك مدى تأثير الكارثة على الييشوف اليهودي في فلسطين وعلى السعي لإقامة الدولة اليهودية فيها. فمن ناحية قلص قتل ملايين اليهود بشكل كبير جدا من أعداد اليهود الذين قد يهاجرون إلى فلسطين، ولكن أدرك بن غوريون من ناحية أخرى أن العالم الذي اهتز عندما رأى حجم فظائع الكارثة، سيقف إلى جانب الييشوف اليهودي لتحقيق أهدافه. أكد المؤلف أن الكارثة احتلت مكانا مهما في فكر بن غوريون السياسي وفي كيفية استغلالها واستثماها لتحقيق أهداف الصهيونية. فقد استوعب بن غوريون وفق ما ذكره المؤلف الإمكانات العظيمة الكامنة في الكارثة ليس فقط لجهة تأثيرها على العالم في دعم أهداف الصهيونية وتأثيرها على اليهود الناجين من الكارثة في الهجرة إلى فلسطين، وإنما أيضا في تأثيرها على الييشوف اليهودي في تحذيره وإنذاره وشحذ هممه وتعزيز محفزاته للقتال في الحرب ضد الفلسطينيين والعرب لتجنب وقوع كارثة جديدة. فقد أكد بن غوريون مرارا في سياق تعبئته لليشوف ولليهود في العالم “علينا عدم القول أن ما حدث في أوروبا لستة ملايين يهودي لا يمكن أن يحدث ل 650 ألف يهودي في فلسطين… فقد يحدث في فلسطين ما حدث في إوروبا… إذا لم نستعد بجدية ومن دون تسويف”،(ص. 108). استخلص المؤلف أن استعمال بن غوريون للكارثة أثر تأثيرا كبيرا على قيادة الييشوف اليهودي وأفراده وقواته المسلحة، وساهمت ضمن عوامل أخرى في أن يعتبر الييشوف، قيادة ومجتمع، أنه يخوض صراع وجود فإما النصر على الفلسطينيين والعرب أو الموت، فما ينتظر الييشوف في حال هزيمته سيكون شبيه بالكارثة التي لحقت بيهود أوروبا.
أشار المؤلف إلى أن قيادة المنظمة العسكرية “الهاجاناه” وضعت خطة “دالت” موضع التنفيذ عند اشتداد المعارك بين الييشوف والفلسطينيين في آذار 1948، والتي تضمنت طرد العرب الفلسطينيين من المناطق التي ستقام عليها الدولة اليهودية في فلسطين. وأفرد المؤلف مساحة واسعة في توجيه النقد لليسار الصهيوني وخاصة إلى حزب مبام وأتباعه في كيبوتسات “هاشومير هاتسعير” الذين كما أكد المؤلف كانوا الأكثر ضغطا ومناداة ومبادرة لطرد العرب الفلسطينيين من قراهم ومدنهم. وأشار المؤلف إلى أن حزب مبام الصهيوني اليساري قد غير، عمليا وإن لم يكن رسميا، خلال حرب 1948 مطلبه الأساسي الذي كان يدعو للتعايش بين العرب واليهود، واستبدله بمطلب طرد العرب الفلسطينيين من قراهم ومدنهم. ولم يكتف مثلا كيبوتس مشمار هاعيمق بمطالبة بن غوريون في الثامن من نيسان/ إبريل 1948 بطرد العرب من المنطقة، وإنما طالب أيضا بحرقها،(ص. 113).
أشار المؤلف إلى أن بن غوريون أدرك التحول في موقف حزب مبام وكيبوتساته ورحب به، فقد قال بن غوريون في 24 تموز/ يوليو 1948 إن قيادة حزب مبام، ذلك الحزب الذي كان برنامجه يدعو إلى الأخوة اليهودية – العربية، أدركت عقم شعار الأخوة اليهودية – العربية وأنها “رأت أنه يوجد طريق واحد فقط وهو طرد سكان القرى العربية وحرقها، وقد نفذوا ذلك”، (ص. 114). علاوة على ذلك، مارس حزب مبام والكيبوتسات التابعة له في الجليل الغربي، الذي كان تابعا للدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين/ الثاني نوفمبر1947، ضغطا كبيرا على قيادة الدولة السياسية والعسكرية، وفق ما ذكره المؤلف، لاحتلال القرى والبلدات العربية في الجليل الغربي وطرد سكانها العرب منها.
جرائم إسرائيلية شبيهة بجرائم النازية
أوضح المؤلف أن الكارثة اليهودية أثرت على القيم والأخلاق القتالية للمقاتلين الإسرائيليين، بما في ذلك الناجين اليهود من الكارثة والذين هاجروا إلى إسرائيل وانضموا للجيش الإسرائيلي، فباتوا أكثر قسوة وأشد إجراما، (ص. 117). وأعطى المؤلف الكثير من الأمثلة عن الفظائع والعمليات الإجرامية والقتل بدم بارد وقتل الأسرى وهم مكتوفي الأيدي واغتصاب النساء التي قام بها الجيش الإسرائيلي والمنظمات العسكرية الإسرائيلية ضد العرب الفلسطينيين. ومن تلك الأمثلة ما ارتكبه الجيش الإسرائيلي من جرائم عند احتلال قرية الصفصاف الجليلية. فقد ذكر أحد الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في احتلال الصفصاف أن قرية الصفصاف “رفعت الأعلام البيضاء عند احتلال الجيش الإسرائيلي القرية، وجمع الجيش الرجال على حدة والنساء على حدة، وربط أفراد الجيش أيدي خمسين – ستين فلاحا ثم أطلقوا النار عليهم وقتلوهم جميعا ثم دفنوهم في حفرة واحدة. ثم اغتصبوا عددا من النساء”. وأضاف، أنه رأى “عددا من النساء مقتولات بالقرب من الغابة وكانت بينهن إمرأة مقتولة تمسك في حضنها طفلها المقتول أيضا”،(ص. 118). وعندما احتل الجيش الإسرائيلي قرية عيلبون في الجليل، أمر سكانها بمغادرتها. وعندما احتج البعض من سكان القرية وقالوا إن طردهم من القرية يتناقض مع المنشورات التي ألقاها الجيش الإسرائيلي عليهم، أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم وقتل ثلاثين فلسطينيا مدنيا بدم بارد. ولتدليل على مستوى الإجرام الذي وصله الجيش الإسرائيلي في حرب 1948 اقتبس المؤلف ما كتبه يوسف نحماني في مذكراته (الموجودة في أرشيف كفار جلعادي، والتي جرى حذفها عندما نشر يوسف فايتس هذه المذكرات عام 1969 في كتاب حمل اسم: يوسف نحماني رجل الجليل) والتي قارن فيها بين جرائم الجيش الإسرائيلي وجرائم النازيين في وصفه احتلال قرية الصالحة التي استسلمت ورفعت الأعلام البيضاء، فقد كتب يوسف نحماني في مذكراته: “قام الجيش الإسرائيلي بذبح العرب فعلا بالسكاكين. لقد ذبحوا 60 – 70 رجلا وإمرأة. من أين أتوا بهذه القسوة مثل النازيين؟ لقد تعلموا منهم. قال لي أحد الضباط لقد برز في الأعمال الإجرامية أولئك الجنود الذين جاءوا من المعسكرات[ النازية]”،(ص. 118).
المجازر في حرب 1948
أشار المؤلف إلى أن عدد المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي والمنظمات العسكرية الإسرائيلية كان أكثر مما توقعه وأشد قسوة مما كان يعتقد قبل بحثة هذا الموضوع. وضح المؤلف أن ارتكاب الجيش الإسرائيلي للجرائم والمجازر وقتل المدنيين وقتل الأسرى والاغتصاب والسطو على ممتلكات الفلسطينيين كانت أمرا روتينيا في حرب 1948. واستند المؤلف في عرضه وتحليله للمجازر وعمليات الاغتصاب التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية إلى الكثير من الكتب والدراسات الإسرائيلية التي كتبها باحثون ومؤرخون إسرائيليون، لا سيما بيني موريس وإيلان بابه ويوآف غيلبر. وأشار المؤلف إلى أن غالبية الدراسات والكتب التي ألفها باحثون إسرائيليون التي عالجت المجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية، تجنبت كشف كل الحقيقة ودأب قسمها الأعظم على طمس الحقيقة أو إنكار حدوثها. وقد تمشى ذلك مع سياسة المؤسسة الإسرائيلية والرقابة العسكرية التي عملت على إخفاء الحقائق في كل ما يتعلق بجرائم الحرب والمجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية في حرب 1948. وأشار المؤلف إلى أن جزءا كبيرا من محاضر جلسات الحكومة الإسرائيلية في الفترة الممتدة من أيار/مايو 1948 إلى آذار/ مارس 1949 لا زالت مغلقة، لا سيما تلك المحاضر التي عالجت طرد العرب، تدمير القرى العربية، المجازر، عمليات الاغتصاب، عمليات السطو على الممتلكات العربية ونهبها. واستخلص المؤلف إن كل ذلك يقود إلى الافتراض أن “عمليات طرد العرب، تدمير قرى عربية، أعمال السطو والنهب، الاغتصاب والقتل التي اقترفتها قوات الهاجاناه والجيش الإسرائيلي كان أكثر بكثير عما نعرفه حتى الآن”، (ص.176). والدليل على ذلك كما ذكر المؤلف هو ظهور حقائق جديدة في السنوات الأخيرة بين الفينة والأخرى عن الجرائم والمجازر والاغتصاب التى ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في حرب 1948.
خصص المؤلف مساحة واسعة من فصل المجازر في حرب 1948 (ص.129 – 179) في وصف وتحليل أبرز المجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين وهي مجازر: الطنطورة ودير ياسين واللد وعين زيتون. وقد عرض المؤلف المصادر الإسرائيلية التي عالجت هذه المجازر وبحث عدد الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا فيها ووصف كيفية حدوثها وكيفية قتل القوات العسكرية الإسرائيلية بدم بارد المدنيين الفلسطينيين أطفالا ونساء ورجالا، وعرض مذكرات وشهادات إسرائيليين الذين شاهدوا هذه المجازر. ووضح المؤلف الدور البارز لقوات “البلماح” (كتائب الانقضاض) التي انتمت الغالبية العظمة من قيادتها وضباطها وجنودها إلى اليسار الصهيوني، في ارتكاب معظم هذه المجازر مثل مجزرتي اللد وعين الزيتون وغيرها الكثير. واستعرض المؤلف مجزرة عين الزيتون التي كشف النقاب عنها في عام 1985. فذكر المؤلف أنه في سياق احتلال القوات الإسرائيلية للجليل الشرقي احتلت قوات “البلماح” في بداية أيار/مايو 1948 قرية عين الزيتون الواقعة بالقرب من صفد ودمرتها وأسرت حوالي 100 عربي وقامت بربط أيديهم وأرجلهم وأبقتهم في الوادي بالقرب من القرية، وبعد مرور يومين قامت “البلماح” بقتل جميع هؤلاء الأسرى وهم مكتوفي الأيدي والأرجل، (ص.170). فالقوات العسكرية الإسرائيلية ، كما ذكر المؤلف، لم تكن تبقي الأسرى على قيد الحياة، فقتل الأسرى العرب كان أمرا عاديا وروتينيا حتى تلك الفترة من الحرب.
عبر المؤلف عن اعتقاده أنه لم يتم الكشف حتى الآن عن جميع المجازر والجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في حرب عام 1948. ونقل المؤلف عن الباحث الإسرائيلي دان ياهف تأكيده أنه كان معروفا حتى عام 2002 حدوث عشرين مجزرة بحق الفلسطينيين، وبعد ذلك بسنوات قليلة كشف النقاب عن ثماني مجازر جديدة التي لم تكن معروفة من قبل. وذكر المؤلف أن المدير السابق لأرشيف الجيش الإسرائيلي أرييه يتسحاقي أكد أن القوات العسكرية الإسرائيلية ارتكبت عشر مجازر كبيرة التي ذهب ضحيتها أكثر من 50 فلسطيني في كل مجزرة منها، ومئة مجزرة صغيرة التي قتل في كل مجزرة منها أقل من 50 فلسطينيا،(ص.313).
اغتصاب النساء الفلسطينيات
أفرد المؤلف حيزا في كتابه لبحث ظاهرة اغتصاب جنود وضباط من الجيش الإسرائيلي نساء وفتيات فلسطينيات في حرب 1948. أشار المؤلف استنادا إلى مؤرخين إسرائيليين، لا سيما بيني مورس، إلى جرائم اغتصاب ارتكبها جنود وضباط إسرائيليون في 12 مدينة وقرية فلسطينية على الأقل خلال حرب 1948. وقد كان الجنود والضباط الذين ارتكبوا هذه الجرائم من خلفيات مختلفة، فبعضهم كان من الناجين من معسكرات الاعتقال النازي وبعضهم الآخر كان من الييشوف اليهودي في فلسطين. وكان نمط الاغتصاب يتكرر مرة تلو الأخرى، إذ تقوم مجموعة من الضباط والجنود الإسرائيليون باغتصاب عددا من النساء أو الفتيات الفلسطينيات عند احتلال القرية أو المدينة ثم يقومون بقتلهن. ويرى المؤلف أنه لم يتم حتى الآن الكشف عن مجمل جرائم اغتصاب النساء الفلسطينيات التي ارتكبها جنود وضباط من الجيش الإسرائيلي في حرب 1948، لأن الملفات التي عالجت هذه الظاهرة لا زالت مغلقة حتى الآن رغم مرور ستة عقود ونيف على هذه الجرائم.
عرض المؤلف بالتفصيل جريمة اغتصاب عشرات الضباط والجنود في الجيش الإسرائيلي لفتاة عربية فلسطينية من النفب والتي تم كشف النقاب عنها في عام 2005. وتدل هذه الجريمة على القيم والممارسات التي كانت سائدة في الجيش الإسرائيلي خلال حرب عام 1948 تجاه هذه المسألة. ذكر المؤلف أن قوات الجيش الإسرائيلي كانت بعد احتلالها لمنطقة النقب في جنوب فلسطين تقوم بعمليات قتل وتطهير عرقي ضد العرب الفلسطينيين في النقب، بناء على أوامر شفوية في البداية ومن ثم أوامر مكتوبة من قيادة الجيش الإسرائيلي،(ص.134). وذكر المؤلف أنه في 12 آب/ أغسطس 1949 صادفت وحدة آلية من الجيش الإسرائيلي عربيا فأطلقت النار عليه وأردته قتيلا. وبعد ذلك بقليل صادفت نفس الوحدة العسكرية رجلين عربيين وفتاة عربية، فأرغمت الرجلين على الفرار واعتقلت الفتاة العربية التي لم يتجاوز عمرها 15 عاما. وأثناء عودتها إلى قاعدتها العسكرية، مرت هذه الوحدة العسكرية بقطيع من الجمال تابعا للعرب يزيد عددها عن 60 جملا فأطلقت النار عليها وقتلتها. وعند وصول الوحدة العسكرية إلى قاعدتها في “نيريم” في النقب جرد جنود من الجيش الإسرائيلي الفتاة العربية من جميع ملابسها، وأحرقوا الملابس، ثم غسلوا الفتاة وقصوا شعرها، وجرى كل ذلك أمام عشرات الضباط والجنود الموجودين في القاعدة العسكرية. وبعد ذلك، أمر قائد القاعدة العسكرية بجعل الفتاة العربية “جارية جنس” لجنود وضباط القاعدة. وفعلا اغتصبها عشرات الضباط والجنود. وبعد أن أشبعوا غرائزهم الوحشية أمر قائد القاعدة بنقل الفتاة العربية بسيارة إلى بعد 500 متر وقتلها ودفنها هناك، فقام عدد من الجنود بوضع الفتاة في السيارة وهي عارية وساروا بها مسافة معينة وقاموا بقتلها ودفنها، (ص.134 – 135).
أكد المؤلف في خاتمة كتابه أن جنودا وضباطا في الجيش الإسرائيلي ارتكبوا مجازر وفظائع في حرب 1948 ضد الفلسطينيين وأنه لم يقدم أحد منهم للمحاكمة، وأن القوات الإسرائيلية المسلحة قامت بعمليات تطهير عرقي في مناطق مختلفة من فلسطين المخصصة لقيام الدولة اليهودية، وأن طرد الفلسطينيين وعمليات التطهير العرقي جرت وفق سياسة واستراتيجية الحكومة الإسرائيلية.

1 – شاي حزقني، “البحث الذي كان من المفترض أن يثبت أن العرب هربوا في 1948″، هآرتس، 18 – 5 – 2013.
http://www.haaretz.co.il/magazine/.premium-1.2021786

Advertisements